اليوم: الثلاثاء6 جمادى الأولى 1439هـ الموافق: 23 يناير 2018

هل عصى هارون موسى؟

محمد عبدالله فضل الله

أساليب عديدة ذكرها القرآن الكريم على لسان أنبيائه، بغية إعطائنا المزيد من الدروس التوجيهيّة في كيفيّة التعامل مع الواقع، بما يحفظه ويوصله إلى برّ الأمان، بعيداً من العنتريات والانفعالات وعرض العضلات والتهوّر.

 فعندما صعد موسى(ع) إلى جبل الطور، خلّف أخاه هارون على قومه ليدير شؤونهم، وعندما رجع، وجد القوم قد تركوا الرسالة وأهملوها ووقعوا في الضلال، وهنا عاتب موسى أخاه وسأله عن سبب ما وصل إليه حال القوم.

وليست القضيّة أن موسى(ع) لم يكن يثق بقدرة أخيه على إدارة الواقع، بل إنّه أراد الاستفسار والسؤال عن الأوضاع التي صدم بها جرّاء استفحال ضلال القوم. ولذلك، نجد موسى(ع) يدعو لنفسه ولأخيه بأن يغفر الله لهما ويدخلهما في رحمته، كما في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.

فكان جواب هارون هو الجواب الطبيعيّ والمناسب والحكيم، فهو لم يعص أمر أخيه الذي هو أمر الله بهداية قومه، ولم يسكت عن وعظهم وردعهم عن الغيّ والضّلالة، ولكنه أراد حفظ المصلحة في عدم أذيّة الرسالة، عندما يلجأ إلى أسلوب الصّدم المباشر، بالشّكل الذي لا يترك مجالاً أمام وحدة الناس وتوجّهاتهم ولمّ شملهم وتجميع قوّتهم، فاختار أن يدرس خطواته جيّداً في دعوته لقومه، ليضعهم أمام مسؤولياتهم بطريقة لا تؤذي واقعهم وحركتهم ومسيرتهم واجتماعهم، متّبعاً سياسة النصح والإصلاح بانتظار أمر الله تعالى.

يقول تعالى في كتابه العزيز: {قَالَ يا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ* أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}.

والسؤال: لماذا اعتبر هارون(ع) تدخّله مع قومه ونصحه لهم تفريقاً لأمرهم؟

يجيب العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله فضل الله(رض):

"ما اتّبعه هارون من أسلوب، لم يكن عن ضعف وعصيان، بل كان ناشئاً من دراسة الموقف، فقد كان الانفعال مسيطراً على القوم، وكانوا بحاجة إلى شخصيّة قويّة مؤثّرة، تفرض نفسها كشخصيّة نبيّ الله موسى(ع)، باعتبار موقعه وسلطته عليهم، فرأى هارون عدم تيسّر ذلك له، فلم يختر التدخّل العنيف الّذي يفرّق معه القوم ويقسّمهم بين من يتبعه ومن يرفض الانصياع له، وقد يؤدِّي إلى التّقاتل بينهم، فأراد حفظ وصيَّة أخيه(ع) بما فهمه منه، وهو الإصلاح في قومه، فبيّن لهم الحقّ، وصبر إلى مجيء موسى(ع)".[استفتاءات].

وما نودّ أن نلفت إليه، هو أن ثمة فرقاً جوهريّاً يمكن ملاحظته بين شخصيّتي موسى وهارون (عليهما السّلام)، يؤدّي بالضرورة إلى اختلاف أسلوبيهما في الدّعوة والمنع من الانحراف. فموسى(ع) هو الّذي هزم فرعون في كلّ ساحات التحدّي بينهما، الأمر الذي أعطى لوجوده بين بني إسرائيل عنوان القوّة، فكان مجرّد كلامه معهم مؤثّراً ومانعا ًمن الانحراف، بخلاف موقف هارون الّذي بحسب ظروف موقعه، وهو التابع لموسى، لا يملك هذه القوّة والسّطوة في عيون بني إسرائيل، ولذلك قال: {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي}[الأعراف: 150].

يعطينا القرآن الكريم صورة واضحة عن الصّفات والقدرات الموجودة لدى الأنبياء، وكيفيّة تعاملهم مع الواقع والظّروف، بما يبرز خصائصهم وميزاتهم وتأثيراتهم في حركة الدّعوة والحياة.

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن فضل الله: لن نبني وطناً إذا فكرت كل طائفة لحسابها الخاص الجزائر: الأذان باللّغة العربيّة فقط.. واهتمام بالأمازيغيّة ابنتي تختلط بالشّباب! ملتقى لرجال الدّین المسلمین في بريطانيا بلدية فرنسيّة تعترف بدولة فلسطين رسميّاً منبر الجمعة: 2 جمادى الأولى 1439هـ/ الموافق: 19 كانون الثّاني 2018م سهر المرأة لوقت متأخّر المبرّات تختتم في الهرمل مشروع تعزيز قدرات النّساء ثانويّة الرَّحمة تدشِّن مجسَّم "أنا أحبُّ محمّدًا" المشاكل بين الزَّوجين: آليَّة الإصلاح والحلّ مجلس الإفتاء يدعو إلى تعلّم أساسيّات الإسلام
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر