اليوم: الثلاثاء7 صفر 1440هـ الموافق: 16 اكتوبر 2018

عدل الله تعالى في ثوابه وعقابه

خلق الله الإنسان ـ في هذه الحياة ـ لأجلٍ موقوت، وعمر محدود: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}[الأنبياء: 35].

{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}[الزّمر:30].

{وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا}[المنافقون:11].

فالحياة رحلة تبدأ من الولادة، لتتحرّك في خطوات العمر في حركةٍ مفتوحةٍ على كلّ الأيّام، ولتثقلها الأعوام الّتي تتراكم عليها في امتداد الدّهر، وتمضي بالإنسان خطواته الّتي يأكل فيها في كلّ يوم قطعةً من عمره، حتّى يستنفد المائدة الّتي وضعها الله بين يديه كلّها في تعب مجهدٍ، وإرهاقٍ موجعٍ، لتنتهي بالموت الّذي تنتهي به مدّة العمل، الّذي كان يمثّل حركة المسؤوليّة في وجوده ودوره الّذي أعدّه الله له، ليواجه ـ بعد الموت ـ نتائج المسؤوليّة في الثواب الّذي جعله الله للمحسنين من عباده لما عملوه من خير، وفي العقاب الّذي توعّد به المسيئين منهم لما عملوه من شرّ، وذلك في الموقف الحقّ، يوم يقوم النّاس لربّ العالمين، ليجزي الّذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الّذين أحسنوا بالحسنى، وذلك هو الّذي يجعل للحياة هدفاً، ويخرج خلق الإنسان من العبثيّة، فهناك ساحة للعمل في الدّنيا، وهناك ساحة للنّتائج الحسنة أو السيّئة في الآخرة، وذلك هو خطّ العدل الإلهيّ الّذي يعطي كلّ إنسان من عباده حقّه، بما جعله له من الحقّ في الطّاعة، ويحمّل كلّ واحد منهم مسؤوليّته بما له عليه من الحقّ، من خلال طبيعة معنى العبوديّة، ومما أراده الله منه من البُعد عن المعصية.

إنّه الربُّ الّذي ارتفعت أسماؤه إلى أعلى الدّرجات من العظمة، فلا ينالها سوء، ولا يقترب منها نقص، فهي الطّاهرة المنـزَّهة عن كلّ دنس...

وهو الّذي تتابعت نعمه وتكاثرت، وظهرت في معناها المنفتح بالخير على كلّ الموجودات، وهو الربّ الّذي لا يبلغ العباد ـ مهما فكّروا وبحثوا ـ سرّ أفعاله، وحكمة قضائه وقدره، لأنّهم لا يملكون وسيلة المعرفة في شؤون ذاته في أسرارها الخفيّة، وآفاقها المطلقة غير المحدودة، ولا يحقّ لهم أن يسألوه عن فعله لِمَ فعلَه، لأنّ السؤال يختزن في داخله حقّ السّائل في معرفة خلفيّات عمل المسؤول، أو في محاولة الوصول إلى سرّه، أو في قابليّة الفعل للحكم عليه بالخطأ أو الصّواب تبعاً لما ينكشف من طبيعته، مما قد يستتبع المدح أو الذّم، وهو أمر لا مجال له في موقع الخالق ومقامه لدى المخلوق.

فهو الله الّذي يملك المخلوق كلّه، فلا حقّ له في معرفة تفاصيل ما يفعله به أو ببقيّة مخلوقاته، بحيث يُعدُّ الامتناع عن الإجابة قبيحاً، لأنّه لا يملك حقّ الاعتراض على أيّ شيء من ذلك، بعد أن كان الإيمان بالله الواحد الحكيم القدير القاهر فوق عباده العادل، يوحي بالحكمة في كلّ أفعاله، وبالعدل في كلّ قضائه وقدره، لأنّ العبث مستحيل عليه بفعل كمال ذاته، ولأنّ الظّلم مستحيل عليه بفعل الغنى عنه والقوّة في ذاته، فما معنى السّؤال، إلا إذا كان اعتراضاً وتمرّداً، وهذا ما لا يتّفق مع الإيمان الثّابت في الوجدان، ولا ينسجم مع المعرفة الواعية لله في عظمة مقامه في جلاله وكماله... وهو الرّبّ الّذي خلق عباده، وحمّلهم مسؤوليّة أقوالهم وأفعالهم في خطّ حركة العبوديّة في وجودهم الخاضع بطبيعته لله، المنفتح في حركته في داخلهم على خضوعهم الاختياريّ له في طاعتهم له، وبُعدهم عن معصيته. ولذلك، فإنّ من حقّه عليهم أن يسألهم، كما قال سبحانه في كتابه العزيز: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}[الصافّات:24].

وقد جاء في الحديث عن الإمام جعفر الصّادق(ع) في تفسير قوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}[الأنبياء:23]، قال(ع): "لا يُسأل عمّا يفعل لأنّه لا يفعل إلا ما كان حكمةً وصواباً، وهو المتكبّر الجبّار والواحد القهّار، فمن وجد نفسه حرجاً في شيء مما قضى كفر، ومَن أنكرَ شيئاً من أفعاله جحد، وهم يُسألون، قال: يعني بذلك خلقه إنّه يسألهم"... [آفاق الرّوح، ج1، ص:37-39].

إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبِّر بالضرورة عن رأي الموقع ، وإنما عن رأي صاحبه .


مواضيع أخرى للكاتب

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ مبادرة لترميم المصاحف القديمة في الصومال مسؤوليَّة الكلمة واستثمارها في الخير نشاطات ثقافيّة لمؤسّسة بيّنات في باكستان فضل الله: لدراسة واعية للخطاب الإسلاميّ في الغرب منبر الجمعة: 3 صفر 1440 هـ/ 12 تشرين أول 2018م من هم الأرحام الواجب صلتهم؟ الإمام زين العابدين(ع): المواجهة بالدّعاء والموقف الأربعاء أوّل أيّام شهر صفر 1440 منبر الجمعة: 25 محرم 1440هـ/ 5 تشرين أول 2018م أريد المعرفة عن التشيّع!
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر