اليوم: الثلاثاء6 جمادى الأولى 1439هـ الموافق: 23 يناير 2018

التّسامح والفكر المتسامح

السيد جعفر فضل الله

في أدب القرآن الكريم: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}[1]، وفي الأدب النبوي: "إنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم"[2]، وفي الرؤية الإسلاميّة للإنسان: الناس "صنفان: إمّا أخٌ لك في الدّين أو نظيرٌ لك في الخلق"[3].

وفي اللغة العربيّة: "السّمح والسماح والسماحة هي الجود. وأسمح وسامح: وافقني على المطلوب. والمسامحة: المساهلة. وتسامحوا: تساهلوا"[4].

والَّذي يبدو لي، هو أنّ التَّسامح ملكة في النَّفس، وصفة في الشخصيّة، وروحيّة في البسط والانبساط، تعبّر عن نفسها بالسهولة واليسر وقلّة التعقيد.

ولذلك، قد لا يكون دقيقاً أن نتعامل مع التسامح على أنّه فعل مجرّد، بمعزلٍ عن العمق الَّذي تنبع منه إرادة الفعل؛ فإذا كان التسامح ذهنيّةً وروحيّة وعنصراً من عناصر الشخصيّة، فإنّ المطلوب عندئذٍ البحث عن التسامح في تجليّات النفس والذات؛ ليكون الفعل الخارجيّ تعبيراً صادقاً عن واقعٍ غير ظاهرٍ للناس. فقد تقول لإنسانٍ "سامحتك"، وقد تصافحه أمام الملأ كمظهرٍ من مظاهر التجاوز عن عداوةٍ أو خلافٍ، وقد تبرم معه اتّفاقاً أو معاهدةً على طيّ صفحة الماضي، ولكنّ كلّ ذلك ربما لا يعبّر عن التسامح؛ لأنّ الحياء فرض عليك أن تقول له ذلك، أو أن تصافحه، والظروف الخارجيّة هي التي ألجأتْك إلى أن تبرم معه ذلك الاتفاق.

والسؤال هنا: هل نستطيع أن نعزل التسامح عن الفكر المتسامح؟ وهل يمكننا أن نحصل على تسامحٍ من دون الارتكاز على فكرٍ رحبٍ متسامحٍ ينسج في عقيدته خطوط التواصل مع الآخر، وينظّر لروحٍ إيجابيّةٍ قائمةٍ على الذهنيّة المستقبليّة التي تقوم على قراءة الماضي لأخذ العبر، ولكنّها لا تغرق فيه في غيبوبةٍ عن مسؤوليّات الحاضر؟ ثمّ إذا امتلكنا القاعدة النظريّة للتسامح، فهل يكفي ذلك لإنتاج روحٍ أو ذهنيّة متسامحةٍ؟ أو لا بدّ من أن يتحوّل ذلك الفكر إلى برنامجٍ تدريبيّ على الخلق المتسامح الذي يعالج ـ ولا يكبت ـ المشاعر السلبيّة، والذكريات الأليمة؛ وإلى سلوك المتسامح الذي يختبر العلاقة مع الآخر من منطلق تثمير الإيجابيّات لديهما؛ وإلى تدريب الذات على أن تخفّف من حدّة الأنانيّة والذاتيّة؟

إنّنا نتحدّث هنا عن برنامج حياةٍ متسامحةٍ، تلقي بظلالها على الذين يعيشون فيها، فتطبعهم بطابعها، وتعدّل في اتّجاهاتهم العدوانيّة، وتمارس محواً منهجيّاً لذكرياتهم الأليمة.

مع كلّ الأسف، نريد في لبنان، أو في المنطقة، أو في العالم، أن يسود التسامح؛ ونحن بعد لم نصغ فكر التسامح قواعد راسخةً تحكم حركة المجتمعات والدول، والطوائف والمذاهب، وفي تعاليم الأديان كفايةٌ في هذا المجال... ولم نحوّل شعارات التسامح إلى أنماط عيشٍ تنتجه، وإلى سلوكيّات تنطلق بعفويّة الإنسان الكامن في كلٍّ منّا.

لقد اجتمع اللبنانيّون بعد الحرب في الطائف، ووقّعوا على اتّفاقٍ هناك؛ ولكنّهم إلى الآن لم يغيّروا من منهج حياتهم، ولا من أدوات السياسة، ولا حتّى غيّروا في رموز تلك المرحلة... كيف يمكن أن تغيّر الذهنيّة، من العصبيّة والمصالح الضيّقة والعدوانيّة إلى الذهنيّة المتسامحة، وكلّ ما في الواقع المعاش، ونشرات الأخبار، وصور الصحف والمنشورات، وحتّى الكتب والمطبوعات، تنبش ذكريات الماضي، وآلام الحرب، ومشاعر العداوة، ومنطق العصبيّات البغيض؟!

عندما يقوم التسامح على فكرٍ متسامحٍ، فهذا يعني أنّنا في حاجةٍ إلى حوارٍ جادٍّ. وأنا لا أتحدّث عن حوارات تقطيع الوقت، وانتظار تبدّل الظروف الخارجيّة الَّتي أدمنّا مراقبتها متناسين كلّ عناصر الغنى والقوّة في داخلنا؛ وإنّما أتحدّث عن حوار النخب الثقافيّة التي عليها مسؤوليّة صوغ ثقافة التسامح النابعة من الثقافة الأقرب إلى تفاعل الشرائح الشعبيّة، أعني تعاليم الأديان الأصيلة، لا المنتجة على نار الأزمات، وانغلاق الفكر، وهوى العصبيّات.

وأمام النخب الثقافيّة تحدٍّ فكريّ ومعرفيّ، هو أن تستخرج التسامح كفكرٍ ومنهجٍ من عمق الخصوصيّة الدينية؛ ليكون التسامح مع الآخر جزءاً من تربية المسلم على إسلامه، والمسيحيّ على مسيحيّته، والمذهبيّ انطلاقاً من مذهبه، لأنّ ذلك هو الطريق الأصحّ لتحقيق التجانس بين الانتماء إلى الخاص والانفتاح على العامّ؛ وإلا وقعنا في التأسيس لازدواجيّة في الشخصيّة، بين التربية الخاصّة المنغلقة، والنفاق السلوكي المحكوم بالظروف المتغيّرة؛ وهو ما يبقي التسامح سطحاً في الممارسة، من دون أن يكون عمقاً في الإحساس والتفاعل الإنساني.

وأخيراً، إذا كان يراد لنا أن ندخل في المنطقة مجدّداً ـ وربّما دخلنا ـ في حروب الآخرين على أرضنا، لنساق على وقع التوازنات الدوليّة والإقليمية، إلى حوارات التسامح الشكليّة، فإنّ مسؤوليّة النخب التاريخيّة أن لا تنزلق إلى خطاب المرحلة المأزومة، ومشاعرها المتوتّرة، وذهنيّتها العصبيّة، بل أن تسبق المتصارعين إلى حيث تهيّئ لهم مادّة الحوار، وتعمل في الوقت نفسه على إعداد جيلٍ، قد يمثّل القلّة العددية، ولكنّه القوّة المبدئيّة الكامنة التي تحرّك عجلة التغيير، بعد أن تتبدّل الظروف، أو نبدّلها؛ والله يقول: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}[5]؛ فكيف ننشد التغيير ونحن واقفون، لا في الحاضر فحسب، وإنّما في عمق أزمات التاريخ أيضاً؟!

وتلك هي قصّة الإنسان ـ كما قال السيّد فضل الله ـ: التجربة أبداً؛ لأنّ فشل ألف تجربةٍ لا يعني فشل الفكرة... فلنجرّب الواحدة بعد الألف!

بيروت:26-4-2013م

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ملتقى لرجال الدّین المسلمین في بريطانيا بلدية فرنسيّة تعترف بدولة فلسطين رسميّاً منبر الجمعة: 2 جمادى الأولى 1439هـ/ الموافق: 19 كانون الثّاني 2018م سهر المرأة لوقت متأخّر المبرّات تختتم في الهرمل مشروع تعزيز قدرات النّساء ثانويّة الرَّحمة تدشِّن مجسَّم "أنا أحبُّ محمّدًا" المشاكل بين الزَّوجين: آليَّة الإصلاح والحلّ مجلس الإفتاء يدعو إلى تعلّم أساسيّات الإسلام فضل الله في احتفالٍ تأبينيٍّ في كفرملكي حكومة الائتلاف النمساويّة: هل أعلنت الحرب على المسلمين؟! الخميس أوَّل أيّام شهر جمادى الأولى 1439
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر