اليوم: الخميس20 محرّم 1444هـ الموافق: 18 اغسطس 2022

حاجة السّاحة الإسلاميَّة إلى الجرأة الفتوائيَّة

الشَّيخ صلاح مرسول البحراني

تعرّض المرجع الدّيني الكبير السيّد محسن الحكيم لانتقادات لاذعة، وتهجّم غير مبرّر، نتيجة رأي علمي مستند إلى الدّليل، ولم يكن هؤلاء الذين قاموا بالنيل منه ـ رضوان الله عليه ـ من عامّة الناس، بل من طلبة الحوزة العلمية، ومن علماء الطائفة المعروفين، فمثلاً، نجد أن البعض قد أفتى بكفره، لمجرّد أنه أفتى بطهارة أهل الكتاب، فقد كتب الشّيخ محمد مهدي الخالصي المقيم في كاشان آنذاك: "أفتى الحكيم بكذا وثبت كفره..."، وقال: "إنه في الوقت الذي نواجه فيه اليهود، فإنّ فتوى من هذا القبيل تدلّ على كفر ونفاق مفتيها".

فهل هناك ارتباط بين طهارة أهل الكتاب ومواجهة الاحتلال الصّهيوني لفلسطين؟! وهل إنّ من يرى بطهارة اليهود يشرّع احتلالهم لفلسطين!؟

لا أعتقد أنّ العقل لا يستطيع أن يفرّق بين ذا وذاك، ألا يدلّ هذا الخلط على ضيق في الأفق؟! ولماذا نكفّر دائماً بعضنا بعضاً لمجرد أن نختلف!؟ أو نفتي بضلال الآخر لأنّه تبنّى رأياً مخالفاً للمشهور؟! فهل مخالفة المشهور بالأدلّة المعتبرة يعتبر خروجاً عن الدين!؟ لماذا لا نجدهم يواجهون الفكرة بالفكرة، والدّليل بالدّليل، والحجّة بالحجّة؟ ألسنا نقول إنّنا أصحاب الدليل، أينما مال نميل؟! أم أنّ ميولنا أصبحت عاطفيّاً مستندة للحماسة والغيرة على الدّين على حساب العلم والتّقوى؟!

ينقل لي أحد  المقرّبين من المرجع السيد فضل الله (رضوان الله عليه)، أنّه في زمن السيّد محسن الحكيم، جاء أحد المؤمنين للسيّد فضل الله، وكان مستشكلاً حول مسألة نجاسة أهل الكتاب، بحيث إنّ زوجته مسيحيّة، وحسب رأي السيّد الحكيم أنها نجسة - قبل أن يفتي بطهارة أهل الكتاب -، فالزّوجة إن كانت نجسةً، فهذا يعني أن كل ما في المنزل سيصبح نجساً، فكيف تتحقّق الطهارة إذاً؟! فكتب السيّد فضل الله إشكال هذا المؤمن للسيّد الحكيم، وينقل أنه كان أيضاً في هذه الفترة نفسها قد نقل إلى ألمانيا للعلاج، وكان المشرفون على علاجه من المسيحيّين، فبعد أن رجع، أعاد البحث حول مسألة نجاسة أهل الكتاب، وأفتى بطهارتهم.

نستفيد من هذه الحادثة، أنّ بإمكان المرجعية الدينيّة أن تعيد مراجعة الكثير من البحوث الفقهيّة، وأن تعيش الواقع، وتكون حاضرةً مع النّاس، فهناك الكثير من الآراء الفقهيّة لا يمكن أن تطبَّق إلا على المستوى النّظريّ البعيد عن الواقع، وخصوصاً عندما تكون هناك مساحة جيدة من الاجتهاد، فرسول الله(ص) يقول: "جئتكم بالشّريعة السهلة السّمحاء"، فالدّين الإسلامي دائماً هو دين العصر، لا يتعارض مع الفطرة والعلم، ويستطيع الفقيه أن يجدّد في الفقه بما يملك من أدوات عمليّة تمكّنه من ذلك، فلا يمكن أن يجعل من مسائله قاعدةً للتّعسير والتّضييق، وهو يستطيع أن يحرّك عجلة الفقه نحو السّماحة والسّهولة الّتي لا تخرج عن الدّائرة الشرعيَّة العامَّة. فعن الإمام جعفر الصَّادق(ع) أنّه قال: "الدّين واسع، ولكنَّ الخوارج ضيَّقوا على أنفسهم من جهلهم"، فمن المهمّ أن يعيش الفقيه الوسع في اجتهاده، وأن يواكب عصره، ومتغيّرات الواقع.

يقول الشيخ محمد جواد مغنيّة في كتابه "فقه الإمام الصادق"، ج1/ ص 30: "وقد عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتّقليد؛ الأوّل كان في النجف الأشرف، وهو الشّيخ رضا آل ياسين، والثّاني في قمّ، وهو السيّد صدر الدّين الصّدر، والثالث في لبنان، وهو السيّد محسن الأمين، وقد أفتوا جميعاً بالطهارة - أي طهارة أهل الكتاب -، وأسرّوا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا خوفاً من المهوشين، على أنّ آل ياسين كان أجرأ الجميع، وأنا على يقين بأن كثيراً من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة، ولكنّهم يخشون أهل الجهل، والله أحقّ أن يخشوه".

لا يخفى على القارئ الكريم، أنّ أهل الجهل الّذين يقصدهم الشيخ مغنيّة، ليسوا من عامة الناس، بل هم من طلبة الحوزة العلميّة، وهنا تكمن خطورة المسألة، فالفقيه عندما يتحرك في اجتهاده، يصطدم بهؤلاء الغوغائيّين، الّذين يقفون أمام تقدّم الاجتهاد بحجج واهية، فالاجتهاد لدينا مفتوح، لا يستطيع أحد أن يغلقه.

السيّد فضل الله له تعبير جميل حول بعض آراء أستاذه السيّد الخوئي(رضوان الله عليه)، يعبّر عنها بالفتوى من وراء العباءة، بحيث إنّه يفتي ببعض الفتاوى في المجالس الخاصّة لأهل العلم، ويحتاط على مستوى الفتوى الفقهيّة، فمثلاً، رأيه في طهارة أهل الكتاب، فإنّه يصل إلى طهارة أهل الكتاب كرأي علميّ، ولكنّه يحتاط في رأيه الفقهيّ.

في المقابل، نجد أن جملة من الفقهاء يرون أنّ الطهارة المادية تتجاوز أهل الكتاب، فهم يرون أن النجاسة معنويّة على مستوى الانحراف الفكري والعقدي، فذهبوا لطهارة الإنسان مطلقاً، كالسيّد فضل الله، والشيخ مكارم شيرازي، والشيخ إبراهيم الجناتي، وغيرهم، فقد ناقش السيد فضل الله المسألة في تفسيره "من وحي القرآن"، سورة التّوبة، الآية 28، قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

اختلاف الفقهاء حول المقصود بالنّجاسة

وقد اختلف الفقهاء في المقصود بالنّجاسة؛ فهل هي النجاسة المادية التي تترك أثرها على الجسد، ويترتب عليها أحكام النجاسة، أم هي النجاسة المعنوية التي توحي بالحاجز النفسي الذي يفصل المسلمين عنهم، فيما تمثله قذارة الفكر الشركي والممارسة العبادية للأصنام، ما يبعدهم عن الأجواء الروحية العبادية التي تعيشها أماكن العبادة التي أعدّها الله للعاكفين والركّع السجود، الذين يعيشون وحدة الله في العقيدة وفي العبادة، من خلال وجود المشركين هناك؟

ولعلَّ المعنى الثّاني أقرب إلى جوّ الآية من خلال الفقرة التالية: {فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا}، فإنّ مضمونها لا يتناسب مع النجاسة الماديّة، ولذا لا يلتزم الفقهاء بحرمة إدخال النجاسات إلى المسجد الحرام إذا لم يستلزم هتكاً، كالدّم أو البول الموضوع في قارورة، أو جلد الميتة أو لحمها ونحو ذلك، ولهذا ناقش في دلالتها على النّجاسة، الفقهاءُ الّذين يرون نجاسة المشرك، ولكن من خلال دليل آخر، لأنّ الآية من خلال ما أشرنا إليه، لا توحي إلا بالتّنافر الروحي والمعنوي بين ما يمثّله المشركون من عبادة الأصنام، وما يمثّله المسجد الحرام من عبادة الله الواحد. وقد كانت هذه السنة التي نزلت فيها الآية، آخر سنةٍ لتواجد المشركين في المسجد الحرام، أو في مكّة، على الرأي الذي يرى أنّ كلمة "الْمَسْجِد الْحَرَام" تتّسع لمكّة، كما ربما تدلّ عليه الآية الكريمة: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}[الإسراء: 1]، فإنّ من المعروف أن النبيّ قد أسريَ به من دار أمّ هاني بنت أبي طالب.

وما يؤيّد إرادة القذارة المعنوية من كلمة «نجس»، وإرادة مكّة من «المسجد الحرام»، أنه لو كانت النجاسة الماديّة هي المدلول للكلمة، لما كان هناك أية مناسبة لقول: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا}، الذي يوحي بأنّه لا مانع من دخولهم المسجد بنجاستهم قبل نهاية العام، لأنّ حكم النجاسة الماديّة في إبعاد المسجد عنها أمر فوريّ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ الفقرة التالية: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ}، توحي بأن المسألة تتصل بخروج المشركين من مكّة، ومنعهم من العودة إليها للحجّ أو لغيره، الأمر الّذي يتّصل بالجانب الاقتصادي السّلبي الذي يتصوّره المسلمون مما لا دخل للنّجاسة فيه من قريب أو من بعيد. وعلى ضوء هذا، فلا يكون لهذه الآية أيّ ظهور في نجاسة المشركين ليتعدّى الكافر الملحد بالأولويّة القطعيّة.

وكذلك يناقش هذه المسألة المرجع الشيخ مكارم شيرازي في تفسيره "الأمثل"، حيث قال:

"وهل الآية هذه دليل على نجاسة المشرك بالمفهوم الفقهيّ، أو لا؟!

 هناك كلام بين الفقهاء والمفسِّرين، ومن أجل تحقيق معنى الآية، يلزمنا التحقيق في كلمة "نجس" قبل كلّ شيء... "النّجَس" على زنة "الهَوس". كلمة ذات معنى مصدري، وتأتي للتّأكيد والمبالغة والوصف.

يقول الرّاغب في مفرداته: إنَّ النّجاسة والنّجس يطلقان على كلّ قذارة، وهي على نوعين: قذارة حسيَّة، وقذارة باطنيَّة.

ويقول الطّبرسي في مجمع البيان: كلّ ما ينفر منه الإِنسان يقال عنه: إنّه نجس.

فلذلك، فإنَّ كلمة "نجس" تستعمل في موارد كثيرة - حتى في ما لا مفهوم للنجاسة الظاهرية فيه - فمثلاً، يسمّي العرب الأمراض الصّعبة المزمنة أو التي لا علاج لها بـ"النجس"، كما يطلق على الشخص الشّرير، أو السّاقط خُلقيّاً، أو الشّيخ الهرم، أنّه نَجس.

ومن هنا، يتّضح أنّه مع ملاحظة ما جاء في الآية - محلّ البحث - لا يمكن الحكم بأنّ إطلاق كلمة (نجس) على المشركين تعني أنّ أجسامهم قذرة كقذارة البول والدّم والخمر وما إِلى ذلك، أو لعقيدتهم "الوثنيّة"، فهي قذارة باطنيّة، ومن هنا، لا يمكن الاستدلال بهذه الآية على نجاسة الكفّار، بل ينبغي البحث عن أدلّة أُخرى".

الخلاصة

إنَّ هناك بعض الآراء الفقهيّة الصّادرة عن فقهائنا، نجدها قد رجمت بالحجارة، ولكنّا أصبحت محلّ قبول بعد فترة من الزّمن، بل أثبتت صحّتها، وأخذ بها كثير من الفقهاء، ولا زلنا بحاجة الى الجرأة الفتوائية، وخصوصاً من قبل كبار مراجعنا المعاصرين، فالسّاحة الإسلاميّة تواجه تحدّياً كبيراً على المستوى الفكري والعقدي والفقهي، فهناك من يسعى ليحرج المسلمين ببعض الآراء الموجودة الّتي ربما هي بحاجة إلى إعادة بحث، وهنا يأتي دور الفقيه المجدّد، الّذي يملك جرأة تحريك الماء الراكد .

[إنَّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبِّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنَّما عن وجهة نظر صاحبها].

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر