اليوم: الخميس20 محرّم 1444هـ الموافق: 18 اغسطس 2022

قراءة في كتاب: "الشّيعة والمسجد الأقصى"

الشَّيخ صلاح مرسول البحراني

أجاب سماحة الشَّيخ جهاد فرحات في كتابه "الشّيعة والمسجد الأقصى"، عن الكثير من الشّبهات الّتي تركَّزت حول موقع المسجد الأقصى في الإسلام من المنظور الشِّيعيّ، حيث يقال إنَّ الشّيعة لا يعتقدون أنَّ المسجد الأقصى الّذي عرج منه رسول الله(ص) إلى السّماوات، هو نفسه الموجود حاليّاً في فلسطين، ولم يكن القبلة الأولى وغير ذلك، ما جعل أستاذنا سماحة الشّيخ، وبمباركةٍ من المرجع السيِّد فضل الله(رض)، يتصدَّى لهذه الشّبهات، ويبيّن للعالم الحقيقة دون لبس، وبشكل علميّ وموضوعيّ.

مقدِّمة

منذ بزوغ الإسلام، واليهود يسعون بجميع الوسائل لهدم روح الإسلام، فكم من الإسرائيليّات والرّوايات الموضوعة والمكذوبة وراءها اليهود، ونحن نعرف أنَّ موقعيَّة بيت المقدس متجذِّرة في نفوس كلّ أصحاب الدّيانات، ومحلّ مقدَّس ومكان استجابةٍ للدّعاء، ومسجد يعبد فيه الله من قبل الكثير من الأنبياء، وقد أسّس بنيانه نبيّ الله داود(ع)، ومن بعده نبيّ الله سليمان(ع)، فلم تكن قدسيّة هذا المكان بإسراء النبيّ(ص) إليه فقط، بل من خلال ذلك أيضاً، ولذلك أراد اليهود أن يزرعوا الفتنة بين المسلمين بوضع الرّوايات والشّبهات حول محور المسجد الأقصى، لما لهم مصلحة في ذلك، وقد وُفِّق سماحة الشّيخ جهاد فرحات في بحثه، إذ استطاع أن يرد ّكلّ هذه الشّبهات المثارة حول المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس الواقع في فلسطين، بالدّليل والبرهان.

وقد قمت بتلخيص هذا الكتاب بشكلٍ يوضح للقارئ الكريم رأي مفسّري المسلمين من مدرسة أهل البيت(ع) حول موقعيّة المسجد الأقصى، وهل إنّ عروج الرّسول الأكرم(ص) كان من فلسطين أم من السّماء الرابعة كما يزعم البعض!؟، وهل كانت قبلة المسلمين الأولى تجاه المسجد الأقصى!؟

وللمزيد من التّفصيل، يرجى قراءة الكتاب، ففيه تفصيل، والله من وراء القصد.

تفاسير الشّيعة

١) الشّيخ الطوسي: شيخ الطائفة، وأوّل مفسّر للقرآن الكريم، من أعلام القرن الرابع الهجري، يقول في (البيان في تفسير القرآن): "المسجد الأقصى هو بيت المقدس، وهو مسجد سليمان بن داود... إنما قيل له الأقصى، لبُعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام".

٢) الشّيخ الطبرسي: من أعلام القرن الخامس الهجري، يقول في (جامع الجوامع): "أسرى وسرى بمعنى، ونكَّر قوله ليلاً لتقليل مدَّة الإسراء، وأنّه أسري به في ليلة من جملة اللّيالي من مكّة إلى الشّام مسيرة أربعين ليلة، وقد عرج به إلى السّماء من بيت المقدس.. والمسجد الأقصى هو بيت المقدس، لأنّه لم يكن حينئذٍ وراءه مسجد". قال في (مجمع البيان): "فإنّ الإسراء إلى بيت المقدس وقد نطق به القرآن ولا يدفعه مسلم".

٣) الشيخ الشيباني: من أعلام القرن السَّابع الهجري، قال في (نهج البيان عن كشف معاني القرآن): "الإسراء من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى عرفناه بنصّ القرآن والمعراج، وما يتبعه عرفناه بالسنّة وقوله {الّذي باركنا حوله} يريد حول المسجد الأقصى.. والّذي جاء عن أئمّتنا(ع)، أنَّ المعراج كان من المسجد الأقصى إلى البيت المعمور". وقد ذكر قول السّدّي أنّ المسجد الأقصى هو بيت إيليا، يعني بيت المقدس.

٤) الشيخ الكاشاني: من أعلام القرن التّاسع الهجري، قال في (زبدة التفاسير): "المسجد الأقصى بيت المقدس، لأنّه لم يكن حينئذٍ وراءه مسجد". وذكر رواية عن الرّسول(ص): ".. وركبت ومضيت حتى انتهيت إلى بيت المقدس.. ثم أخذ جبرئيل بيدي إلى الصّخرة، فأقعدني عليها، فإذا معراج إلى السَّماء".

٥) الشّيخ الطريحي: من أعلام القرن العاشر الهجري، قال في (تفسير غريب القرآن): "وقد عرج إلى السَّماء من بيت المقدس.. والمسجد الأقصى بيت المقدس، لأنَّه لم يكن وراءه حينئذٍ مسجد".

وهناك من المفسّرين من تبنّوا مثل هذا الرّأي أيضاً، مثل ابن أبي الجامع العاملي، والسيّد شبّر، وأبو الفيض النّاكوري، وغيرهم من الأعلام.

ومن مفسّري عصرنا، ممن ذهب إلى ما ذهب إليه كبار مفسّري الطائفة حول المسجد الأقصى:

٦) الشيخ مغنيّة: قال في (التفسير الكاشف): "والمسجد الأقصى هيكل سليمان، وسمّي مسجداً لأنّه محلّ للسّجود، وهو أقصى لبُعده عن مكّة".

وله إشارات جميلة مهمّة، منها أنّ إسماعيل أوّل نبيّ نطق العربيّة، وأنّ المسجديْن يقعان في الشّرق، وهما بنيا في عهد قديم، إلا أنّ المسجد الحرام هو الأقدم، أقام قواعده إبراهيم الخليل، والمسجد الأقصى أقام قواعده نبيّ الله داود، ومن بعده سليمان، وفي فتوحات المسلمين، بني مسجد على عهد عمر بن الخطّاب سمي مسجد عمر، وعلى عهد عبدالملك بن مروان مسجد قبّة الصّخرة... فراجع تفسيره.

٧) السيّد الطباطبائي: قال في (الميزان): "المسجد الأقصى هو بيت المقدس، والهيكل الّذي بناه داود وسليمان، وقدَّسه الله لبني إسرائيل، وقد سمّي المسجد الأقصى لكونه أبعد مسجد بالنّسبة الى مكان النبيّ(ص) ومن معه من المخاطبين، وهو مكّة الّتي فيها المسجد الحرام.

٨) الشيخ مكارم شيرازي: قال في (الأمثل): "الآية تتحدَّث عن إسراء النبيّ(ص)، أي سفره ليلاً من المسجد الحرام في مكَّة المكرَّمة، إلى المسجد الأقصى في القدس الشّريف".

٩) السيّد فضل الله: قال في (من وحي القرآن): "إلى المسجد الأقصى الّذي هو الأبعد بالنّسبة الى المسجد الحرام، وهو بيت المقدس، الّذي عاش الأنبياء فيه عبادةً لله، ورسالةً للنّاس". وذكر رواية عن الصّادق(ع) قال: "لما أسري برسول الله(ص) إلى بيت المقدس، حمله جبرائيل على البراق، فأتيا بيت المقدس..."، والرّواية طويلة فيها تفصيل، فراجع.

التَّفاسير الرّوائيَّة

إنّ التفاسير الروائيّة، كتفسير البرهان للسيّد هاشم البحراني وغيره، لا تقدّم لنا رأياً واضحاً حول الآية والسّورة، بل هي لا تقوم بتفسير الآيات، إنما تذكر روايات مرتبطة بالآيات وتفسيرها. وما يهمّنا في هذا المجال، ما هو مرتبط بموضوعنا حول موقعيَّة المسجد الأقصى، فالرِّوايات المذكورة متعارضة وغير مدقَّق في صحَّتها، منها ما هو ضعيف، ومنها ما هو مرسَل، وغير ذلك، مما يستدعي التوقّف وعدم الخوض في مثل هذه التّفاسير إلا بعد التّدقيق والتّأمّل والبحث، ولا يمكن الحكم وتحديد رأي صاحب التّفسير لمجرّد ذكره لهذه الرّواية أو تلك.

فالروايات الإسرائيليّة والمرسلة والضّعيفة والموضوعة، قد ملأت هذه التّفاسير، لأنّ أصحابها إنما هدفوا إلى الجمع تارةً، وإلى التّبويب تارة أخرى، كما فعل العلامة المجلسي في البحار تماماً، وقد أشار بشكل تفصيليّ إلى هذا الموضوع، سماحة الشيخ جهاد فرحات، في كتابه "الشّيعة والمسجد الأقصى"، وبيّن ومثَّل بشكلٍ واضح جدّاً، فراجع.

قبلة المسلمين الأولى

قد ذكرت الرّوايات، وبشكل مستفيض يدعو للاطمئنان، أنّ قبلة المسلمين كانت نحو المسجد الأقصى، وذكر الشّيخ فرحات جملةً من الرّوايات، أذكر منها روايتين:

١- عن الصَّادق(ع): "صلَّى رسول الله(ص) إلى بيت المقدس بعد النبوَّة ثلاث عشرة سنة بمكَّة، وتسعة عشر شهراً بالمدينة، ثم عيّرته اليهود، فقالوا إنَّك تابع لقبلتنا، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً، فلمّا أصبح صلّى الغداة، فلمّا صلّى من الظّهر ركعتين، جاءه جبرائيل، فقال له: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، ثم أخذ بيد النَّبيّ(ص)، فحوَّل وجهه إلى مكَّة... فقال المسلمون صلواتنا إلى بيت المقدس تضيع يا رسول الله؟ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}، يعني صلاتكم، إلى بيت المقدس".[من لا يحضره الفقيه، ج١، ٢٧٢ ح٨٤٥].

٢- عن الحلبي عن أبي عبدالله(ع) قال: "سألته هل كان رسول الله يصلّي إلى بيت المقدس؟ قال: نعم. فقلت: أكان يجعل الكعبة خلف ظهره؟ فقال: أمّا إذا كان بمكّة فلا، وأمَّا إذا هاجر إلى المدينة فنعم، حتّى حوّل إلى الكعبة".[الكافي، ج٣، ص٢٥٤، ح ١٦].

وقد ذكر العلماء جميعاً في كتبهم الفقهيّة، أنّ المسجد الأقصى هو من المساجد الأربعة، لتضافر الرّوايات حول ذلك، منها ما ورد عن أبي جعفر(ع): "المساجد الأربعة؛ المسجد الحرام، مسجد الرّسول، ومسجد بيت المقدس، ومسجد الكوفة. يا أبا حمزة، الفريضة فيها تعدل حجّة، والنافلة تعدل عمرة". [من لا يحضره الفقيه، ج١، ص٢٢٩ ح٦٨٤].

بعض الإشارات القرآنيّة لبيت المقدس

. المسجد الأقصى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}[الإسراء: 1].

• المكان القريب: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}[قـ : 41]

• الرّبوة ذات القرار: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}[المؤمنون: 50].

• الأرض المقدَّسة: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ}.

وأخيراً، أختم مع ثلاثة من العلماء قد ذكروا بيت المقدس:

١) الشّيخ كاشف الغطاء: "يعتقد الشّيعة الاماميّة أنَّ جميع الأنبياء الّذين نصّ عليهم القرآن الكريم رسل من الله وعباد مكرّمون بعثوا لدعوة الخلق إلى الحقّ، وأنّ الله سبحانه أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج من هناك بجسده الشّريف". [أصل الشيعة وأصولها].

٢) الشيخ عبّاس القمّي: "اِعلم أنّه ثبت من الآيات الكريمة والأحاديث المتواترة، أنّ الحقّ تعالى أسرى برسول الله في ليلة واحدة من مكّة المعظَّمة إلى المسجد الأقصى، ومن هناك عرج به إلى السّماوات"[منتهى الآمال، ص ٧٨].

٣) الشّيخ جعفر السّبحاني: "إنّ عروج رسول الله في ليلة واحدة من المسجد الحرام في مكّة إلى المسجد الأقصى في فلسطين ومنه إلى السّماء". [العقيدة الإسلاميّة على ضوء مدرسة أهل البيت(ع)، ج ، ص ١٥٩].

تحميل الكتاب

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر