اليوم: الثلاثاء4 ذو القعدة 1439هـ الموافق: 17 يوليو 2018

من أحكام مكان المصلّي

محمد عبدالله فضل الله

المكان الّذي يصلّي فيه الإنسان له شروطه الشّرعيّة، وهو ما تطرّق إليه الفقهاء وبيّنوا أحكامه، كونه من الأمور التي قد يبتلى بها المكلَّف، حتّى تؤدَّى الصّلاة بشروطها الصّحيحة وتكون مقبولة.

بدايةً، يوضح العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، أنّه يشترط في صحة الصّلاة، أن يكون موضع سجود المصلّي الذي يضع فيه مساجده السّبعة مباحاً غير مغصوب، سواء في ذلك الفريضة أو النافلة، وإنما يلزم هذا الشّرط عندما يباشر المصلّي نفس الأرض المغصوبة، فلو كان يصلي على طاولة موضوعة فوق الأرض، أو كانت الأرض مبلّطة ببلاط مباح، لم يضر ذلك بصحة الصلاة، وكذلك تبطل الصلاة فيما لو كانت الأرض مباحة، ولكن كان البلاط أو الحصير الذي يصلّي عليه مغصوباً، فإن لم يباشر المغصوب حين سجوده، كأن كان يصلّي من قيام مومياً (مشيراً) للسجود، لم تشترط الإباحة في موضع وقوفه، وكذلك لا تشترط إباحة الفضاء الّذي يصلّي تحته، بل تجوز الصلاة تحت مثل الخيمة أو السقف المغصوبين.

ويلفت سماحته إلى التّمييز بين غصب العين وغصب المنفعة، مع تفصيلاتٍ لذلك، وما يتفرّع منها:

"لا فرق في المغصوب بين مغصوب العين، كمثل الدّار المملوكة للغير، وبين مغصوب المنفعة، كما في الدّار المملوكة له المؤجَّرة للغير، ولا بين ما تعلّق به حقّ ينافيه مطلق التصرّف به، كما في الرّهن ونحوه، كذلك فإنَّ المغصوب يشمل العين الموقوفة إذا تصرّف بها بما ينافي العنوان والحدود الموقوفة عليها، سواء في ذلك الوقف الخاصّ أو العامّ، كذلك فإنَّ الشّريك وإن كان مالكاً لجزء من العين أو المنفعة، غير أنّه لا يجوز له الصّلاة في المكان المشترك إلاَّ بإذن سائر الشرّكاء. ويلحق بذلك المال المجهول مالكه، كالأرض والدّار، فإنه لا تجوز الصّلاة فيه إلاَّ بإذن الحاكم الشّرعيّ.

يجب الاقتصار حين العمل بمقتضى الإذن على الحدود المرسومة له، فمن أُذن له بالصلاة في مكانٍ أو غرفةٍ من الدّار، لا يجوز له الصّلاة في غيرها، وهكذا.

قد تستولي الدولة على ملك خاصّ وتحوّله إلى متنزَّه أو ملعب، وقد تبني عليه مدرسة أو مؤسّسة، فإذا أحرزنا إعراض المالكين عنه، بحيث لم يعد ممكناً من خلال الوضع الجديد الطارئ عوده إلى المالك، ولا سيّما مع تعويض الدولة للمالك بمالٍ وقبوله به، وخصوصاً إذا كان مساوياً للثّمن الحقيقي أو أكثر منه، فإنه يجوز ـ حينئذٍ ـ التصرّف فيه بسائر التصرّفات، ومنها الصّلاة.  أمّا إذا لم يحرز ذلك، أو علم عدم رضا المالكين بالوضع الجديد، فإنّه لا يجوز التصرّف فيه إلَّا بإذنهم، فإن لم يكن المالك معروفاً، جرى عليه حكم مجهول المالك، ومرجعه الحاكم الشّرعيّ".

ويشير سماحته إلى أنّ المشاعات المعدودة حريماً للبلد، إذا استولى عليها الأهالي بإذن الحاكم الشّرعيّ، يحكم بصحة صلاتهم فيها: "المكان المتنازع على ملكيته تجوز الصّلاة فيه بإذن من هو تحت يده، إلاَّ أن يعلم أنّه ليس هو المالك."

ويضيف بأنّه لو كانت بعض أجزاء الدّار مغصوبة، كالإسمنت الذي ثبّتت به الأحجار، أو الأبواب أو نحوها، لم يؤثّر ذلك في صحة الصلاة، إلاَّ أن يكون السّجود عليه.

 ويلفت سماحته إلى أنّ "رضا المالك يعرف بـإذنه الصّريح وسماحه لغيره بالصّلاة في ملكه، غير أنه يمكن إحراز الرّضا بأمور أخرى أقلّ صراحة ووضوحاً، منها إحرازه بالقرائن الدالّة على الرّضا التي تعرف من نوع العلاقة القائمة بينه وبين المالك، ومنها ما يصطلح على تسميته بـ (الفحوى)، وهي عبارة عن العلم برضا المالك بالتصرّف بالأقوى والأشدّ من أنواع التصرّفات، كالإذن بالنّوم في داره والأكل والاستحمام، فيفهم منه الرّضا بالأضعف والأقلّ أهمية، كالوضوء والصّلاة. ومنها إحراز رضا المالك بالتّوابع بعدما كان قد أذن بالأصل، كأن يأذن له بالتواجد في بيته، فيعلم منه الإذن بالصّلاة ونحوها من أعمال المتواجد التي لا بُدَّ من صدورها عنه عادة".

ويوضح سماحته بأنّ "الأراضي المملوكة الشّاسعة تجوز الصلاة فيها ولو لم يعلم رضا المالك، بل حتى لو علم كراهته، أو كان صغيراً أو مجنوناً. أمّا غير الشّاسعة، فإن لم يكن لها سور، جازت الصّلاة فيها مع عدم إحراز الرّضا، والأحوط وجوباً التجنّب عنها مع ظنّ الكراهة، أو كون المالك صغيراً أو مجنوناً، وإن كان لها سور كمثل ما يوضع حولها من شريط أو حيطان لها باب مقفل أو نحوه، بحيث يعلم منه عدم رغبة المالك بدخولها، لم يجز تخطّي ذلك السّور والدخول إليها والصّلاة فيها، وهذا بخلاف ما لها سور من بعض الجهات أو كلّها، مع إبقاء منفذ مفتوح لها، بنحو يكون المراد من السّور حفظ تراب الأرض أو رسم حدودها."

ويقول سماحته في معرض الحديث عن صورة الجهل والنّسيان بالغصب، أو الاضطرار للصّلاة بالمكان المغصوب:

"إنما تبطل الصّلاة بالمغصوب مع العلم بالغصبية والحرمة والتعمد لذلك، حتى مع جهله بفساد الصلاة.  أمّا في صورة الجهل، بالغصب أو بالحرمة، فالصّلاة صحيحة، وكذا تصحّ في حال النسيان، إلّا أن يكون الناسي هو الغاصب فتبطل صلاته. وكذا تصحّ الصّلاة في المكان المغصوب في حالات الضّرورة، لبردٍ أو لحبسٍ ونحوهما، بشرط استيعاب العذر لتمام الوقت، وإلّا وجب التأخير إلى حين ارتفاع العذر".[المصدر: فقه الشَّريعة، ج1، ص 269-271].

"قد يستحوذ بعض الورثه على بيت دون البعض الآخر منهم، فهل يجوز الدخول إليه والصّلاة فيه؟

يجيب سماحته بأنه "مع إحراز رضا سائر من له نصيب في البيت، يجوز التصرّف فيه بمثل الصّلاة ونحوها، مما يرضى به أصحاب الحصص غالباً.

وهل الصّلاة في مدرسة تكون ملكاً للحكومة جائزة؟ وهل هي مجهولة المالك.

"ليست مجهولة المالك، وتجوز الصّلاة فيها مع عدم منع القيّمين عليها، كما أنّه لا مانع من الصّلاة في أرض من أملاك الدّولة، إلا مع العلم بكونها مغصوبة من أصحابها حين وضعت الدّولة يدها عليها.

وإذا صلّى السجين في السّجن المغصوب مثلاً، فإن صلاته صحيحة مادام مضطراً لذلك".[المسائل الفقهيّة/ العبادات، ص 221].

وعن المكان المغصوب، يقول العلّامة الشيخ محمد جواد مغنيّة: "ذهب الإمامية إلى بطلان الصلاة في المكان المغصوب، وعلى الثّوب المغصوب اختياراً مع العمل بالغصب. وقال غيرهم: تصحّ الصلاة ويأثم المصلّي؛ لأنّ النّهي لا يعود إليها، وإنّما يعود إلى التصرّف، تماماً كالصلاة بالثّوب المغصوب.

وما أبعد ما بين قول المذاهب الأربعة بصحّة الصلاة من الغاصب في المال المغصوب، وبين قول الزيدية بأنَّ المالك لا تصلح صلاته في ملكه مادام مغتصباً في يد الغير، للنهي عن التصرف بالغصب.

وقول الإمامية وسط بين الإثنين، حيث صحّحوا صلاة المالك والمأذون منه، وأبطلوا صلاة الغاصب وغير المأذون مِن المالك. وقد أجاز الإماميّة الصّلاة في الأراضي الواسعة متى يتعذّر أو يتعسّر على الناس اجتنابها، وإن لم يحصل الإذن مِن صاحب المالك".[الفقه على المذاهب الخمسة/ ص 97].

هذه بعض الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بمكان الصّلاة، سلّطنا الرّأي عليها، حتّى يكون المصلّي على بيّنة من أمره، ويتأكّد من صحّة صلاته.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الاجتماع السنوي لهيئة أمناء الإشراف على مؤسَّسات السيّد فضل الله الذّكرى السنويّة الثامنة لرحيل السيّد فضل الله في الدنمارك الإمام الصّادق(ع).. إمام العلم والحوار منبر الجمعة: 29 شوّال 1439هـ/ 13 تمّوز 2018م إيرلندا تقاطع المستوطنات الصهيونيّة علاقتنا باردة.. ماذا أفعل؟ السبت أوّل أيّام شهر ذي القعدة 1439 فوز مصوّر بوسام شرف من ألمانیا مؤتمر حول الاجتهاد الإمامي في برمنغهام عيناتا تحيي ذكرى غياب المرجع فضل الله الوقت في حياتنا.. ثقافة ومسؤوليّة
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر