اليوم: الثلاثاء12 رجب 1440هـ الموافق: 19 مارس 2019

هكذا عرفت السيّد محمد جواد فضل الله

الشيخ يوسف محمد عمرو

أ- ترجمة السيّد:

هو حجة الإسلام، العلاّمة الأديب السيّد محمد جواد، نجل السيِّد عبد الرؤوف بن السيِّد نجيب بن السيّد محي الدّين بن نصر الله بن محمد بن علي بن يوسف بن محمد بن فضل الله بن الشّريف حسن بن السيّد جمال الملّة والدّين، يوسف بن الحسن بن محمد بن عيسى بن فاضل بن يحي بن جوبان بن ذياب بن عبدالله بن محمد بن يحيى بن محمد بن داود بن إدريس بن داود بن أحمد بن عبد الله بن موسى بن عبد الله الحسن المثنّى بن الإمام الحسن بن عليّ بن أبي طالب ـ عليهما السَّلام ــ من أسرة آل فضل الله، المعروفة بالعلم وبالأدب([1]).

ولد في النّجف الأشرف؛ قبلة العلماء والمجتهدين، في الثّالث والعشرين من شهر شوّال العام 1357هجرية.

والدته هي كريمة الحاج الفاضل حسن بزي، وهو من أعيان المؤمنين في بنت جبيل.

درس المقدّمات والسّطوح على شقيقه سماحة آية الله السيِّد محمد حسين فض الله (قده).

أساتذته في الخارج هم كبار أئمة الفقه والأصول في النجف الأشرف، وهم آية الله العظمى السيِّد نصر المستنبط (قده)، وآية الله العظمى السيّد محمد الروحاني، والإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (قده)، المرجع الأعلى للطائفة الإسلامية الشيعية الإثني عشرية في العالم، والذي اختص به، حتى كان من ألمع طلابه الذين يشار إليهم بالفضل والتقوى والاجتهاد. "كان قريباً إلى المرجعية الدينية العليا المتمثلة بالسيِّد أبو القاسم الخوئي، وكان يثق برأيه في كثير من الشؤون المتعلقة بالحوزة وبغيرها، ويعتمد عليه في بعض الأمور المهمة في النجف وفي لبنان"([2]).

"وقد مارس التَّدريس في الحوزة العلميَّة في النَّجف الأشرف، وفي المعهد الشَّرعي الإسلاميّ في برج حمود، في مختلف العلوم التي تدَّرس هناك، وتتلمذ عليه الكثيرون من الطلبة اللّبنانيّين والعراقيّين والسّعوديّين والإيرانيّين، وكانت علاقته بأساتذته وتلامذته مميزة في طبيعة الأجواء الحميمة التي يعيشها معهم، وفي الممارسات العلمية الموفية التي كانت تتمثل في حياته معهم، بالمستوى الذي جعل هذه العلاقة صلة روحية عميقة منفتحة وواسعة"([3]).

"وقد أدت به مواقفه المبدئية إلى الدخول في سجون النظام العراقي، كنتيجة لمساعي بعض المنتسبين إلى الدين فيما قدّموه من وشايات، وفيما أبلغوه من أخبار تتعلّق بنشاطه الديني الإسلامي، وقد مكث في السجن مدة أسبوعين، عانى فيهما الكثير من التعذيب الجسدي والنفسي، وخرج منه على أساس بعض المداخلات العالمية من قبل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف وغيرها. وقد نقل لي أنّه لم يواجه المحققين الذين حققوا معه بأيّ مظهر ضعف، بل وقف أمامهم بكلّ قوة، تماماً كما هي مواقفه في الحياة الاجتماعية العامة"([4]).

ب- العودة إلى لبنان:

بعد تعرضه للسجن وللتعذيب من قبل النظام العراقي، وإطلاق سراحه بعد شفاعة المرجعية الدينية العليا له، وبعد اشتداد الظلم والطغيان على عامّة الشعب العراقيّ، وعلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف بالخصوص، واستجابةً لطلب والديه، وآل فضل الله، والمؤمنين، قرّر العودة إلى لبنان مع عائلته.

حيث استقرّ في حارة حريك بمحلّة بئر العبد، وذلك في العام 1972م، وقد اختار (قده) أفقر منطقة في الضاحية الجنوبية، وهي حيّ السلم، والتي تشكّل حزام البؤس للضاحية ولمنطقة الشويفات، ليبلّغ بها ويعظ الناس، وليبني فيها رجالاً لا تأخذهم في الله لومة لائم، وقلوباً تقف بعد ذلك بسنين بوجه العدوان الإسرائيلي الغاشم العام 1982، ولتفجّر الأرض بمقاومة لا تخضع، ولا تلين، ولبناء مشروع هناك يشتمل على معهد للفتيات لتعليم الخياطة والتدبير المنزلي، ومستوصف، وناد حسيني، ومسجد، ومكتبة عامة، وحوزة دينية، وليكون هذا المشروع فيما بعد مصدر إشعاع حضاري وثقافي لتلك المنطقة ولسائر أبناء الضاحية الجنوبية.

ج- إنجازاته:

كانت حياة السيِّد محمد جواد (قده) في لبنان من سنة 1972م إلى تاريخ وفاته في أول آب 1975م، الواقع في 23 رجب 1395هـ، مليئة بالعطاء العلمي، والفكري، والأدبي، والاجتماعي، وغنية بالأخلاق الفاضلة. وقد تعرض السيد محمد جواد (قده) للاتهامات الباطلة، والأكاذيب الملفّقة من قبل عملاء النظام العراقي، ممن لبسوا مسوح أهل العلم، وأطالوا لحاهم وألسنتهم بقول السّوء، حسداً وبغياً على ذرية نبيِّنا محمّد(ص)...

وقد وفّقه الله تعالى في حياته القصيرة في لبنان لإنجاز ما يلي:

أوّلاً: تربية طلبة العلوم الدينية وتوجهيهم نحو الفضيلة والأخلاق العالية في النجف الأشرف، وفي لبنان، حيث كان يدرسهم السّطوح العالية في الفقه والأصول، ويؤثر الفقراء وذوي الحاجة منهم على نفسه وأهل بيته.

ثانياً: تأسيس المشروع الإسلامي الكبير في حيّ السلّم، والذي تقدم الكلام عليه. وقد تابع العمل في هذا المشروع، وإمامة الصلاة فيه من بعد شقيقه العلامة السيد محمد علي فضل الله (حفظه الله)، وبرعايته ودعم والده السيّد عبد الرؤوف فضل الله (قده)، وشقيقه سماحة السيد محمد حسين فضل الله (قده).

ثالثاً: مساعدة الفقراء والأيتام والأرامل والمستضعفين من الحقوق الشرعيّة.

رابعاً: الدفاع عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وعن مدرستهم في العقيدة والفقه، وعن أصحابهم، وقد صنّف في ذلك عدة كتب تعتبر من أفضل ما كتب في هذا الباب، ومؤلفاته هي:

1- صلح الحسن(ع)، يرُّد فيه عن الشّبهات التي أثيرت قديماً وحديثاً حول صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية.

2- الإمام عليّ الرّضا (عليه السلام).

3- حجر بن عديّ (رض).

4- الإمام الصّادق (ع) خصائصه ــ مميزاته.

5- ديوان شعر ــ غير مطبوع.

خامساً: اهتمامه الكبير بالسعي لإعادة تشييد مقام الصحابي الشهيد حجر بن عدي في مرج عذراء مع بعض الأثرياء المؤمنين في إيران.

سادساً: اهتمامه بقضايا المسلمين التحررية، ولا سيما بقية فلسطين، وتسجيل ذلك بشعره البليغ:

يـا فلسطـيـنُ وهل يحـلـو لنــــــــــــا *** بعـد أن ضرَّجك العـارُ غِنـــــــــــــــاءُ

لـم نزل نلعق مـن آلامـنـــــــــــــــا *** مـا بـه يصعُب للجـرح شفـــــــــــــــاءُ

الشّعـارات ضبــــــــــــــــــــابٌ خلفهُ *** يصطفي للـمطمع الغرِّ خِبــــــــــــــــاء

أحـرفٌ جـوفـاء كـم راح بـهـــــــــــــا *** يـتغنّى للفتـوح الشّعـــــــــــــــــراء

طـالـمـا صـفّقتِ الأيـدي لهـــــــــــــا *** طربًا واهتزّ للـحُلـم رجــــــــــــــــاء

خدعـوهـا أمّةً مـــــــــــــــــــا نكبت *** لـو رعى درب عُلاهـا الأمـنــــــــــــاء

سلـبـوهـا مـجـدَهـا وانـتهـبــــــــــوا *** فـيئهـا وانـتهـبـوهـا وأســــــــــاؤوا

وأدالـوهـا عـلـيـنـــــــــــــــا دولاً *** يحكـم الأمّةَ فـيـهـا الخُلطــــــــــــاء

ذئَبٌ يصرعُ مـنهـم ذئـــــــــــــــــبًا *** وهـمُ فـي شِرعة الغدر ســـــــــــــــواء

بعثروا الطـّاقـاتِ هل مـن أجلنــــــــــا *** أم لأطمـاعٍ لهـم فـيـهــــــــــا امتلاء

إنّهـا سُخريةٌ أن تـنطلــــــــــــــــــي *** خُدعةٌ هل آمـنـت بـالـذئب شــــــــــــاء

***********

يا فلسطين ولا يجدي البكاء *** فثبي يحتم للنّصر قضاء

وزني الخطو فقد يعثر من *** زلّة فيها انخذال وانطواء

وارقبي المسرى ولا تأتي فقد *** يلغز المسرى عليك الدّخلاء

إنهم في الدّرب مازالوا ومن * همّهم أن يجهد الرّكب عناء

عبّئي منّا القوى والتَحِمي *** بالمنايا الحمر وليصمد إباء

فجّري الطّاقات من مكمنها *** وانشريها يلهب الأرض اصطلاء

إنّنا نار وإعصار إذا *** ضمّنا في غمرة الجلى بلاء

فألهبي معركة الحقّ فإن *** خلصت يهتف بالنّصر دعاء([5])

د- أولاده:

"خلف أربعة ذكور.. وقد حدّثني (رحمه الله) قبل وفاته، بأنه رأى رسول الله(ص) في المنام وقال له بأنّه سيرزق بأربعة أولاد ذكور، وأذكر أنّه حدثني بأنّ رسول الله(ص) ذكر له أسماءهم: وقال له: بارك الله في هادي ومهدي وعلاء ويوسف.. ولم يكن عنده آنذاك إلا هادي.

ولهذا، فقد كان يقول بأنه لن يأتيه إناث.. وتوفي ــ وكانت زوجته حاملاً ــ فانتظرنا صدق المنام؛ هل يكون المولود ذكراً يتمّ عدد الأربعة، أو يكون المولود أنثى؟ وكانت المفاجأة أن المولود ذكر، وصدق المنام الذي كان قد رآه في أول عهده بالزواج ــ كما أذكر ــ"([6]).

وقد حكى لي (قده) هذا الحلم، حيث كنت أحضر عليه درساً في السطوح مع ثلّة من الطلبة اللبنانيين والعراقيين في حلقته الدراسية بجوار مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) في النجف الأشرف، وذلك بعد الانتهاء من الدرس ــ وكان من هؤلاء الطّلبة أصحاب السماحة الشيخ علي ياسين، والشيخ يوسف دعموش، والشيخ محسن عطوي ــ على ما أذكر ــ كما زاد (قده) على ذلك بمقدّمة، وهي أنه في ذلك الحلم رأى نفسه بزيارة البقيع، ثم زار قبر الرسول(ص)، وأخذ بزيارته والتظلم عنده بما شاهده في البقيع من هتك واعتداء على قبور أهل البيت (عليهم السلام)، فخرج رسول الله(ص) من حجرته الشريفة، فما كان من سيّدنا المترجم له، إلا أن قبّل يد رسول الله(ص) وكرر شكواه طالباً الفرج، فبشّره النبيّ(ص) بالفرج بعد الصّبر، وبأولاده الأربعة مباركاً له فيهم.

هـ- شعره:

"يعتبر السيّد محمد جواد فضل الله من كبار شعراء النّجف الأشرف وجبل عامل.. قال عنه شقيقه آية الله السيد محمد حسين فضل الله: "... كان يمارس الشعر في طفولته، وربما بدأ قول الشعر في العاشرة من عمره، وكان يتلوه في بعض محافل النجف، وكان ينال الاستحسان عليه آنذاك"([7]).

"يتميز شعره بالجزالة والسّلاسة والأسلوب الذي يقترب من أسلوب شعراء العراق الكبار، وقد كان متأثراً بشعر الشاعر الجواهري، وربما يبدو ذلك من شعره، وقد خاض الشّعر في أغراض متنوعة؛ دينية، واجتماعية، ووجدانية، وسياسية.. وسنحاول أن نقدّم في هذه المقدمة نماذج من كلّ لون، من أجل إعطاء الصورة الصادقة عن شعره"([8]).

ثم أورد سماحته نماذج لطيفة وجميلة من شعر أخيه، منها قصيدته عن فلسطين التي أوردناها آنفاً.. فمن أراد المزيد، فليراجع.

و- وفاته:

توفاه الله تعالى إثر نوبة قلبية حادّة في أثناء نومه في 23 رجب 1395هـ/ الموافق 1 آب 1975 في منزله في بئر العبد. كان لخبر وفاته وقع مؤلم في قلوب المؤمنين، حيث فقدوا بوفاته ركناً من أركان العلم، والفضيلة، والتقوى، والطهارة، والإخلاص.

وقد ازدحمت الوفود في حسينية جمعية أسرة التآخي الخيرية الإسلامية في برج حمود، معزيةً والده وأشقاءه وتلامذة الفقيد الكبير وآل فضل الله بهذا المصاب الأليم([9]).

وانطلقت بالنعش بموكب مهيب إلى مدينة بنت جبيل، وقد رافق ذلك الموكب الحزين عشرات السيارات التي أتت من مدينة بيروت وضاحيتها الشرقية والجنوبية ومن البقاع، في مشهد يوم لم تشهد مدينة بنت جبيل في تأريخها الطويل مثله من الحزن والأسى.

وقد راعني خروج الحرائر والمخدرات في المدينة وراء ذلك النعش، وخلف تلك الجموع، وهن يندبن ويلطمن على سيد شباب آل رسول الله(ص) في عصرهن بشعر عاملي حزين، أبكى العيون، وأدمى القلوب، وأرجع ذاكرة الناس إلى أيام الحسين(ع) في كربلاء.

وقد كان لي شرف القدوم في فتوح كسروان بموكب صغير للمشاركة مع آل الفقيد، وأهالي مدينة بنت جبيل في ذلك المصاب يوم تشييع الجثمان الطاهر، وفي الصلاة عليه، وفي ذكرى أسبوعه في حسينية بنت جبيل، وفي ذكرى أربعينه في حسينية حيّ السلّم.

"أقيمت له في يوم أسبوعه وأربعينه حفلات تأبينية في العراق وإيران ولبنان، وكانت أياماً مشهودة دلّلت على عمق المأساة في نفوس الناس، وألقيت فيها الخطب والقصائد التي لا يتسمع المجال لإثباتها هنا"([10]).

ومما ورد في قصيدة لشقيقه سماحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله، رثاه بها، وسجلها في مقدّمته لكتاب أخيه (قده) عن الإمام الصّادق(ع):

لي في الذّكريات زهوُ فتونِ *** بعثرَتْ خطوَهُ رياحُ المنونِ

أنت ذكراي أنت حلم نجاواي *** العذارى في رائعات الفنونِ

يا حبيبي في حبَّة القلب في روحي *** ويا فرحة السّنا في جفوني

كنت ــ أنت ــ ابتسامة الأريحيّاتِ *** بقلبي في داجيات السّنينِ

حيث نخطو ـ معاً ـ على الرّبواتِ *** الْـبيضِ في ملتقى صبانا الحنونِ

واللّيالي مجنَّحات مع الأحـلامِ ــ *** بالشّعر ــ راعشاً بالحنينِ

والرّسالات تستفزّ خطانا *** لغدٍ هادرٍ بوحي الدّينِ

*************

أأناديك؟ أين ضحكاتك الحلوة ما بين سامر وخدين

أين ذاك الوجه الصّبوح يرفّ الحبّ فيه كأغنيات الفتون

أين دنيا لا تستفزّ نجاواها اللّيالي ــ عبر الغد المحزون

وحيها للنّور، في خطى الشّمس تهفو للأعالي على جناح أمين

أين ذاك الرّوح الطّهور، كما البسمة في لهفة الصّبا المفتون([11])

ز- ذكرياتي عن السيّد (قده):

معرفتي بسماحة السيد محمد جواد (قده) كانت أيام دراستي الأولى في المعهد الشرعي الإسلامي في النبعة ــ برج حمود ــ عندما كان يزور لبنان في أشهر الصيف، حيث كان يزور شقيقه سماحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله (قده)، ويبقى في ضيافته أياماً متنقلاً ما بين برج حمود ومنزل والده آية الله السيد عبد الرؤوف (قده) الصيفي في بنت جبيل، أو منزل والده الشتوي في الشيّاح.

لقد كنت في المعهد أُسَرُّ بقدومه، لما أرى فيه من البهاء والجمال خلقاً، وخُلقاً، ومنطقاً، ومظهراً، وملبساً.

لقد رأيت بشخصه (قده) العالم، الفاضل، الزكي، المهذَّب، الفقيه، الخطيب، التقي، النقي، الذي لا تملُّ معه، بل يطلب المزيد من حديثه، بل إن الناظر إلى وجهه المبارك يرى فيه هيبة وجمال جدّه الإمام بن علي(ع).

وعندما هاجرت إلى النجف الأشرف مع عائلتي في نهاية صيف 1971م، تعرَّضت بعد أسبوع من إقامتي هناك لضائقة نفسية ومالية بسبب مؤامرة خسيسة دبّرها ونفخ نارها أحد العلماء اللبنانيين من أئمّة الجماعة في ضاحية بيروت الجنوبيّة، يهدف من ورائها إلى طردي من النجف الأشرف. فوجّهت وجهي نحو سماحة سيّدنا الأستاذ (قده)، طالباً منه العون والمساعدة، والمخرج من هذه الضائقة، فما كان منه (قده) إلا أن قام بإغاثتي خير قيام، مستعيناً بالإمام الخوئي (قده)، طالباً مني الصبر والتوكل على الله تعالى.

كما كان لي شرف تلقّي العلم على يديه، وحضور حلقاته في إحدى الحجرات القريبة من باب العمارة لمشهد مقام مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع)، حيث كان يفيض علينا من نمير علمه، ونستقي من نمير أخلاقه. وقد استمرّت دراستي عليه لستة أشهر تقريباً، انقطعت بإدخاله السجن من قبل النظام العراقي، ومن ثمَّ بعودته إلى لبنان.

وخير كلام يلخّص ما يختلج في ذاكرتي من خواطر وأفكار حول شخصيّته (قده)، ما كتبه شقيقه سماحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله (قده) عن أخلاقه، حيث أصاب الحقيقة، وأجاد في وصف ذلك، إذ قال: "كان يتميز بالروح المرحة المنفتحة على الآخرين، وبالقلب الكبير الذي يعيش آلام النّاس ومشاكلهم، وبالوفاء في الصّداقة إلى حدّ التضحية.. وبالسّخي في الإنفاق فيما يملكه من مال، وبالسعي في حوائج النّاس مهما أمكنه ذلك، وقد عرف عنه تلامذته وأصدقاؤه ومعارفه الكثير من ذلك، فيما كان يقدّمه إليهم حتى الإيثار، وفيما يسعى فيه من حوائجهم إلى المستوى الذي قد يكلفه الكثير من بذل ماء وجهه، ومن الصّبر على كثير من السلبيات التي تستتبع ذلك.. وكان ــ يحدث ــ في بعض الحالات ــ أن يأتيه المال ــ وهو بحاجة إليه ــ فيلتقيه بعض طلاب العلم من المحتاجين، فيشكو إليه بعض حاجته، فيقاسمه ما عنده أو يؤثر على نفسه، وكان ــ رحمه الله ــ يحدثني بذلك، وبأن الله يعوّضه عما أنفق من حيث لا يحتسب بشكل يلفت النظر، في سرعة التعويض وفي طبيعته.

وقد امتدّ ذلك حتى بعد مجيئه إلى لبنان، حيث كان يستثمر علاقته بالتجار المؤمنين، وثقتهم به في قضاء حوائج كثير من الفقراء ومن طلاب العلم الدّيني وغيرهم"([12]).

الغبيري في 26 آذار 1995م-  25 شوال 1415هـ 


(1) الإمام الصادق(ع) خصائصه ــ مميزاته، للسيد محمد جواد فضل الله ــ التقديم لشقيقه آية الله السيد محمد حسين فضل الله، ص9.

(2) المصدر نفسه، ص12.

(3) المصدر نفسه، ص10.

(4)المصدر نفسه، ص12.

(5)المصدر نفسه، ص17-18.

(6)المصدر نفسه، ص15-16.

(7)المصدر نفسه، ص13.

(8)المصدر نفسه، ص16.

(9) وقد صادف وجود رفيقه وصديقه سماحة العلاّمة آية الله السيد محمد رضا الخرسان في ضيافة السيد (قده) ليلة وفاته.

(10)المصدر نفسه، ص17.

(11)المصدر نفسه، ص17-18

(12)المصدر نفسه، ص10-11.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن فضل الله: قضيَّة فلسطين ليست قابلة للمقايضة في محضر الجود منبر الجمعة: 8 رجب 1440هـ/ الموافق: 15 آذار 2019م أيّهما أسبق؛ الدّين أم الحريّة؟ "راب.. حسيني"! مسلم كمستشار لألمانيا! منبر الجمعة: 1 رجب 1440هـ/ 8 آذار 2019م ورشة التَّهدئة المجتمعيَّة في رجب مركز "بيو" البحثي ينشر خريطة أتباع الأديان 2060 دور الشَّباب في وجه تسقيط الآخرين! الإصلاح عمليّة شاقّة وطويلة ودعوة إلى مؤتمر بمناسبة 13 نيسان
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر