اليوم: الثلاثاء6 جمادى الأولى 1439هـ الموافق: 23 يناير 2018

ما معنى خلود الإسلام؟

محمد عبدالله فضل الله

يتساءل البعض عن مقولة إنّ الإسلام دين خالد وصالح لكلّ زمان ومكان. فما صحة هذا القول ودلالاته؟

والجواب، أن الدين الإسلامي الذي هو خاتم الرّسالات السماويّة، يضع القواعد والخطوط العامّة التي تعالج قضايا الجنس البشريّ وأوضاعه بالشّكل الذي يتناسب مع كينونيته وظروفه النفسية والشعورية والإنسانية العامّة، بما يحفظ هذا الجنس من السّقوط والانحراف وعدم التوازن، وبما يصون أصالة الحقّ والحقيقة، كما أرادهما الله تعالى على مرّ العصور، حيث إنّ الحقيقة لا تتبدّل بتقادم الزمن، رغم تجدّد الفهم لها والتناول والقراءة.

هذه القواعد والأفكار الإسلاميَّة العامَّة، تسعى إلى تنظيم علاقة الإنسان بنفسه وربّه والوجود من حوله، بما يضمن سلامة مساره وحركته، بالشَّكل الذي ينسجم مع إرادة الله تعالى في وجود إنسان واع حرّ ومسؤول، يملك الرؤية والهدف، ويتحرّك على أساس البصيرة من أمره ومصلحته.

هذا، وقد أجاب العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رض) عن سؤال حول مقولة ديمومة الشّريعة وصلاحها لكلّ الأزمان، بقوله:

"إنَّ ما تعتني به الشَّرائع، وكذا القوانين، في القديم والحديث، هو وضع حلولٍ للمشاكل الّتي يعانيها الإنسان من موقع (إنسانيَّته) الّتي هي مشتركة مع جميع أفراد البشر، وفي جميع الأزمان، لا من موقع شخصانيَّته من حيث هو زيد بن عمر المولود سنة كذا في بلدة كذا. فالتَّشريع - وكذا القانون - يمنع الجار أن يؤذي جاره، وهو حكم يعالج ما قد ينشب من مشاكل بين الجيران، حيث لا فرق بين ما لو كان الجاران يعيشان في المدينة المنوَّرة في زمن النبيّ(ص)، أو كان الجاران يعيشان في الشانزليزيه في باريس في زماننا هذا، فإذا آذى الأوَّل جاره بإلقاء النّفايات عليه، والثّاني آذى جاره بصوت تلفاز، فكلاهما إيذاء محرَّم.

وهكذا جميع التَّشريعات في واجباتها ومحرَّماتها ومستحبَّاتها ومكروهاتها، ومن جهة أخرى، فإنَّ الإسلام ترك ما يسمَّى بمنطقة فراغ لم يشرّع لها، وتركها لكلِّ جيل ليطبق عليها فقهاؤه كليّات الدّين التي تنسجم معها، فمثلاً، قوانين السَّير والمرور لم تكن موجودةً، لكنّها لما كانت ضروريّة لتنظيم حركة المرور، فقد أمر الشَّرع بإطاعة كلّ ما يحفظ النّظام العام، وحرّم الإخلال به وإيقاع الفوضى، فقانون السّير رغم حداثته، هو مما تنطبق عليه كليّات التّشريع، فيدخل فيها.

أمَّا الرّقّ، فقد كان لزمانه ضروريّاً، وحيث إنَّه ملغى، فإنَّ تشريعه معطَّل، وفي جميع الشَّرائع والقوانين موادّ معطَّلة، لعدم الحاجة إليها في زمان معيّن، فإذا فرض أنَّ الرقَّ عاد في يوم من الأيّام، فإنَّ تشريعه موجود. وهكذا، فإنَّ الإسلام لم يعالج مشاكل أسامة بن زيد الّذي عاش في زمن النبيّ(ص) مثلاً، حينما وقع وجرح يده وتحيّر كيف يربطها ويصلّي، وأنّه هل وجد رباطاً أو لم يجد، بل إنَّ الإسلام قال: من كانت يده مربوطة، فليتوضّأ وليمسح على الجبيرة وليصلِّ. فأنت ترى أن هذا الحكم سيطال كلّ فرد وكلّ جيل وكلّ زمن، لأنه لم يشرّع ليحلّ له مشكلة ربط الجرح، ليكون لكلّ فرد خصوصيته في مقدار الجرح وفي شدّة الألم وفي نوع الرّباط، لنقول إنّ لكلّ زمان خصوصيته، بل إنه قد شرع حكماً عاماً يطال جميع المجروحين على حدّ سواء، مهما كانت جراحهم وأربطتهم، وهكذا الحال في جميع جوانب الحياة، وإنّنا ننصحك بدراسة الإسلام من مصادره الأصيلة، في مفاهيمه الإنسانيّة العامّة وفي تشريعاته، لتعرف أنَّ الحقيقة الأصيلة تمتدّ مع الإنسان في الزّمان والمكان" .[استفتاءات].

إنَّ خلود الإسلام هو بمدى تمثّلنا وترجمتنا لروح تشريعاته ومفاهيمه، بما يسمح بإبراز دوره وغاياته في الحياة، وهذه مسؤوليّتنا كأفراد وجماعات وفقهاء وعلماء ومثقّفين وعاملين، لأنه بمقدار ما نملك وعياً لحقائق الإسلام ومقاصده، نتعرّف شيئاً فشيئاً على قواعده وخطوطه العامّة التي تنظّم لنا واقعنا، وتنير لنا دروبنا، وخصوصاً فيما نواجهه من تعقيدات ومشاكل تحجب عنا رؤية الطّريق بوضوح.

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن فضل الله: لن نبني وطناً إذا فكرت كل طائفة لحسابها الخاص الجزائر: الأذان باللّغة العربيّة فقط.. واهتمام بالأمازيغيّة ابنتي تختلط بالشّباب! ملتقى لرجال الدّین المسلمین في بريطانيا بلدية فرنسيّة تعترف بدولة فلسطين رسميّاً منبر الجمعة: 2 جمادى الأولى 1439هـ/ الموافق: 19 كانون الثّاني 2018م سهر المرأة لوقت متأخّر المبرّات تختتم في الهرمل مشروع تعزيز قدرات النّساء ثانويّة الرَّحمة تدشِّن مجسَّم "أنا أحبُّ محمّدًا" المشاكل بين الزَّوجين: آليَّة الإصلاح والحلّ مجلس الإفتاء يدعو إلى تعلّم أساسيّات الإسلام
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر