اليوم: الاثنين15 صفر 1441هـ الموافق: 14 اكتوبر 2019

المرجع فضل الله: الصّحوة أن تكون مسلماً في العبادة والسياسة والسّلوك

محمد عبدالله فضل الله

لطالما أخذ موضوع الصّحوة الإسلاميّة حيّزاً من الكلام في الإعلام والدراسات والمقالات والتعليقات الفكرية والسياسيّة، في محاولة لرصد حجمها وآثارها وتأثيراتها في سير الأحداث، وما نتج منها من فعالية ونشاط حاولت تغيير الواقع وتصحيحه.

في البداية، فإن الصحوة تدلّ على المعنى الإيجابي للنشاط الإنساني الحركي الذي يقارب المواقف والموضوعات بكلّ همة وإقبال، في مقابل من يعيش جمود الفكر وهامشيّة التأثير والحركة في الحياة. من هنا، فإن الصحوة الإسلامية هي تعبير عن انتفاضة لدى المسلم ضدّ الجمود والرتابة، ومحاولته بثّ الرّوح في جسد التراث والمفاهيم، ووضع القراءات والتحليلات التي تنسجم مع قيم الدّين وأهدافه.

 ولقد لفت العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، إلى أنّ الصحوة الإسلاميّة كان لها الصّدى في عالمنا المعاصر، وهو ما يدفعنا إلى تسليط الضّوء على حيثياتها ومعناها، لمعرفة مكانتها ودورها في حياة الأجيال، وتوظيفها في الوجهة الصَّحيحة. فلقد طرحت الصَّحوة عناوين، وحملت شعارات أرادت للإنسان أن يستثمرها في سبيل خيره وتحقيق إنسانيّته وتفعيل دوره.

 يقول المرجع السيّد فضل الله(قده) بدايةً، إنّه لا بدّ من تفهّم الصحّوة وطبيعتها وأبعادها، مشيراً في الوقت ذاته إلى سلبيّة الاستغراق في التراث وانعكاساته على مسيرة الفكر والمجتمع،  وهذا ما يناقض الصّحوة التي تهدف إلى إعادة الإسلام إلى قلب تحدّيات الواقع من أجل تصويب مسار الأحداث، عارضاً للسلبيّات التي دفعت نحو ولادة الصّحوة، وموضحاً العوامل التي كانت تحجزها جرّاء سلوكيّات معيّنة:

"يأخذ الحديث عن الصحوة الإسلامية مجاله الكبير في حركة الفكر المعاصر على مستوى النظريّة والتّطبيق، ليطرح تساؤلات كثيرة حول القضايا العامّة الّتي أثارتها هذه الصحوة في عالم الإنسان، من حيث العناوين التي طرحتها والإشكالات التي أثارتها، أو التحدّيات التي واجهتها، أو النتائج التي وصلت إليها.

فهل استطاعت هذه الصَّحوة أن تنقل الإنسان إلى عالمٍ جديدٍ تختلف معطياته الفكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة عن المرحلة التي سبقتها، فتبلور له قضاياه في مسألة الحريّة العدالة، وتمنحه الأصالة والتوازن في حركة وجوده؟

وهل تمكنت هذه الصحوة من إثارة مسألة الظّلم المنتشر في الأرض، لتتحدّث عن كيفية مواجهته، وتحريك قضية العبودية، لتثير التفكير في نوعية السيطرة عليها، وعن مسألة الجهل وطبيعة حلّها، وموضوع التخلف وإمكانات الخروج منه؟ وهل كانت في مستوى التحديات التي يفرضها الفكر الآخر أو الواقع المضادّ؟

وهل وصلت إلى تحقيق النّتائج الحاسمة باتجاه الأهداف؟ وهل استطاعت أن تكون البديل المناسب عن كلّ قوى الواقع المسيطر على العالم؟

قد نحتاج في مواجهة هذا النّوع من علامات الاستفهام، إلى أن نتفهّم طبيعة هذه «الصحوة الإسلامية» وحجمها في حركة الواقع، لنحدّد صورتها وأبعادها الفكرية من خلال ذلك على مستوى النتائج. فما هي طبيعتها، وما هو حجمها؟

إننا نلاحظ أن الوضع الإسلامي كان يعيش حالةً من الركود في حركيته، فقد كان الفكر غارقاً في الكثير من الهوامش والتفاصيل التي تأكل حيويته، لأن المسألة كانت تتحرك في ذهنية التراث لا في ذهنية الحركة.. وكانت مسألة مواجهته لمشاكل الحياة على مستوى الواقع، غارقةً في الضّباب المذهبي، الذي فرضته الأفكار الجدليّة التي لا تنفتح على آفاق النّور في موقع، إلا لتحاصرها الظّلمة في موقعٍ آخر.. ما جعل البعض يطرح الإسلام في دائرة العباديّات والأخلاقيّات العامّة، والتشريعات الفردية، بعيداً من مسائل الحياة العامّة في نطاق المسؤوليات السياسية والجهادية، كما جعل بعضاً آخر يطرح تجميد الإسلام في حركيته، مع اعترافه بشموليته، انتظاراً لآخر الزمان، لأنَّ الظروف الحاضرة تمنع شرعيّته.

ويرى فريق ثالث أنّ مسألة الحديث عن الإسلام الشّمولي قد تجاوزها الزّمن، لأنّ المراحل الزمنية التي قطعها الإنسان، ربطته بأوضاع جديدةٍ لم يواجهها الإسلام في مرحلة نشوئه وحركته السّابقة، ما يفرض عليه أن يتخلّى عن دوره للأفكار الجديدة، التي تتّسع لمشاكل الإنسان الجديدة، ليكون الإسلام مصدر إلهام في أفكاره وقيمه العامّة، بدلاً من أن يكون مصدراً للعقيدة بتفاصيلها، أو للشّريعة بشموليّتها.

ويقف إلى جانب ذلك فكرٌ إسلاميّ يعمل على الهروب من الغيب، ما أمكنه ذلك، ليتحرّك في نطاق التّوفيق بين ما هو الفكر الإسلاميّ وبين ما هو الفكر الغربيّ الّذي فرض نفسه على الواقع السياسي في موازين القوّة والضّعف، لتكون المسألة المطروحة هي أنّ الإسلام يتفق مع المعطيات الحديثة للفكر الإنساني، وللتقدّم العلميّ، ما يجعل ذلك هو الميزان للقيمة الإسلامية في نظر الإنسان المسلم.. وهذا هو الاتجاه الذي قد لا يعوز أصحابه الإخلاص للإسلام، ولكنّه يخضع للذّهنيّة التي عاشت الانبهار بالحضارة الغربية، فأرادت للإسلام أن يأخذ بأسبابها في مجال التّفسير للقرآن، والتوجيه للشّريعة.

وقد انطلق ــــ مع هذا الفكر التّوفيقي ــــ فكر إسلاميٌّ حركيٌّ على أنقاض الفكر المتخلّف الذي يُبعد الإسلام عن الحياة، وفي مواجهة الصّدمة الكبيرة التي انسحب فيها الإسلام من مواقع الحكم والتّشريع، من خلال الهجمة الشّرسة على الإسلام في قواعده السياسيّة، التي قادها الاستكبار العالمي الغربي القائم على الكفر والانحراف، لتقود المسلمين إلى الفكر المتحرّك في النطاق الوطني أو القومي، بعيداً عن النطاق الإسلاميّ..

وهكذا بدأ المسلمون الواعون يخطّطون لحركة إسلاميّة سياسيّة تعمل على إعادة الإسلام إلى الحياة العامّة، في حركة الفكر والتّشريع والجهاد..

وقد أفسحت هذه الحركة الإسلاميّة المجال لنشاط إسلاميّ سياسي وفكريّ في مختلف بلدان العالم الإسلامي، حتى تحوّلت الحركة إلى حركات متعدّدة، تختلف في التفاصيل الذهنيّة أو المفردات التّشريعيّة، أو في النظرة السياسيّة... ولكن ذلك كلّه، لم يستطع أن يحرّك الواقع الإسلامي الخاضع للسيطرة الاستكبارية، ليأخذ بأسباب الحرية والاستقلال على أساس القاعدة الإسلامية الفكرية السياسية، بل كان الأمر في ذلك مشدوداً إلى الأفكار الجديدة المطروحة في دائرة التفكير الغربي على مستوى الحركة السياسية، فكنا نرى ثورة قوميّة هنا، وحركة وطنية هناك، وحديثاً عن معارضة ماركسيّة في مجال آخر.

أما الحركة الإسلاميّة، فإنها تعيش في نطاق الصراع الثقافي، أكثر مما تعيش في ساحة الصّراع السياسيّ، وإذا استطاعت أن تصل إلى بعض مواقع القوّة، كان الإعلام الخاضع للغرب يعمل على أن يبعدها عن الواجهة، كما أن أجهزته المخابراتية كانت تعمل على إثارة الفوضى في داخل مواقعه لتضعفه من الدّاخل، وتبعده عن مواضع التّأثير الحاسم. وفي هذا الجوّ القلق الذي كان مفروضاً عليه، أُصيبت الحركة الإسلاميّة ببعض الانكماش، فيما هي المسألة الثورية، وببعض الضعف، فيما هي المسألة السياسيّة، بحيث أصبحت تمثّل الدّوائر المحدودة المحاصرة من قبل أجهزة الحكم العميل للغرب فيها، ومن قِبَل الذّهنيّات المتغربة التي درست في معاهد الغرب، فيما ركّزته من المفاهيم التي تفصل بين الدّين والدّولة، وتنفي على الإسلام تدخّله في السياسة، ومن قِبَل العقليات المتخلّفة المتحجّرة التي تحصر الإسلام في دائرة العبادة، وتبعده عن دائرة الحياة العامّة".

ويضيف سماحته(رض)، مشيراً إلى ولادة الصَّحوة الإسلاميّة مع الثّورة الإسلاميّة في إيران، حيث شكّلت صورة حيّة عن صحوة فعّالة رفضت التهميش، وتوسّلت الحركيّة، في عملية تغييرية شاملة للواقع السياسيّ وغيره، وكانت تجربة ناجحة ورائدة للمسلمين كي يتمثّلوا دروسها في كلّ الميادين، فالثّورة المستندة إلى وعي دقيق للقيم والمفاهيم الإسلاميّة، هي التي تكون ألصق بهموم النّاس، وعلى مستوى تحقيق طموحاتهم وأمانيهم في عيش كريم:

"ثم جاءت الثّورة الإسلاميّة التي قادها الإمام الخميني(قده) وصحبه الأبرار، واستطاعت أن تتفاعل مع محيطها الواسع في الأمَّة في هدفها المرحلي، وهو إسقاط الحكم الإمبراطوريّ الّذي كان يمثل الواجهة العريضة للسيطرة الاستكبارية الأمريكية في إيران، ويتحرك من أجل إضعاف الروح الإسلامية لحساب الروح الكافرة، المرتبطة بالتاريخ القديم المنفتح على المجوسية والزرادشتية وغيرها.

وكان سقوط هذا الحكم الذي يمثّل القاعدة القوية للكفر والاستكبار، بفعل الإسلام الحركي المنطلق من موقع المرجعيّة الشرعيّة المنفتحة على الحياة في مواقع المسؤوليّة، هو الصّدمة القوية التي استطاعت أن تصنع الزلزال، لتثير علامات الاستفهام في العالم كلّه عن مدى القوّة التي يملكها الإسلام في صنع روح الثورة، التي تصنع بدورها الإنسان بطريقة فاعلة ومتحدّية لكلّ العقبات الصّعبة التي يضعها الآخرون في الطّريق، وأيضاً في قدرته على المواجهة والإثارة والاستمرار، ثم لتحرّك المسلمين نحو الإحساس بقدرة الإسلام على صنع الثّورة، وعلى ردّ التحدّي، وإثارة التحدّي بطريقة فاعلة حاسمة، وبقدرته على صنع الدّولة من خلال الاكتفاء الذّاتي في التّشريع، على أساس خطّ الاجتهاد، الأمر الذي أعاد الثّقة إلى المسلمين بإسلامهم وبقدرتهم على قيادة الحياة باسمِ إسلامهم.

وبدأ الحسّ السياسي يتبلور من خلالها، وانطلق المسلمون يفكّرون بأنّ الثورة قد تكون الطريق الأقرب لإقامة الحكم الإسلامي العادل، ويتحدثون عن الإصلاح بطريقة سلبيّة، في مقابل عملية التغيير الشامل بالثورة على كلّ مواقع الاستكبار ومصالحه وأوضاعه المنتشرة في بلاد المسلمين..

وهكذا ولدت الصَّحوة الإسلاميّة التي نفضت النّوم عن عيون المسلمين، فأصبحوا يحدِّقون بالنّور الّذي يملأ الإسلام في فكره وثورته، كما أبعدت المسلمين عن الاستغراق في الغفلة المطبقة على عقولهم وقلوبهم، ودفعت بهم نحو مواجهة التحدّيات والأخطار، وتحمّل الجراح واختزان الآلام بصبر وإخلاص. وبدأ المسلمون يفكّرون في السلبيات الكثيرة التي واجهت الواقع الإسلامي في مسألة الحرية والعدالة، ويتحدّثون عن ضرورة الحركة الثّوريّة المستندة إلى المفاهيم الإسلاميّة، ليعيش المسلم وحدة الموقف بين ما هو الفكر والعمل، وبين ما هي النظريّة ــــ المفاهيم والتّطبيق، فلا يكون مسلماً في العبادة، وكافراً في السياسة، ومنحرفاً في خطّ السّير"... [كتاب "الحركة الإسلاميّة ما لها وما عليها"، ص 13- 17].

لقد تحدّث العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض) عن الصّحوة الإسلامية وأهميتها في قلب مسار الواقع وتصويبه، بما يستحثّنا على مواصلة هذه الصّحوة، والتمسّك جدّياً بروح مفاهيم الإسلام وقيمه، وتحفيز نشاطنا الدّائم في تفهّم حركيّة مفاهيمه، بما ينعكس قوّة ووحدة في واقعنا، لأننا نواجه تحديات كبيرة اليوم، تريدنا أن نعود إلى جمودنا، وتبقينا في الهامش من دون تأثير. فالمسؤولية كبيرة على من يدَّعي الصّحوة، وعلى من يريد إبقاء روح الصّحوة حيّة في القلوب والنّفوس. فالمسألة تتطلَّب عملاً مخلصاً وفهماً ووعياً لما نحمل من قيم ومفاهيم، وتحريكها في الحياة سلوكاً وفعاليةً منطلقة من الإخلاص لله في حفظ الحياة.

والسّؤال الكبير: أين نحن اليوم من صحوتنا الإسلاميَّة؟! 

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي براءة الشيعة من الشّرك! فضل الله: نرفض شيطنة الوجود الفلسطينيّ في لبنان منبر الجمعة: 4 تشرين أوّل 2019 أسهر حتى طلوع الشّمس ولا أصلّي؟! لماذا صالح الإمام الحسن (ع) معاوية؟! فضل الله مستقبلاً رئيس جامعة الجنان والوفد المرافق
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر