اليوم: الاثنين5 محرم 1439هـ الموافق: 25 سبتمبر 2017
Languages عربي
وفاة محمد مهدي عاكف المرشد العام السابق للإخوان غزة: الجهاد الإسلامي وحماس ينعيان عاكف ويشيدان بدوره في الدفاع عن القضية الفلسطينية رفع الأعلام الإسرائيلية خلال تجمع ضخم لأكراد العراق في أربيل العفو الدولية: قنابل أمريكية تستهدف مدنيين في اليمن الحوثيون ينشرون شريط فيديو لجنديين سعوديين وقعا في الأسر رئيس الصليب الأحمر: الكوليرا تهدد حياة أكثر من نصف مليون شخص في اليمن إيقاف الداعية السعودي سعد الحجري بعد وصفه المرأة بأنها بربع عقل العبادي يؤكد موقف العراق الثابت من رفض استفتاء إقليم كردستان لعدم دستوريته تركيا: استفتاء كردستان العراق غير قانوني ومرفوض ويعد خطأ جسيماً الجزائر تدرج الصيرفة الإسلامية في 6 بنوك حكومية بحلول العام المقبل إيران تعلن إجراء تجربة ناجحة لصاروخ خرمشهر الديلي تلغراف: ميركل تتجه إلى فوز كبير في الإنتخابات الألمانية بسبب اللاجئين الشرطة الكولومبية تصادر 7 أطنان كوكايين من مزرعة موز البرازيل: ارتفاع حالات الانتحار و9500 حريق في شهر واحد أستاذ أعصاب: 700 مليون شخص يصابون بنوبات صرع و9 آلاف حالة جديدة كل يوم دراسة: الإفراط في تناول المكسرات والخضروات يعزز التهاب أغشية القلب دراسة: التعرض لأشعة إكس في الصغر يزيد خطورة الإصابة بالسرطان في الكبر المبرّات تطلق دورة المربّي خضر دبّوس للرّعاية الفضلى الحسين(ع) ثار من أجل تطبيق الإسلام منبر الجمعة: 2 محرّم 1439هـ/ الموافق: 22 أيلول 2017م نريد عاشوراء فرصةً للوحدة بين المسلمين الهجرة النَّبويَّة في معانيها ودلالاتها البرلمان الهولّندي يفتتح جلساته بتلاوة آيات من القرآن الكريم عداء متصاعد ضدّ مسلمي سويسرا هل كربلاء أفضل من الكعبة المشرَّفة؟! قناة الإيمان الفضائيَّة تفوز في مهرجان الغدير الدَّوليّ فضل الله: نطمح لوطن الكفاءة والقيم مؤسسّسات المرجع فضل الله تقيم مجالس عزاء حسينيّة
  • مواقيت الصلاة
  • مواقيت الأهلّة
  • إتجاه القبلة
التحدّيات الّتي تواجه الجاليات المسلمة
السيد جعفر فضل الله
١١/٩/٢٠١٧
/
20 ذو الحجّة 1438هـ

نمرّ في هذه المرحلة بتحدّيات كثيرة، وهذا الموضوع بحدِّ ذاته، أعتقد أنَّه موضوع قديم جديد، لأننا كأمَّة، غالباً ما نواجه التحدّيات. وقد كان السّؤال منذ أن وطأت أقدام المسلمين الأوائل هذه الأرض (بريطانيا) وغيرها من الأراضي: كيف نواجه التحدّيات التي تقف في وجهنا كمسلمين؟ ومانزال إلى الآن نواجه التحدّيات نفسها، ولاتزال الأزمة مستمرّة.

لكن في الحقيقة، المشكلة الّتي تواجهنا في الغرب، قد تواجهنا في الشَّرق أيضاً، لأنَّ بعض التحدِّيات، على الأقلّ، تواجه الإنسان المسلم أينما كان، سواء كان في الشَّرق أو في الغرب، وهذه التحدِّيات أصبحت يوماً بعد يوم، ومع التطوّر التقني الّذي جعل العالم قرية واحدة، عابرة للحدود والقوميّات، وعابرة للأديان البشريّة برمّتها وللمذاهب، ولذلك، نجد اليوم أنَّ واحداً من أهمّ التحدّيات، هو أنّه هل يجب أن تبقى هويّاتنا التي نشأنا عليها على ما هي عليه؟ فنحن نشعر بأنّه في كلّ يوم، هناك تغيّر ما يصيبنا، فهل ينبغي أن نعتزل؟ وإذا اعتزلنا، هل نستطيع أن نأمن على أنفسنا؟ وإذا أمنّا على أنفسنا من التغير والانصهار ضمن  أتون الحركة السريعة جدّاً في العالم، فهل نأمن على أولادنا من ذلك؟ هل فعلاً نحن نمسك بزمام الأمور؟

أعتقد أنّ هذا التحدّي اليوم عامّ شامل، وليس تحدّياً مختصّاً بالإنسان الموجود في بلاد الغرب. مع ذلك، هذا الأمر يبدو في الغرب أكثر حراجةً، لأننا في الحقيقة، نحن لسنا ندخل إلى أرض جغرافيّة معيّنة يشتري فيها الإنسان منزلاً ويسكنه، ثم يجعل له مجالاً يتحرك فيه في عمل معيّن يعتاش منه.. لسنا أمام ذلك فقط، وإنما عندما يأتي الإنسان إلى أيّ بلد من البلدان الغربيّة، وخصوصاً مما يصنَّف ببلدان العالم الأوّل، فإنه يدخل إلى منظومة، وهذه المنظومة المتكاملة تخضع لقواعد وقوانين، والنظم ترتكز إلى رؤية كبيرة واسعة حول وجود الإنسان على هذه الحياة.

النّظرة اليوم في الغرب للإنسان والوجود وأهداف الحياة، تختلف عن الرؤى التي يختزنها الإنسان المسلم في الشَّرق؛ النظام الغربي عمومًا لا يؤمن بأبعد من البعد المادّيّ للإنسان، ولذلك، هو غير معنيّ بكثير من قضايا الدين التي نشغل أنفسنا بها في جلساتنا في الشّرق. الإنسان اليوم معنيّ بأن يعمل، بأن يأكل، بأن يجمع ماله خلال خمسة أيّام في الأسبوع، ليحاول أن يرفِّه عن نفسه ويعيش نوعاً من المتعة المختلفة في العطلة، وبالتالي، هذا جزء من الطموح الأسبوعي الذي يعيشه، كما أن مسألة الحرية الفردية التي بات يتأسّس عليها الاحتماع الغربي عمومًا، قد فتحت أفق الحرية في تجربة الكثير مما يخضع في مجالاتنا الدينية أو الشرقية لضوابط صارمة، كما في قضايا حرية الشذوذ الجنسي والزواج المثلي كنموذج.

بينما قد نجد قضايا أكبر من مسألة الحياة المادية اليومية في الشّرق؛ قضايا لها علاقة بما يجري في العالم، قضايا لها علاقة بموضوع التحرّر، وقضايا عديدة تتصل بنضال إنساني ربما تجاوزه الغرب.. حتى نحن نعيش قضايا لها علاقة بنظمنا؛ ومنها، كيف ينبغي أن تكون النظم السياسيّة في بلداننا؟ وهل يمكننا أن نصبح في مصاف الدّول المتقدِّمة؟

طبعاً، لسنا هنا في مجال تفضيلٍ للحركة الشرقية على الغربية فيما يتصل خصوصًا بشؤون نضالية ترتبط بأساسيات الحياة المفقودة غالبًا في الشّرق، فهذه القضايا بالنّسبة إلى الإنسان الغربيّ أصبحت وراءه، فهو لديه نظام، وهذا النّظام ينظّم له حياته من جهة، ومن جهة أخرى، يشكِّل له هويّته - ومسألة الهويّة هي بيت القصيد فيما خصَّ موضوعنا - لذلك، عندما يهاجر الإنسان إلى أيِّ بلد غربيّ، ويعيش النّظام الذي ينبغي أن يسير وفقه، فإنَّه يشعر في لحظة ما، بأنَّ هذا النّظام يغيّر شيئاً ما فيه، وهو ما يرصده الإنسان عندما يرجع إلى بلده، ويجري مقارنةً بين ما يعيشه النّاس في بلده وما يعيشه في الغرب.

إذاً، يتغيّر شيء ما فيه، فما بالك بالجيل الثَّاني؟ الجيل الأوَّل المهاجر ربما قد تلقَّى التعليم في بلده الأمّ، وتشكّلت شخصيّات أفراده بمستوى معيّن، لكنّ أولادنا الآن الذين يدخلون منذ نعومة أظفارهم إلى هذه البلاد، سيحصل التغير عندهم بشكل سريع وعفويّ جدّاً، وقد نجدهم، على الأقلّ، لا يحسنون اللّغة العربيّة، وإذا كانوا لا يحسنون اللّغة العربيّة، فإنّهم لن يقرأوا القرآن الكريم، ما يعني أنّ الجزء الأساس من القاعدة التي تعيد بشكل مستمرّ إنتاج الهويّة التي تعنينا بنيتُها ومفرداتها ، لن يكون لهم احتكاك بها، إلا  بمقدار ما يسمعونه بشكلٍ أو بآخر، من خلال المحيط العائليّ، أو المحيط الاجتماعي المحدود...

نعم، هذا يجعل التحدّي في الغرب تحدّياً كبيراً جدّاً، ومختلفاً عن التحدّي في الشّرق، فعلى مستوى الهويّة، هناك أشياء بسيطة؛ فمن منّا لا يسمع في بلده الأمّ النّداء للصّلاة ثلاث مرات أو خمس مرات في اليوم؟ من منّا لا يرى أناساً يذهبون إلى المسجد؟ من منا لا يرى هناك من يعيش بهجة العيد بشكل عام؟ المجتمع كله يعيّد في الأضحى والفطر.. الأعياد التي تختزن طبيعة تحيّة معيَّنة، طبيعة هدايا معيَّنة، طقوس معيَّنة... لكن في الغرب، لن نجد ذلك، إلّا بشكلٍ نحن الّذين نصطنعه.

 ولذلك، التحدّي الكبير الّذي يواجهنا في الغرب اليوم هو تحدّي الهويّة، تحدّي: كيف يمكن لنا أن نجمع بين انتمائنا إلى هويتنا الإسلاميّة، وبين أن نكون مواطنين نعيش عصرنا بشكل طبيعيّ، من دون أن يجد الواحد منّا أنه، وهو يمارس هويته الإسلاميّة، مجبر على أن يعتزل الناس ويصبح ضدّياً مع المجتمع الذي يعيش فيه؟

التحدّي هو كيف نجمع بين هذين الأمرين؛ أن أكون مسلماً وأن أكون مواطناً صالحاً؟ أن أكون مسلماً أرتبط بالتراث الّذي يتصل بتراكم 1400 سنة وأكثر، وفي الوقت نفسه، أن أعيش كلّ معنى المعاصرة، وأنا ابن القرن الواحد والعشرين؟ هل يمكن ذلك؟

اليوم، عندنا نماذج من المسلمين، لديهم فعلاً مشكلة أصبحت ماثلةً أمامنا؛ النّماذج المتطرّفة اليوم، مشكلتها الأساسيّة هي أنها غير قابلة للحياة في القرن الواحد والعشرين بأصالتها، ولا تستطيع أن تعيش المعاصرة إذا أرادت أن تعيش أصالتها الإسلاميّة. ولذلك، فهم في مشكلة دائمة مع المجتمع؛ إمّا مشكلة معرفيّة، أو مشكلة علائقيّة، أو مشكلة سلوكيّة، حتى إنّ ذلك انعكس على ثقافة ألفاظهم التي يتداولون بها أفكارهم مع النّاس الآخرين، حيث تجد الخشونة وتجد الرّعونة وحالات الإقصاء والإلغاء، هذه المعاني كلّها أصبح لديها ألفاظ ومفردات، وأصبح لديها تقاسيم وجه.. هؤلاء المتطرّفون الذين يعيشون التطرّف في فكرهم وفي انتمائهم، عاشوا أزمة هويّة؛ فإذا أراد أن يكون مسلمًا، لا بدَّ من أن يكون لديه انعزاليّة، وإذا أراد أن يكون معاصراً، لا بدَّ من أن ينسلخ عن إسلامه! إذًا لا يوجد حالة توازن.

 وأعتقد أنَّ هذه المسألة هي واحدة من أهمِّ التحدّيات التي تواجهنا إذا ما أردنا أن نتحدَّث عن تحدّ حقيقيّ، لأنَّ هذا التحدّي إذا قدرنا أن نوازن فيه بين الأمرين؛ بين أن نعيش أصالتنا وانتماءنا إلى إسلامنا، وبين أن نكون منتمين إلى المجتمعات التي نحن فيها، فسنحلّ الإشكاليّات الأخرى، لأنّنا بالتالي، إذا كنا ملتزمين إسلاميّاً، فإذاً نحن معنيّون بالرّوح وبتغذية الرّوح، وبالتّالي، كلّ الآليات وكلّ الوسائل والعناصر التي تغذّينا روحياً، لن يؤمّنها لنا النّظام الذي نعيش ضمنه، بل بالعكس، سنجد يوماً بعد يوم، أنّه سيزداد ابتعاد النّاس عن الدّين، حتى الناس الذين كانوا يذهبون إلى الكنائس اليوم، ستجد أنهم يتناقصون عدديّاً في ذلك. فإذا كان النّظام الموجود هنا، لن يؤمِّن لنا جزءاً من هويتنا الإسلاميّة التي ننتمي إليها، فنحن بالتالي معنيّون بأن نؤمّن كلّ ذلك. المفيد هنا، أنّ النّظام الذي نعيش فيه، يؤمِّن لنا قدراً كبيراً من الحريّة التي تسمح لنا بأداء شعائرنا بما لا نعيشه حتى في بعض بلداننا العربيَّة...

 إذاً في النِّظام الموجود لدينا، إذا وعينا هويّتنا الثقافيَّة ومتطلّباتها، نستطيع عندئذٍ أن نقوم بما علينا.. وتأكيدًا، لن يقدِّم لنا المجتمع ما يغذّي هذه الهويّة، بل هو سيعمل دائماً على انصهارنا في مجتمعاته؛ أن تتحوَّل ذهنيّتنا من ذهنيّة شرقيّة إلى ذهنيّة غربيّة...

وعندما نرصد النّظم الغربيّة، سنجد أمرين أساسيّين:

الأمر الأوّل: هناك قدر من الحريّة لجميع الفئات والجماعات أن تمارس انتماءها، وهذا أمر حقيقيّ يؤدّي إلى أن يكون لدينا فرصة أو قاعدة ننطلق منها.

الأمر الثَّاني: هو أنَّ الغرب، وإن كان بطبيعته ينطلق مادّياً، ولا يؤمن بالميتافيزيقيا والماورائيّات، ولا يهمّه ذلك، والكثير من المشتغلين في مجال العلوم الحديثة، لا يهتمون بكلّ هذا الجدل، وليس النظام مركّباً على أساس ذلك، لكن لو رصدنا فعليّاً الكثير من النظم والقواعد التي يعمل عليها النظام في المجتمعات الغربيّة عموماً، لوجدنا أنهم استطاعوا أن يمأسسوا كثيراً من القيم، وأن يضعوا لها قوانين تحميها؛ من قبيل قيم عدم الاعتداء على الإنسان الآخر وعلى كرامته، على مستقبله، على الطبيعة، قيم المحافظة على النظافة... هذه الأمور قد نفتقدها ـ مع الأسف ـ في بلداننا، مع أنّها قيم إسلاميّة.

 إذاً، أنا لا أستطيع أن أقول إنّي عندما أعيش في بلد غربيّ، فإنّي معزول عن الإسلام كليّاً. نعم، النظام لن يؤمِّن لي مسجداً، هو يقول لي إذا أردت أن تفتح مسجداً أو مصلّى أو مركزاً، فـأنا أعطيك الرّخصة بشروط معيَّنة، لو حصلت على رخصة الإنشاء، عندئذٍ نستطيع أن نقوم بما علينا تجاه ذلك. لكن النقطة المهمة، هي عندما نجد أنّنا نعيش الكثير من قيمنا الممأسسة في الغرب، فأعتقد هنا أنّنا نستطيع أن نمارس إسلامنا حتى ونحن نعيش في المجتمع الغربيّ. لا أقول هنا أنّنا سنعيش الإسلام في كلّ مجالات الحياة في المجتمع الغربي، وإنّما سنجد أنّنا قادرون على اللّقاء مع المجتمع في كثير من القيم التي تشكّل قاعدة القانون أو الاتّجاه الذي يحكم حياة الغربيّين.

 لنضرب مثالاً على ذلك، حيث نجد أنَّ بعض الأحزاب تناصر البيئة وتدافع عنها، فهل أنا كمسلم، أشعر بأنَّ هذه الدَّعوة تعنيني، وأنّها قيمة من قيمنا؟ لأنَّ الله تعالى يقول لنا: {وَلا تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}، فعندما يفسد الإنسان في الأرض بعد إصلاحها، فهو يمارس عمليّةً تضادّ الإرادة الإلهيّة، وبالتّالي، أنا واجبي كمسلم أن أصلح. إذاً أنا سأجد نفسي مع هذه الدَّعوات، وسأجد نفسي معنيّاً بأن أنطلق مع هذه الدَّعوة، وأعبّر عن إسلامي الذي سيرصد فيه الآخرون تعبيراً مختلفاً قليلاً عن الأساس الّذي يدفع الإنسان الغربيّ لذلك، لأنّ المسلم ينطلق من عقيدة، باعتبار أنَّ الله أمرني بأن لا أكون سبباً في الفساد.. وهكذا، عندما أجد ظلمًا في سنّ قانون للضرائب يزيد من تهميش الفئات المستضعفة في المجتمع، أو في طبيعة النقاش الذي يدور حول ما يطلق عليه حقوق "المثليّين" مثلًا؛ لأعبّر عن وجهة نظر الإسلام في مسألة الشذوذ الجنسي المذكّر أو المؤنّث، تمامًا كما يعارضُهُ كثيرٌ من الفئات الغربيّة من زوايا دينية أو تقليدية أو غير ذلك...

طبعًا، هذا يفتح بنا على نقطة، وهي أنّ أرضيّة القيم لا يُشترط أن نمارسها بالشّكل الذي نوافق فيه على كلّ ما يطرحه السّائد أو القانون، بل يمكن أن نكون في خطّ المعارضة، وأن لا نشعر هنا بأنّ علينا أن نقوم بعملية إثبات الانتماء عبر الموافقة على كلّ شيءٍ حتى فيما يخالف قيمَنا.

بكلِّ الأحوال، سيجد الإنسان أمامه كثيرًا أو عددًا من القيم التي ينظّر لها الإسلام، وسنجد أيضًا أنّنا أمام نقطة، وهي أنَّ الإنسان الّذي يريد أن يثبِّت هويّته الإسلاميَّة في حركة انتمائه، يحتاج إلى أرضيَّة تحفِّز لديه دائماً هذا الرّبط بين ما يمارسه وبين المبدأ والانتماء والهويَّة والقواعد والنّظم والقيم، وحتّى الأحكام الشّرعيَّة. في الشّرق نحفّز نظريّاً، فنحن نتحدَّث كثيراً في النظريّات، ولكنَّ التّطبيق قليل، وقد يكون السَّبب عوامل متعدِّدة متضافرة.  

لكن اليوم، عندما أريد أن أتّخذ موقفاً مضادًّا لأمرٍ معيَّن، حيث تقوم بمعارضته مجموعة من من النَّاس الَّذين يعيشون في الغرب، قد يكون بعضهم مسيحيّين، وقد يكونون يهوداً أو غير ذلك، لكن لنفترض أنّ هؤلاء اجتمعوا على أنَّ الحكومة التي ستقرّ هذا القانون ستضرُّ بالبيئة، أو ستخلُّ بالنِّظام الاستشفائي التضامُني للنَّاس المستضعفين، أو ستتّخذ قرارًا بشنّ حربٍ على دولةٍ من دون وجه حقّ... وأنا أجد في قرار الحكومة ما يضادّ قيمةً من القيم التي أراد الله سبحانه وتعالى أن تتكرَّس عندي كمسلم، عندها سأكون مسؤولاً عن اتّحاذ الموقف الرافض لذلك، والّذي يتناسب مع قيمي الإسلاميّة. ولذلك، يصبح وقوفي إلى جانب القيمة التي يشاركني فيها أفراد أو جماعات في المجتمع الغربي، فيه تكريس لهويّتي الإسلاميَّة، ولا يعود فقط مجيئي إلى المسجد هو الّذي يحفِّز الانتماء عندي.

هذا الأمر يفرض أن يكون لدينا حسّ نرصد كلَّ ما يجري في المجتمع الّذي نعيش فيه من قضايا، ومن أحداث وتطلّعات ومشاريع، وأقيس ذلك على منظومتي القيميّة، فإذا رأيت أنَّ منظومتي القيميّة تؤكّد ذلك، وقفت حينها الموقف الإسلامي في دعمي لهذه القضيّة أو تلك القضيّة، وبذلك، يصبح وجودي ليس وجوداً نفاقيّاً، بمعنى أضمر شيئاً وأظهر شيئاً آخر، بل يصبح وجودي في المجتمع الغربيّ وجوداً إسلاميّاً، وتعبيري عن مناصرتي تعبيراً عن إسلامي وهويتي وانتمائي، وعندئذٍ، سيشمّ المجتمع الغربي أنَّ هذا الإنسان أو هذه الجماعة أو تلك، إنما ينطلقون بشيء ما موجود ومختزن في ثقافتهم بدعمهم لهذه القضيّة أو تلك، وهذا بحدّ ذاته سيكون داعياً للإسلام. وهكذا كان المسلمون يتصرّفون في الكثير من البلدان التي ذهبوا إليها في تاريخنا الإسلاميّ.

فإذا استطعنا أن نوجد هذا النَّوع من المحفِّزات، فسيعرف أولادنا من الأجيال المتعاقبة، على أيّ قاعدة ننطلق في تكوين رأيٍ سياسيّ، أو اتجاه اجتماعيّ، أو نسج علاقات بيننا وبين الجوار في المنطقة الّتي نعيش فيها، كما نعرِّف أبناءنا في الشَّرق على أيّ قاعدة وأساس انتخبنا الحزب الفلاني في العراق مثلاً، أو في لبنان، أو في أيّ مكان آخر، فنقول لهم إنَّ هذا الحزب لديه برنامج كذا وكذا.

وهذه فرصة لنا الآن. في الغرب، لا أحد ينتخب أحداً من دون برنامج، ويكون البرنامج واقعيّاً وعمليّاً، وليس مجرّد برنامج نظريّ، ولذلك، عندما نأتي ونقول لأبنائنا نحن انتخبنا فلاناً ولن ننتخب فلاناً في البلدية، لأنَّ مشروعه يقول كذا وكذا، ونبيّن له الأسباب من خلال آية من كتاب الله، أو حديث شريف، أو نستمدّ ذلك من سيرة أهل البيت(ع)، إذاً أنا أكون بذلك أثقّف ابني في المجتمع بالإسلام، وعندما يأتي إلى المسجد ويسمع النظريَّة ثم يخرج، سيبحث تلقائيّاً، لأنّني أكون قد نمّيت لديه حسّ البحث عن تطبيقات النظريّة في المجتمع الّذي يعيش فيه، وبذلك يكون هذا عنصراً تحفيزيّاً في الإسلام، ولا نخسر أبناءنا بهذا الشّكل الذي نخسرهم فيه!

لماذا؟ لأننا قد نجد في لحظة من اللّحظات، أنّنا إنما نثقّف أبناءنا على نظرية الإسلام، من دون أن نعلّمهم كيف يرصدون هذه النظريّة في عالم التّطبيق، بينما نجد أنّ الله سبحانه وتعالى تحدّث عن نبيّه(ص) وقال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}؛ الكتاب، أي خطّ النظريّة، والحكمة أي خطّ التّطبيق، نعلّمهم كيف يطبّقون النظريّة في الحياة. وخطّ النظريّة، سواء في الموقف الإيجابي أو في الموقف السلبي.

إذاً، لديَّ الكثير من القواعد التي أستطيع أن أثقّف بها أولادي، من خلال وعي ما يجري في المجتمع. فإذا استطعنا أن نوجد هذه الشّبكة من المحفِّزات، فنحن لن نعيش انفصاليّة بين دخولنا إلى المسجد، أو دخولنا إلى بيوتنا، وبين المجتمع الّذي سيخرج إليه أبناؤنا ويمضون فيه أكثر من الوقت الذي يقضونه في البيت، لأننا نعرف أنَّ المدارس والجامعات تأخذ أبناءنا، ثم بعد ذلك، سيأخذهم سوق العمل، وبالتالي، ربما لن نراهم إلا مرّة في الشَّهر، أو في الأسبوع، وما إلى ذلك.

بتعبير آخر، لا بدَّ من أن نوجد شبكة أمان إيمانيَّة في المجتمع الذي نعيش فيه، الشَّبكة الّتي تربط بين النظريّة وتطبيقاتها في الخارج، وبالتّفاصيل. نحن نقول أحياناً إنَّ هذه الدَّولة ليست إسلاميّة، وليست الدَّولة الّتي تؤمِّن لي الغذاء الرّوحيّ، بل على العكس من ذلك، تأخذني إلى كلّ مفاتن الحياة، وتغرقني في كلّ يوم بشيء مادّيّ جديد يبعدني عن الرّوح! ولكنَّ هذه القضايا تؤخذ بالتَّفصيل وليس بالجملة.

نحن نقول هذه بلدان كافرة! ولكنّنا نجد أنَّ الكثير من القيم الإسلاميّة فيها أصبحت ممأسسة. نحن نسمع مقولة ذلك الرّجل الّذي جاء إلى الغرب وقال: وجدت الإسلام في الغرب ولكن ما وجدت المسلمين. لماذا؟ لأنّه وجد قيم الإسلام ممأسسةً بطريقة أو بأخرى. ليست  بالضّرورة كلّ القيم، ولكن إذا كان هناك 50 في المئة، أو حتى 30 في المئة من القيم الإسلاميَّة مكرَّسة، إذاً أنا سأتعامل مع هذا المجتمع ومع هذه النِّسبة من القيم، وأجعل أبنائي وبناتي يشعرون بأنهم إنما إذا تعاملوا ضمن هذه القيم الّتي يجدونها في كتاب الله وفي سنَّة رسوله(ص)، وفي سيرة أهل البيت(ع)، وفي تراثهم الطّويل، فلن يعيشوا الازدواجيَّة، وأعتقد أنَّ أكبر خطر على الهويَّة، هو عندما نجعل قاعدةً للازدواجيّة، لأنّنا سنكون حينها كذلك الغراب الّذي حاول أن يقلّد مشية الحجل، فما استطاع تقليده، ولا هو قدر على العودة إلى مشيته الأصليّة، فصار بلا هويّة.  

فالازدواجيَّة هي الّتي تصنع المشكلة، ولذلك، حارب الإسلام النِّفاق لأنّه قائم على ازدواجيَّة، وأراد من الإنسان أن ينطلق بكلّ عفويّة وصدق مع نفسه، والصّادق يصدّقه الله سبحانه.

 كلّ هذه الأدبيات تريد أن تقول لنا بأننا عندما نريد أن نحفظ هويّتنا، فلا بدّ أوّلاً من أن نتعرّف إلى هذه الهويّة بكلّ عناصرها التفصيليّة، ثم نبحث عن هذه العناصر التفصيلية في المجتمع، وإذا بحثنا عنها، عندئذٍ نستطيع أن نوجد نوعاً من التَّشبيك أو التّجسير بين هذه العناصر التي تمثّل هويتنا، وبين تفريعاتها التي لا تأخذ عنواناً إسلاميّاً، ولكنّ روحيّتها إسلاميّة، وبذلك، نستطيع أن نوجد شبكة أعلى من الأمان الإيماني الّذي ربما يغذّي أبناءنا، ولا يشعرهم بشيء من الازدواجية.

نعم، ينبغي أن يكون واضحاً في الأمور الّتي لا تنسجم مع الهويّة، وأن يكون لديه التّعليل الكافي والوافي الّذي ينسجم مع ذهنيَّة الإنسان في هذا العصر، وأن يبحث أيضاً عن الأجوبة لأي إشكاليّات أو أسئلة يمكن أن تُطرح على العقيدة أو الفكر أو السياسة أو الاجتماع وما إلى ذلك.

اليوم، لا أحد معفيّ من البحث؛ محرّكات البحث موجودة، والإنترنت مفتوح. أن نبحث: لماذا لدينا قضيّة أو مشكلة في هذا القانون في الغرب أو مع هذا السّلوك في الغرب؟ لماذا علينا أن لا نرتاد هذه الأماكن في الغرب؟ لماذا علينا أن نبقي علاقاتنا الإنسانيَّة، وأن لا نستغرق في الجانب المادّيّ الذي يشيِّئ العلاقات الإنسانيّة؟... كلّ ذلك علينا أن نعلِّله بشكل وافٍ وكافٍ، لنضمن استمراريّة القناعة به، وليعرف الإنسان نفسه عندما ينغمس في بعض الأمور الّتي لا تتوافق مع هويّته، دون أن يدَّعي أنه يمارس إسلامه بشكل أو بآخر.

ما حاولت في الحقيقة أن أسلِّط الضَّوء عليه، هو أن ننطلق من قاعدة تفرض فعليّاً علينا أن نتبادل، أن نتواصل، أن نوجد حلقات تفكير، أن نوجد جلسات للعصف الذِّهني، لرصد أيّ مشكلة، وأن نستمع كثيراً إلى الأجيال، لنرى كيف يفكِّر هذا الجيل، وخصوصاً جيل الشَّباب، وما الّذي يتأثّر به وما هي مشاكله الحياتيّة اليوميَّة... هذا يحتاج إلى جلسات حوار حقيقيَّة، إلى مأسسة الحوار، حتّى نجد الحلول المناسبة... أن نبقى في حركة دائمة، والقاعدة الأساس الّتي ننطلق منها، هي أنَّ لدينا هويّة تمثِّل انتماءنا، وتمثِّل رؤيتنا في الحياة، ووجودنا في هذه الحياة، وهذه الهويّة هي الّتي ينبغي أن نكرّسها ونجذّرها في أبنائنا.

نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا بما يعين به الصَّالحين على أنفسهم، إنَّه تعالى أرحم الرّاحمين.

مؤسَّسة الهادي، (مانشستر - بريطانيا) بتاريخ: 20-8-2017  


مواضيع اخرى للكاتب

تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها
أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
كتاب معلم الشيعة الشيخ المفيد"
مسؤوليّتنا في غياب المهديّ والتّعاطي مع الزّمن
الدّين عقيدة وشريعة وأخلاق
زيارة عاشوراء في الميزان

تواصل معنا

يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر