اليوم: الخميس9 صفر 1440هـ الموافق: 18 اكتوبر 2018

المرجع فضل الله للمسلمين: آمنوا بقدرتكم على صنع القوّة

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

ليس الأنبياء شخصيات عظيمة تعيش في المجال الطبقي الّذي يصنعه الناس لعظمائهم، ولكنّهم كانوا يعيشون مع الناس، كانوا فيهم كأحدهم؛ يأكلون الطعام، يمشون في الأسواق، يفتحون قلوبهم لإنسان يعيش ألماً، من أجل أن يفسحوا المجال للفرح حتى يطرد الألم، يتواضعون للناس، ويستمعون إلى آلامهم، لا يتحسّسون في أنفسهم أيّة حالة علوّ.

تنقل لنا سيرة الرّسول(ص)، أنّ امرأة رأته ذات يوم، فارتعدت هيبةً له، فقال لها: "هوّني عليك فإنّي لسن بملك، إنّما انا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد". فهو(ص) لم ينفتح على ما عاشته من هيبته لتكون هيبته فاصلاً بينها وبين إحساسها الإنساني به وإحساسه الإنساني بها، لأنّه لا يريد للعظمة أن تكون حاجزاً بين إنسانٍ وإنسان، كما يفعل الكثيرون الّذين يتخيّلون أنفسهم عظماء، ويرفعهم النّاس إلى صفوف العظماء، فاذا بك تجد بينهم وبين الناس حواجز، بحيث لا يعيشون التفاعل معهم، فتسقط بذلك عظمتهم.

 أمَّا رسول الله(ص)، فقد ارتفع إلى أعلى درجات العظمة، عندما نزل إلى حياة الإنسان ليحتضنه ويرحمه ويرأف به، وذلك هو سرّ إنسانيّته في سرّ نبوّته في سرّ حركة الحياة. لماذا لم يتحدّث الله لنا في القرآن الكريم عن صفاته الذاتيَّة؟! بعض الناس في أشعارهم يتحدثون عن جماله، عن لون عينيه وعن جمال وجهه، والله لم يتحدَّث لنا عن جسده. السّيرة تحدَّثت لنا عن ذلك. ولكنَّ الله أراد أن يقول لنا: أيّها النّاس، حتى الأنبياء الّذين هم رسل الله إلى النّاس، انطلقوا مع الإنسان في صفاته الإنسانيّة التي تلتقي بالإنسان الآخر. أن تكون أيّ شيء في جمالك وخصائص جسدك، فهذا شيء يخصّك لا علاقة له بالناس، لكن ما هي أخلاقك؟ ما هو احتضانك لحياة الناس؟ ما هي طبيعة أحاسيسك؟ هل هي أحاسيس ذاتيّة تعيشها في ذاتك، أو هي أحاسيس إنسانيّة تحتضن بها أحاسيس الناس؟!

نحن كمسلمين وكعرب، أمام تحدٍّ كبير، بدأ معنا منذ أن انطلقت الرّسالة في المدينة، وما زال معنا حتى الآن، والقضية أنّ هناك واقعاً يراد من خلاله أن يقال للمسلمين إنّ "بني النضير وخيبر " أصبحا من التاريخ، لقد أخذنا منكم أكثر من خيبر، وثأرنا لأكثر من بني النضير، وإذا كانوا لا يقولون ذلك بكلماتهم، فإنهم يقولونه من خلال مواقفهم.

في الحفلة الجنائزية التي حملت جنازة فلسطين في البيت الأبيض، كان رئيس وزراء العدوّ يقف ليتحدّث عن آلام اليهود في التاريخ، ويتحدّث عن يهود المنفى ومآسيهم، ولكنّ الطّرف الآخر الذي جاء يزحف إليه ويمدّ يده فترةً حتى يصافحه، لم يتحدّث عن عرب ولا عن مسلمين ولا عن شهداء ولا عن مستقبل لكلّ هؤلاء المشرّدين عن أرضهم. إنّ القضيّة هي: قالوا إنّ فلسطين هي جوهر الصّراع، وقد سقط الصّراع بالتوقيع على ورقة "الطابو".

إنّ هناك تحدّياً كبيراً قد تتابعونه بطريقة استهلاكيّة، من خلال ما تقرأونه وتسمعونه، ويقولون إنّه النظام العالميّ الجديد، ويقولون إنّها موازين القوى. ولكن علينا أن نستمع بهدوء عقلانيّ إلى قول الله: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}.

لماذا تصرّون على أن توقفوا الدّولاب في الأسفل، وهناك إمكانية لأن يتحرّك الدولاب من الأسفل إلى الأعلى؟ لماذا لا نثق بعقولنا؟ لماذا لا نثق بإسلامنا؟ لنتحرك عقلانيّاً وعلميّاً ومادياً وروحياً وننطلق، وإذا ضاق الحاضر في مواقع القوّة، فالمستقبل قد يفتح لنا أكثر من أفق. أتريدون الشّواهد من عصرنا؟ كيف كانت بريطانيا في الأربعينات والخمسينات؟ كانت سيّدة العالم. كيف كانت أمريكا عندما كانت مستعمرة لبريطانيا؟ أين أمريكا وأين بريطانيا الآن؟ كيف كان اليهود قبل الأربعينات؟ وكيف هم اليهود الآن؟

إذا لم تكن لك قوَّة الآن، فحاول أن تؤمن بقدرتك على صنع القوّة، فقد تجد في المستقبل أكثر من موقع للقوّة. لا تكن سياستنا سياسة اللّحظة، لا تكن خطّتنا خطّة اللّحظة. المستقبل واسع، ونحن من يقرأ الحكمة: "اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً". ونحن نعمل لآخرتنا كأنّنا نعيش أبداً، ونعمل لدنيانا كأنّنا نموت غداً، نهزم غداً ونسقط غداً.

لماذا تتعبكم القوّة؟ وربما نجد بعضنا يخاف من أن يكتشف نفسه قويّاً، لأن قوّته سوف تتعب حياته. حياتنا هي أمانة الله عندنا، وأرضنا هي أمانة الله عندنا، وإنساننا هو أمانة الله عندنا، والله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها، وقد أرادنا الله أن لا نجهل مسؤوليتنا، فننطلق في المعرفة الّتي تعرّفنا كلّ الواقع في الحاضر والمستقبل، وليكن  انطلاقنا دوماً من خلال إيماننا بربّنا وحقّنا وأنفسنا، وعند ذلك يفرح المؤمنون بنصر الله.

* محاضرة ألقاها سماحته بمناسبة ولادة الرّسول الأعظم(ص)، في الحسينيّة المحسنيّة في دمشق، وذلك بتاريخ: 5 - 1- 1993م.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ عائلتي تنتقدني دوماً.. ماذا أفعل؟ العلامة فضل الله نعى المحسن الكبير الحاج كاظم عبد الحسين مبادرة لترميم المصاحف القديمة في الصومال مسؤوليَّة الكلمة واستثمارها في الخير نشاطات ثقافيّة لمؤسّسة بيّنات في باكستان فضل الله: لدراسة واعية للخطاب الإسلاميّ في الغرب منبر الجمعة: 3 صفر 1440 هـ/ 12 تشرين أول 2018م من هم الأرحام الواجب صلتهم؟ الإمام زين العابدين(ع): المواجهة بالدّعاء والموقف الأربعاء أوّل أيّام شهر صفر 1440
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر