اليوم: الاثنين15 صفر 1441هـ الموافق: 14 اكتوبر 2019

اهتمام غير عاديّ بظاهرة "التشرميل" الإجراميّة في المغرب.

محمود معروف

 رغم ما أثارته الظّاهرة من اهتمام استثنائي، لا زال الغموض سائداً في المغرب حول "التشرميل"، وهي شكل من أشكال الجريمة الجنائيّة، أبطالها فتيان ينحدرون من أحياء فقيرة، يحاولون أن يكونوا أبطالاً، من خلال نَشر صورهم وأدوات جرائمهم، وما يستولون عليه من المواطنين الّذين يعتدون عليهم، على صفحات التّواصل الاجتماعي.

بدأت الظاهرة في مدينة الدار البيضاء، حيث لقيَت اهتماماً واسعاً من مُختلف وسائل الإعلام المغربيّة، بما فيها الرّسمية، إلا أنها أصبحت ظاهرة "فايسبوكية" مغربيّة، وانتشرت تالياً في عدد من المدن، تزامناً مع اتّساع استخدام مصطلح "التشرميل"، ثم وصلت إلى قبّة البرلمان، ولكن دون أن تتمكّن السّلطات من كشف لغزها والحدّ منها.

 "التّشرميل"، مصطلح مغربي جديد، يُقصد به تعرُّض فتيان مسلّحين بالسّيوف وأسلحة بيضاء متنوِّعة لمواطنين، والاستيلاء على ما يملكونه ممّا خفّ وزنه وغلا ثمنه، ثم يقومون بعد ذلك بنشر صورِهم على موقع فيسبوك، وهم يُشهرون أسلحتهم البيضاء من سيوف بأحجام متنوِّعة، وغنائمهم من مسروقات، هي عبارة عن أموال وهواتف محمولة، وملابس وأحذية وساعات غالية الثّمن، ومخدّرات ومشروبات كحوليّة.
سلوك إجرامي

الباحث المغربي سعيد بنيس، أستاذ العلوم الاجتماعيّة في كليّة الآداب في الرباط، اعتبر أنّ "التشرميل" سلوك إجراميّ يقوم به فتىً بشكل مُنفرِد، في إطار منطقة محدَّدة تختلِف طبيعتها من مكتظّة بالسكّان أو شِبه مُكتظّة أو مساحة خاوية، لتصيّد الغنيمة أو الضّحية. وعادةً ما تكون هذه المناطق موزّعة بالاتفاق بين "المشرملين". لكنّ الظّاهرة لم تصل إلى مرحلة تكوين العِصابات، على غرار ما هو موجود في الولايات المتّحدة أو نيجيريا أو البرازيل.

وفي حديثٍ مع موقع سويس أنفو، قال بنيس: "إنّ تعبير "تشرميل" مُستنبَط من المطبخ المغربي، وهي عمليّة إضافة الملح والبهارات والزّيت إلى السّمك أو الدّجاج، حيث إنّ الفتى يقوم بتوقيف ضحيّته وتفتيشه بدِقّة والاستيلاء على كلّ ما يملِكه، ويتركه دون أن يؤذيه".

ومن خلال متابعته لكلّ ما يتعلّق بالظّاهرة وما نشر عنها، كتابة أو صوراً، بالصّحف الورقيّة أو الإلكترونيّة أو مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك ويوتيوب بالخصوص)، لاحظ الباحث سعيد بنيس، أنّ أعمار "المُشرملين" لا تتعدّى الأربعة عشر ربيعاً، وهي سِنّ الإحساس بالرّجولة أو صناعة البطولة لدى الإنسان، ولفت إلى أنهم قادمون من أحياء تحت خطّ الفقر، ويُـعبِّرون عن عدائيّة ورغبة الإيذاء تجاه كلّ من يعتقدون أنهم يعيشون في وضع أفضل منهم.

الرّغبة في إثبات الذّات
في السّياق ذاته، يوضح بنيس أنّ الفِتيان الّذين يقومون بهذا السلوك، يحاولون التعبير عن رغبة إثبات الذّات تجاه آبائهم، الذين كانوا يقطنون في بيوت صفيح وطردتهم السّلطات، ليلجؤوا في هوامش المدينة إلى الخِيام المُفتقدة لكلّ شروط الحياة، فينظرون إلى من يسكن العمارات بالأحياء الأكثر "رقيّاً"، على أنّه عدوّ أو خصم، يعيش أفضل منه على حسابه.
 السيّد بنيس أشار أيضاً إلى ظاهرة كانت سائدة في عدد من المدن المغربيّة، وهي قيام فِتيان وبالسنّ نفسها تقريباً، بالتوجّه إلى شوارع المدن الرئيسة، مسلّحين بآلات حادّة، لجرْح وتشويه السيّارات الواقِفة، دون أن ينتبه إليهم أحد.

 وتعني كلمة "التشرميل"، تقديم الفتى لنفسه على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، من خلال ارتداء الملابس غالية الثّمن، وامتلاك أحدث الهواتف المحمولة، والتزيّن بأرقى العطور والسّاعات اليدويّة، فضلاً عن تسريح الشّعر بطُرق لافِتة وغير اعتِياديّة، واستعراض القوّة والشراسة من خلال السيوف والسكاكين كبيرة الحجم، وأحياناً الكلاب، وعرض مسروقاتهم وغنائِمهم الّتي حصلوا عليها من عمليات النّشل والاعتداء.

الرّغبة في البطولة
الباحث سعيد بنيس، يرى أيضاً أنّ للظّاهرة علاقة برغبة "البطولة" لدى الفتيان... لتصبح السرقة مِهنة واحترافاً تُظهِر الفتى في المواقع الاجتماعيّة بوصفه "بطلاً" يحظى بموقع ومكانة اجتماعيّة، إن كان أمام أفراد عائلته، أو بين أقرانه، أو أمام الفتيات، وهي ظاهرة مُجتمعيّة شبيهة إلى حدّ ما بظاهرة الرّاب أو عَبَدة الشيطان.

 ومساء يوم الخميس، 3 أبريل 2014، قدّمت الشرطة في أحد أحياء الدّار للبيضاء، سبعة فتيان مُشتبه فيهم بممارسة "التشرميل"، من بينهم طفل وقاصران، ليسوا من ذوي السوابق العدليّة، أو من النوع المعروف بممارسة العُنف، أو بخلق مشاكل قد تصل حدّ ارتكاب فِعل جرميّ، وقد تم إلقاء القبض عليهم بعد نشْر صور لهم وهُم يحملون سيوفاً، ويرتدون ألبِسة أضحت تميّز المحسوبين على أتباع هذه الظّاهرة، وبحوزتهم حاسوبان محمولان وساعتان، إلى جانب سلسلة وألبِسة وأحذية رياضيّة.

مسؤوليّة السلطات
الباحث سعيد بنيس لا يتردّد في تحميل مسؤوليّة الظّاهرة وانتشارها للسّلطات، ليس فقط من مُنطلَق الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة لهؤلاء الفتيان اليافعين، وإنما من موقع تساهلها بما يحدُث في ملاعب كرة القدم، ملاحظاً أنّ جميع الصّور التي نُشرت، بيَّنت أنّ جميع هؤلاء الفتيان يرتدون ملابِس رياضيّة.

وفي معرض الشّرح، قال بنيس إنّ "التشرميل" سلوك دخل التاريخ من ملاعِب كرة القدم، حيث حريّة الهتاف والتشجيع الذي يصل إلى التلاسُن والاشتباك، ولا سيّما بعد التهاون تجاه إدخال السيوف والأسلحة البيضاء الأخرى إلى الملاعب، ما نمّى ثقافة العُنف. ثم أوضح أنّ الملعب يتيح هامشاً من الحريّة، ومع الاستمرار في حالة الهيَجان الكُرويّ، يخرج الفِتيان من الملعب بجُرعة شجاعة زائدة، يمارسون من خلالها كلّ أنواع "التّخريب" الّذي يعتمر بداخلهم، إن كان انتقاماً من الفريق الخصْم أو من المجتمع.

ومثلما كان متوقعاً، استهوت ظاهرة "التّشرميل" وسائل الإعلام المغربيّة بشتّى أصنافها، فتابعتها، مع المبالغة في تناسُل الحكايات الّتي يُؤلّفها الخيال الشعبي، والرّغبة في تحويل شيء عاديّ إلى ظاهرة مجتمعيّة تغري بالمتابعة والتداوُل، ثم لتُصبح حكاية مقبولة بكلّ مُبالغاتها.

 واستمرّت صور "التشرميل" تظهر تِباعاً في صفحات باتت متخصِّصة في عرض صور الفِتيان بتقليعات غيْر مألوفة، يعرضون "ممتلكاتهم" وسيوفهم الطّويلة، بل تناسل بعضها، لتنتشر الظّاهرة جغرافياً، حيث برزت أيضاً صفحة "تشرميل الخميسات"، و"تشرميل مراكش"، ودون احتساب "تشرميل" باسم بعض أحياء وعَمَالات الدّار البيضاء، الّتي بات يقطنها أكثر من 6 ملايين شخص.

ناقوس الخطر
وبالرّغم من أنّ "التشرميل" صار الحديث الطاغي في الوقت الرّاهن في الصحف ووسائل الإعلام المغربيّة، كما انتقل إلى موضوع مساءلة لوزير الداخليّة محمد حصاد تحت قبة البرلمان، بل أضحى محطّ مراقبة شديدة لرجال الأمن، وخصوصاً في مدينة الدار البيضاء، فإنّ صفحات من قبيل "تشرميل بالبيشاميل"، و"تشرميل بالكاراميل"، و"ولد المشرمل"، لا زالت تنشر آخر أخبارها وصورها، غير عابئة بما يحدُث من حولها.
 البعض من هذه الصّفحات انتبه إلى الحملة الإعلاميّة الّتي واكبت تنامي الظّاهرة، وبادر بعضها إلى نشر نُسخ من الصّفحات الأولى لجرائد مغربيّة اهتمّت بالموضوع، ودقّت ناقوس الخطر من تكثّفها وانتشارها، بينما توزّعت تعليقات مُرتادي هذه الصّحُف بين التهكّم والسخرية والتّنبيه إلى ضرورة أخذ الحِيطة والحذَر ممّا يُحاك ضدّهم.

الباحث الاجتماعي المغربي، أكّد أنّ وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، لعبت دوراً أساسياً في انتشار الظّاهرة وتعميمها، ولفت إلى أنها كانت ستكون - بدون ذلك - كغيرها من الظّواهر الاجتماعيّة محدودة المكان والزمان...

"المشرملات" من باب المبالغات
على صعيد آخر، أشارت بوّابة هسبرس إلى أنّ اللافت في الصّفحات الّتي تُتابع أخبار "التشرميل"، تضمّنها لصور تختصّ بالفتيات الـ "المشرملات"، وهو ما لا يعتقد بصحّته سعيد بنيس، حيث قال لموقع: سويس أنفو، إنّ الصّور المنشورة، ليست صوراً لفتيات مغربيّات أو مأخوذة من مدن مغربيّة، كما أنّ الانتقال للحديث عن "المتشرملات"، لا يعدو أن يكون من باب المبالغات، وذهب إلى أنها لا زالت على الأرجح مجرّد ظاهرة افتراضيّة، لكنّه عبّر عن الخشية من أن يؤدّي استمرارها وعدم الحدّ منها، إلى احتضانها من شرائح اجتماعيّة ميسُورة، لتصبح ظاهرة مجتمعيّة واسعة، وليست محدودة ومقتصرة على فِتيان الأحياء الفقيرة، بل قد تتحوّل إلى "فوبيا" اجتماعيّة.

ظاهرة "التشرميل" الّتي تعرفها المدن المغربيّة هذه الأيّام، تزامنت مع ارتفاع نسبة الجريمة خلال الربع الأوّل من العام 2014، حيث  أسفرت الحملات الأمنيّة عن توقيف 103714 مشتبهاً بهم، من بينهم 737 شخصاً من أجل الحيازة والإتجار بالمخدّرات في محيط المؤسّسات التعليميّة، ويقول الخبراء إنّ جميع هذه الظّواهر الإجراميّة، على ارتباط وثيق بالوضع الاجتماعي والاقتصادي وأزمة التعليم في البلاد.

المصدر: موقع سويس أنفو

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي براءة الشيعة من الشّرك! فضل الله: نرفض شيطنة الوجود الفلسطينيّ في لبنان منبر الجمعة: 4 تشرين أوّل 2019 أسهر حتى طلوع الشّمس ولا أصلّي؟! لماذا صالح الإمام الحسن (ع) معاوية؟!
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر