اليوم: الخميس9 صفر 1440هـ الموافق: 18 اكتوبر 2018

دور المساجد في بناء الأمَّة وتأصيل وحدتها

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله


أن تفتح مسجداً، يعني أن تفتح للحريَّة باباً، لأنّ المسجد في إيحاءاته العباديَّة، يخاطب الإنسان، أنّك عندما تقف بين يدي ربّك، فإنّك تكون عبداً لله وحده، فالله خلق الإنسان حُرّاً، وقال له تحمَّل مسؤوليّة الحياة، فأنت في كلّ طاقة من طاقاتك، مسؤولٌ غداً عن كيفيّة تحريك هذه الطاقة فيما يرفع مستوى الإنسان، وفيما يرفع مستوى الحياة، وفيما يُغني الحقيقة ويركِّزها في واقع النّاس.

معنى وجود المسجد

أن تفتح مسجداً، يعني أن تستوحي من المسجد أنَّ العِزَّةَ لله جميعاً، وأنَّ القوّة لله جميعاً، فلا عزّة لغيره إلا من خلال ما يمنحه من العِزَّةِ، فهو الّذي يُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء.

أن تفتح مسجداً، يعني أن تجعل المسجد ينفتح على الحياة كلّها، لا أن ينغلق عليها كما يريد البعض، لأنَّ {الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}[1]، نتربّى فيها على مبدأ التَّوحيد. وإذا كان هذا المبدأ يؤكّد أن لا إله إلا الله، فمعنى ذلك أنه ليس لأحد أن يحاول أن يُعطي نفسه شيئاً من الأُلوهيّة، أو شيئاً مما يرتفع به عن البشريّة، وإذا كان الأنبياء والأولياء والأئمّة هم الَّذين اجتباهم الله واصطفاهم، فإنّ كلّ واحد منهم قدّم نفسه كإنسان، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}[2]. ومعنى ذلك، أنَّ الأنبياء ليسوا من جنس فوق البشر، كما يقول بعض الغلاة، ولكنَّ الفارق هو أنَّ بشريتهم تنفتح على الوحي، وتتغذّى بالوحي، وتُبلِّغُ الوحي، وترتفع بالإنسان إلى أن يكون عبداً لله، كما هي العبوديّة في معناها الّذي يمنح الإنسان معنى إنسانيّته.

أن تكون عبداً لله، يعني أن تنفتح على الله في كلّ ما أمرك به ونهاك عنه، أن تقف أمام كلّ المستكبرين وكلّ الظالمين، وأمام كلّ الذين يرون أنفسهم أعلى من الناس وأقوى منهم. إنّ عبوديتك لله تكبر كلّما كبُرت طاعتك له، وانفتحت عبادتك عليه، بحيث لا تعبد إلهاً غيره.

دور المسجد في بناء الأمَّة

أيُّها الأحبة، لقد كانت أوّل مشاريع نبيّنا الأعظم(ص) عندما هاجر إلى المدينة، أن يبني المسجد، لأنّه أراد أن يُوَحِّدَ المسلمين، وأن يُلغي كلّ ما كانوا يتفاخرون به من خلال الانتماء إلى هذه القبيلة أو تلك. ففي المسجد، الكلّ عبيد لله، وفي المسجد، يتوحّد الخلق من خلال انفتاحهم على وحدانية الله، فهو ربّ الجميع وإله الكلّ، ونحن نعبده ولا نعبد غيره، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[3]. لذلك، نحن نُوحِّدَ الله في العقيدة من خلال المسجد، ونُوحّده في العبادة من خلال المسجد، ونوحّده في الطّاعة وفي الحبّ من خلال المسجد.

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ}، فالمؤمنون لا يحبّون أحداً كما يحبّون الله سبحانه وتعالى، لأنّ من عدا الله هو ظِلال له، فالله هو الحقيقة، ونحن ظلالُ هذه الحقيقة.

المسجد للمسلمين جميعاً

أيّها الأحبّة، عندما نفتتح مسجداً من مساجد الله، لا بدَّ من أن نعرف أنّ الله خلق لنا العقل ليفكّر، خلافاً للّذين يقولون لنا: لا تفكّروا، نحن نفكّر لكم، لأنّ الكثيرين يريدون للناس فقط أن يهتفوا وأن يصفّقوا، دون أن يفهموا لماذا، وأن يُهرولوا دون أن يفهموا لماذا، والله يريد لنا أن لا نخطو خطوة، ولا نقدِّم رِجلاً أو نؤخّر أخرى، حتى نعلم أنّ في ذلك لله رضى، وأنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يسمح لنا ـ وهو إلهنا ـ أن نتقدّم هنا أو أن نتأخّر هناك. لذلك، لا بُدَّ لنا من أن نبقي المساجد لله، فلا نُطَيِّفها، أو نُمَذْهِبها، لأنّها للمسلمين جميعاً، حتى لو اختلفوا في مذاهبهم في داخل الإطار الإسلامي.

إنّ المساجد لله، وقد أراد الإسلام للمسلمين أن يُصَلُّوا معاً، وأن يعبدوا الله معاً، وأن يستمعوا إلى الوعي الإسلامي من خلال الّذين يملكون الوعي. ولكنّ هذا التطوّر التراجعي ـ إذا صحّ أن يكون التراجع إلى الوراء تطوّراً ـ جعل المساجد تَتَمَذْهَبْ، وتَتَطَيَّفْ، فهذا مسجدٌ للسنّة ليس للشّيعة أن يدخلوه، وهذا مسجدٌ للشّيعة ليس للسنّة أن يدخلوه، حتى صار الإنسان الذي يتمذهب بمذهبٍ غير مذهب أصحاب المسجد، يشعر بالغربة في ذلك المسجد.

إنّ المسجد للمسلمين جميعاً. وعندما يجلس المسلمون جميعاً بين يدي الله سبحانه وتعالى، يعرفون من خلال هذه الرُّوحانيّة الّتي تفيض عليهم في صلاتهم، ومن خلال هذه التّقوى التي تمنحهم إيَّاها الصَّلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، يعرفون كيف يتحاورون، وكيف يردّون خلافاتهم، سواء كانت في مسألة كلاميّة أو في مسألة فقهيّة، إلى الله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ}[4]، لا تردّوه إلى عصبيّاتكم، ولا إلى طائفياتكم وتعقيداتكم وحساسياتكم، إنكم تشهدون أن لا إله إلا الله، فارجعوا إلى كتاب الله، وإنّكم تشهدون أنَّ محمَّداً رسول الله، فارجعوا إلى سنّة رسول الله(ص).

الاستكبار والشّعارات الخادعة

ولكنّنا ابتعدنا عن ذلك كلّه، وأعطينا الفرصة للّذين يريدون أن يصادروا الأمّة كلّها، وهذا ما نعيشه الآن، أيُّها الأحبّة، فالولايات المتحدة الأميركية التي تحتلّ بلداً هنا وبلداً هناك، تخدع شعوب الأمَّة في أنها جاءت لتحرّرهم، تماماً كما كانت المسألة في القرن الماضي، عندما جاء البريطانيون وقالوا للعرب: إنّنا نريد أن نحرّركم من العثمانيين ـ أيّاً كان العثمانيون ـ ولكن ماذا تفهم بريطانيا من تحرير الشعوب؟ إنّها تفهم ظلم الشعوب، وبذلك، خدعت العالم العربي، ثم استعمرته.

وجاءت الولايات المتحدة الأميركيّة، لتقول لبعض فصائل الشعب العراقي الجريح، إنّنا نريد أن نحرّركم من هذا النظام، وصدَّقوا ذلك، ثم قال المسؤولون في إدارتها، إنّنا جئنا من أجل مصالحنا الاستراتيجيّة، ومن أجل السّيطرة على المنطقة، ليكون العراق جسراً لنا، نعبر عليه لنستولي على كلّ بترول المنطقة، لأنّ القرن الماضي كان القرن الأميركي للسّيطرة على البترول، وهي اليوم تريد أن تستكمل سيطرتها عليه، حتى تتمكّن من أن تخنق أوروبا، وتخنق اليابان، وتخنق الصين، عندما تملك هذا الشريان الحيوي.

إنّ الاستكبار العالمي الذي تقوده أميركا، لا يمكن أن يفهم معنى الحرية، وإن كانت أميركا تتحدّث عن الحرية، ولا أن يفهم معنى حقوق الإنسان، وإن كانت أميركا تتحدّث عن حقوق الإنسان؛ إنها تعمل على مصادرة العالم كلّه، فقد أصبحت تتحدّث بذهنية إمبراطورية تريد أن تسيطر بطريقة أو بأخرى على كلّ المواقع، حتى إنّها تضغط الآن في بعض المواقع على الاتحاد الأوروبي، وقد تحَدَّثْتُ إلى أحد السفراء الأوروبيّين، وقلت له: لماذا لا تدخلون في حوار مع حركة حماس، ومع الفصائل الفلسطينيّة الأخرى، إن المقاطعة لن تستطيع أن تحقّق شيئاً، ولكنّ الحوار يمكن أن يوصلكم وأن يوصلهم ـ على الأقلّ ـ إلى أنصاف الحلول؟ ففاجأني هذا السفير ـ الذي هو سفير دولة كبرى في أوروبا ـ بقوله: إنّنا لا نستطيع ذلك، لأنّ الضّغط الأميركي علينا كبير.

إشعال الفتنة المذهبيّة

أيُّها الأحبَّة، نحن نواجه الآن مفردات الفتنة الّتي أثارتها المخابرات الأميركيّة في العالم الإسلامي؛ الفتنة بين السنّة والشيعة، حيث يعملون على أن يُثيروا الفتنة من خلال بعض المتخلّفين من هنا أو هناك، وبعض الذين لا يفهمون الإسلام جيّداً، ليتحرّكوا على أساس أن يستحلَّ المسلمُ دم المسلمِ، ولِيَتَّهِمَ مسلمٌ مسلماً آخر بالارتداد أو الكفر وما إلى ذلك. وهذا ما نواجهه الآن في العراق الجريح الذي يجتاحه هؤلاء التكفيريّون، إضافةً إلى قوَّات الاحتلال الأميركي. فهؤلاء التّكفيريّون يتقلون النّساء والأطفال والشّيوخ، ويقتلون الجميع، ومن المضحك المبكي أنهم يقولون: نحن مقاومة ضدّ الاحتلال، ولكنهم في الحقيقة، مقاومةٌ ضدّ الشّعب العراقي لمصلحة الاحتلال، لأنّ الاحتلال يخطّط لأن يبقى في العراق مدّة طويلة، كما صرّح نائب الرّئيس الأميركي وأكثر من مسؤول أميركي.

إنّ الأميركيّين استطاعوا الآن أن يحرّكوا هذه الفتنة، حتى أصبح الجدل الّذي يدور بين المسلمين في أكثر من بلدٍ إسلامي، هو كيف يفكّر السنّة؟ وكيف يفكّر الشيعة؟ وما هي قضيّة الخلافة؟ وما هي قضيّة الإمامة؟

وقد بحث علماؤنا في هذه الأمور سابقاً فيما بينهم، ولا يزالون يبحثون فيها، ولكنّ المسألة هي: هل نفكّر كيف نحرّر بلادنا؟ نحن لا نريد أن نتحدّث عما يختلف فيه المسلمون بأنّه ليس له أية قيمةٍ، ولكنّنا نقول إنها أمورٌ علميةٌ ينطلق فيها هذا بحجّة، وذاك بحجّة أخرى، والعلماء يبحثون ذلك ليقدّم كلّ واحدٍ منهم حجته. ولكن هل هذه الأمور هي مشكلتنا الآن؟ هل مشكلتنا الآن لمِن الخلافة ولمِن الإمامة؟ هل مشكلتنا الآن هي كيف يحُوِّلُ الشيعيُّ السنيَّ إلى التشيّع، أو يُحوِّل السنيُّ الشيعيَّ إلى التسنّن؟!

هل هذه هي مشكلتنا، أو أنّ مشكلتنا هي في الاحتلال الأميركي للعراق، الذي جعل ما يقرب المليون عراقيّ يسقطون بيد عراقيّة، ويدٍ عربيّة، ويدٍ أميركيّة، والّذي جعل العراقيّين يهاجرون من بلدهم؟!

مسؤوليّة صناعة الحاضر

هل مسؤوليّتنا أن نجلب التاريخ إلينا، أو أن نصنع التاريخ؟ إنّ هناك آية قرآنية لم يُفكّر فيها أحد، فالله تعالى عندما حدّثنا عن كلّ تاريخ الأنبياء، وتاريخ النّاس الذين آمنوا بهم، والذين كفروا بهم، كان يقول لنا: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[5]. لقد صنعوا تاريخهم، سواء كان تاريخ الانتصارات أو تاريخ الهزائم، تاريخ الحقّ أو تاريخ الباطل، ولكن أنتم مسؤوليّتكم ليست أن تحاسبوا الماضين عما صنعوه، فالله هو الّذي يحاسب الجميع، بل عليكم أن تصنعوا تاريخكم كما يريد الله لكم أن تصنعوه.

ونحن نعرف أنّ الله يقول: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}[6]. إنَّ الله سبحانه وتعالى يريد منّا أن نعيش حرّيتنا أمام العالم كلّه. لذلك، فإنَّ مشكلتنا الآن هي أميركا؛ فَتِّشْ عن أميركا في كلّ مشكلة في العالم، وفي كلّ مصادرةٍ للثرواتِ في العالم، وفي كلّ فتنة في العالم، ولا سيّما في العالم الإسلامي!

ماذا نجد الآن عندما ندرس الواقع في العالم؟ لماذا ينطلق العالم الإسلامي ليقتل بعضه بعضاً؟ إنّ الفتنة في لبنان تتحرّك من خلال العدوان الإسرائيلي الأميركي، لأنّ أميركا هي التي خطّطت لهذا العدوان، وهي الّتي أعطت إسرائيل كلّ القوّة، وأرادت لها أن تأخذ وقتها في تدمير لبنان، من أجل أن تقضي على المقاومة الإسلاميّة، وهي الآن تريد أن تجعل من لبنان ساحةً لتحريك مشروعها في المنطقة، وللضّغط على سوريا وإيران، وعلى المقاومة في لبنان، وعلى المقاومة الإسلاميّة في فلسطين. لذلك، نجد أنّ لبنان يتحرك في حركة الفتنة، وهم وإن لم يستطيعوا الآن أن يحركوا الفتنة المذهبية بين المسلمين، ولكنهم خلقوا الكثير من الحساسيّات فيما بينهم.

وهكذا، نجد كيف يضغطون على سوريا وعلى إيران، وكيف احتلوا أفغانستان الّتي لا يزال يسقط فيها كلّ يومٍ جريح أو شهيد أو ما إلى ذلك! ثم تحرَّكت أميركا من أجل السودان، لأنه بعد أن جاءت لعنة النفط للسودان، لم تُرد له أميركا أن يستقرّ، لأنها تريد أن تسيطر عليه وتقسّمه لتستولي على كل ثرواته.

ثم ماذا عن الصّومال؟ فهي تريد أن تثأر من الصومال الذي استطاع في سنين سابقة أن يهزم الوجود الأميركي فيه، بأن تحوّله إلى فوضى عارمة، لأنّ مشروع الرئيس بوش هو "الفوضى الخَلاَّقة"، و"الفوضى البنّاءة"، ولا أدري كيف يمكن أن تكون الفوضى خلاّقة؟! نعم، إنها تخلق الفتن والمشاكل لهذا الشعب وذاك الشعب.

لذلك، أيها الأحبة، كان المسجد منذ أن انطلق به الرسول(ص) ساحة للحرية، والعزة، والكرامة، والعلم، والجهاد، وعلينا أن لا نجعل المسجد ساحة للطائفية والمذهبية والفتن التي يصنعها المستكبرون في واقعنا الإسلامي.

تحدّيات المرحلة المعاصرة

إنّ المرحلة التي نمرُّ فيها الآن، هي من أكثر المراحل التاريخية قسوةً في تاريخ الإسلام. لذلك، علينا أن نعرف كيف نرتفع إلى مستوى هذه المرحلة، لنكون مع المقاومة ضدّ الاحتلال وضدّ الاستكبار في أيّ مكان. لننطلق إلى فلسطين، التي يحاول الكثيرون ممن قدّموا للصهيونيّة التنازلات تِلْوَ التنازلات بحقّها، أن يكملوا هذه التنازلات الآن. ونحن اليوم، نسمع أن إسرائيل قدَّمت لبعض الدول العربية اقتراحاً بإصلاح المبادرة العربية الّتي عقدت سابقاً في بيروت، وذلك برفع مبدأ عودة المهجَّرين إلى ديارهم في فلسطين، وهناك كلامٌ وكلام يمكن أن يُبحث من قِبَل بعض الدول في القمة العربية القادمة حول هذا التنازل، تماماً كما تنازلوا سابقاً عن شعاراتهم، وكلّكم تعرفون شعار "لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات"، ثم كان الصّلح، وكان الاعتراف بلا ثمن، وكانت المفاوضات بلا ثمن، حتى قال شاعر سوريا عمر أبو ريشة:

خافوا على العار أن يُمحى فكان لهم       على الرّباط لصون العار مؤتمرُ

هل هناك اجتماعاتٌ من أجل أن نصون العار؟ ومن أجل أن نقوّي العار؟ إنّ مسؤوليتنا عن فلسطين مسؤوليةٌ إسلاميةٌ، ومسؤوليةٌ عربية، ومسؤوليةٌ إنسانية، فيجب أن تبقى فلسطين في العقل وفي القلب وفي كل الواقع، ويجب أن تبقى المقاومة في فلسطين، وأن يبقى المسجد الأقصى ـ الذي تُهدِّده إسرائيل في هذه المرحلة ـ أن يبقى يُمَثِّل الحرم الذي استقبلناه في صلاتنا، والذي هو مسرى رسولنا ومنطلق معراجه، حتى لا نسمح للذين باعوا فلسطين أن يُكملوا بيعها لإسرائيل.

لماذا تُصِرُّ إسرائيل الآن، وتُصِرُّ أميركا والمجموعة الرباعية على تقديم التنازلات لإسرائيل؟ ولماذا تهمس بعض الدول العربية في السرّ هنا وهناك، بأن على حركة حماس أن تعترف بإسرائيل وأن توقف المقاومة؟! لأن إسرائيل، ومعها كلُّ حلفائها، وكل الذين صنعوها، وكل الذين يعطونها القوة، تريد من الفلسطينيين أن يوقّعوا على ورقة (الطابو) لها، فهي مهما احتلت من الأرض، ومهما اضطهدت، ومهما اجتاحت، ستبقى تشعر بأنها غير شرعية، لأنها لا تملك ورقة (الطابو) التي وقَّع عليها أصحاب الأرض. لذلك، فإنّهم يخطّطون لأن يوقّع الفلسطينيّون وليس العرب، لأنّ إسرائيل تشعر بأنّ العرب وإن وقّعوا لها ـ كما فعل بعضهم ـ فإنّ هذا لن يعطيها الشرعية، إنّها تريد للفلسطينيين أن يعطوها هذه الشرعية.

ولذلك، ينبغي أن نعمل من خلال المجاهدين في فلسطين، على أن لا يعطوا هذه الشرعيّة لها، لأن معنى ذلك، أنهم لن يحصلوا على شيء، وربما يُعْطَوْنَ دولة فلسطينيّة مثل المسخ، ولكنّها لن تكون دولةً ـ حتى على أساس أراضي 67 ـ قابلة للحياة.

مركزٌ للإشعاع الحضاريّ

أيُّها الأحبة، إنّ مسؤولية المسجد هي أن يكون منطلقاً لعبادة الله وحده، والكفر بالطاغوت كلّه، سواء كان طاغوتاً أميركياً، أو أوروبياً، أو غير ذلك. إنّنا أمّةٌ استطاعت أن تصنع الكثير في تاريخها، من خلال ما قدّمته للحضارة الإنسانية من معارف وعلوم، واستطاعت أن تنفتح على العالم كلّه، من خلال دينها وثقافتها، فلماذا لا نُجَرِّب العودة لنكون الحضاريّين الذين يُقدّمون الإسلام الحضاري للعالم كلّه، ليعرفوا أنَّ الإسلام يعطي العقل قداسته، ويعطي العلم امتداده، ويعطي الإنسان إنسانيّته؟! لماذا لا نجرّب ـ وهو سبحانه يقول: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًاْ}[7]، ويقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[8] ـ أن نعمل للوحدة الإسلاميّة بكل ّما لكلمة الوحدة من معنى؟!

روّاد الوحدة الإسلاميّة

وعلينا أيها الأحبة، في هذه الليلة؛ ليلة ذكرى أربعين الإمام الحسين(ع)، أن نقدّم الحسين(ع) كما قدّمنا أباه الإمام عليّاً(ع)؛ رائداً للوحدة الإسلاميّة. فالحسين(ع) للمسلمين جميعاً، يُحبّه المسلمون جميعاً، ويواليه المسلمون جميعاً، وعليٌّ(ع) هو رائدُ الوحدة الإسلاميّة. هل قرأتم ما قاله عليّ(ع) في تلك الفترة، عندما انتهت مسألة الخلافة وأُبعِدَ عنها، كان يقول: "حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد(ص)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم، التي إنما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السّراب، أو كما يتقشّع السّحاب، فنهضت في تلك الأحداث، حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنَّ الدين وتنهنه"[9].

كان يؤمن ـ كما نؤمن ـ بأنّ الحقّ له، ولكنّه كان دائماً يعمل لما فيه مصلحة الإسلام. ولذلك، أعطى الذين تقدّموا عليه المشورة والنصيحة، وكانت كلمته الرائدة: "لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة"[10].

أمّا ولده الإمام الحسين(ع)، فهو الّذي انطلق ليقول لنا ـ وهو الذي يحدّد لنا الحكم الشرعي في الإسلام ـ: "أما بعد، فقد علمتم أنّ رسول الله(ص) قد قال في حياته: من رأى منكم سلطاناً جائراً، مستحلاًّ لحُرمِ الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغِير عليه بفعل ولا قول، كان حقيقاً على الله أن يُدخله مدخله. وقد علمتم أنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرّحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وإني أحقّ بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله(ص)"[11]، "وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي(ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر... فمن قبلني بقبول الحقّ، فالله أولى بالحقّ، ومن رَدَّ عليَّ هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ، وهو خير الحاكمين"[12]. وهكذا، كان الحسين(ع) رائداً للإصلاح في أمّة الإسلام، ورائداً للوحدة الإسلاميّة.

تعالوا لنتحرّك في هذا الخطّ؛ الخطّ الإسلامي الأصيل، تعالوا من أجل أن نكون الأعزّاء والأحرار، كما أراد الله لنا أن نكون، وأن نأخذ بأسباب الوحدة الإسلاميّة، وأن لا نستمع إلى كلّ من يريد الفتنة بين المسلمين.

علينا أن نلتقي فيما توافقنا عليه، ونتحاور بالحكمة والموعظة الحسنة فيما اختلفنا فيه، وبعد ذلك، نكون أمّة واحدة، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[13].

* محاضرة


[1] (الجنّ/18).

[2] (الكهف/110).

[3] (الفاتحة/5).

[4] (النساء/59).

[5] (البقرة/134).

[6] (النساء/141).

[7] (طه/114).

[8] (الزُّمر/9).

[9]  نهج البلاغة، خطب الإمام علي(ع)، ج 3، ص 120.

[10]  المصدر نفسه، ج 1، ص 125.

[11]  بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 44، ص 382.

[12]  بحار الأنوار، ج 44، ص 330.

[13] (آل عمران/103).

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ عائلتي تنتقدني دوماً.. ماذا أفعل؟ العلامة فضل الله نعى المحسن الكبير الحاج كاظم عبد الحسين مبادرة لترميم المصاحف القديمة في الصومال مسؤوليَّة الكلمة واستثمارها في الخير نشاطات ثقافيّة لمؤسّسة بيّنات في باكستان فضل الله: لدراسة واعية للخطاب الإسلاميّ في الغرب منبر الجمعة: 3 صفر 1440 هـ/ 12 تشرين أول 2018م من هم الأرحام الواجب صلتهم؟ الإمام زين العابدين(ع): المواجهة بالدّعاء والموقف الأربعاء أوّل أيّام شهر صفر 1440
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر