اليوم: الاثنين7 شعبان 1439هـ الموافق: 23 ابريل 2018

هل نتعلَّم الإخلاص للإسلام من الرَّسول الكريم(ص)؟

محمد عبدالله فضل الله

يقف رسول الله(ص) الموقف الحاسم الذي يؤكّد الثبات على الحقّ، والوضوح بالرّؤية في العقيدة الحقّة والعبادة السّليمة التي تخلص لله الواحد، وتسلم لمشيئته أمام كلّ مواقف الشياطين من الإنس والجنّ، التي تهدف من خلال عتوّها وأنانياتها إلى مواجهة مشاريع الوحدة والأخوّة الإيمانيّة وتفتيتها.

ويحدّثنا الله تعالى في كتابه المجيد عمّا صرّح به الرسول الكريم كإعلان للبشرية جمعاء بكلّ جرأة وصراحة، ومن دون مواربة، أن الإخلاص لله وتوحيده وعبادته هي كلّ الحقيقة وكلّ الحياة التي تتمجّد بها النفوس، وتنفتح بها القلوب والعقول، وهي الضّمانة للإنسان في سلامة مصيره في الدّنيا والآخرة، وغير التوحيد يعني الضّلال المودي بأهله إلى الضّياع والسّقوط.

يقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز:

{قل إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ* وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ* قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي* فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}[الزمر: 11-15].

ويلفت سماحة العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض) في تفسيره للآيات الكريمة، إلى الإحساس العالي بالمسؤوليَّة للرّسول الكريم، في موقفه الّذي تحدّى بيئة الشّرك، معلناً أحقيّة الرّسالة الإسلاميّة كمصدرٍ لحياة روح الإنسان وسعادته وراحته، وأن عكس الالتزام بدين الله هو الخسران في الدّنيا والآخرة:

"{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ}، فقد أراد الله لي أن ألتزم الإخلاص بعبادته، لأكون النبيّ الذي يلتزم الخطّ الذي يدعو له، كمسؤوليّةٍ دينيّةٍ ذاتيةٍ، تماماً كما أريد لكم أن تلتزموه من موقع هذه المسؤولية الموجّهة إليكم، فليس الموقف موقف الدّعوة التي لا يلتزمها صاحبها، إنّما يوجّهها إلى الآخرين بعيداً من التزامه الذاتي، بل هو موقف الرّسالة التي تفرض مفاهيمها وخططها ومسؤوليّتها على حاملها، قبل أن يفرضها على الآخرين.

{وَأُمِرْتُ لأن أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ}، لأعلن الإسلام كعنوانٍ لكلّ مواقفي في الحياة، وكواجهة لشخصيّتي الملتزمة، لأكون الشّخص الأوّل الذي يكون قدوةً للنّاس، فيما يدعوهم إليه.

{قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}، لأنَّ الله لا يفرِّق في عقابه للذين يتمرّدون على أوامره ونواهيه، بين شخص وآخر، فكما يعذب الناس العاديين على معصيته، فإنه يعذّب الرّسل، لو حدث منهم ما يشابه ذلك، لأن الله لا يرتبط بأحدٍ من خلقه بأية علاقةٍ خاصّة إلّا من خلال العمل.

{قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي}، فهذا هو الموقف الذي ألتزمه انطلاقاً من الأمر الإلهيّ الصّادر إليَّ، ومن قناعتي الفكريّة والروحيّة بذلك، وضرورة أن تترجم هذه القناعة في الممارسة العملية. {فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ}، فلن يغيّر ذلك من موقفي شيئاً، لأنَّ القناعات الحقيقيّة لا تتأثر بالمواقف الأخرى للذين يلتزمون الموقف الخاطئ {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، فيما ينفصلون به عن خطّ الإيمان بالله والالتزام بأوامره ونواهيه، فإنّ ذلك هو الموقف الّذي يحدّد موقع الخسارة أو الرّبح عند الله، في الاتجاه السلبي أو الإيجابيّ. {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}، لأنها الخسارة التي لا تعوَّض، باعتبار أن لا عمل بعدها، بل الحساب الّذي يحدِّد للإنسان مصيره".[تفسير من وحي القرآن، ج 19، ص 317].

أمّا العلامة الشيخ محمد جواد مغنية(رض)، فيقول معلّقاً على هذه الآيات المباركة:

"{قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي}: وقد يسأل سائل: لماذا كلّ هذا الترديد والتوكيد الشّديد على أنَّ محمّداً عبد من عباد الله، مخلص في دينه وعقيدته؟ الجواب لأمرين: الأوّل أن يفهم الناس والأجيال، وبالخصوص أعداء محمّد الذين حاولوا أن يثنوه عن دعوته بكلّ وسيلة، أنّ محمداً هو رجل الحقّ والإيمان الراسخ، وأنّ غايته من حياته أبعد الغايات وأسماها، وهي هداية الخلق إلى الحقّ، واحترام الناس وتحريرهم من العبوديّة لغير الله، وخلاص الإنسانيّة من كلّ ما تعانيه وتقاسيه. الأمر الثاني، أن لا يقول المسلمون في محمّد ما قاله النّصارى في السيّد المسيح.

{فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ}:إنّه لكم بالمرصاد {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ}: لأنها إلى جهنّم وبئس المصير {وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: لأنهم إن كانوا من أهل النّار، فالخسارة مشتركة، وإن كانوا من أهل الجنّة، تنقطع كلّ الصّلات والعلائق". [التفسير المبين/ الشيخ مغنيّة].

نتعلّم من رسول الله(ص) الثبات على الحقّ والإيمان الراسخ الّذي يدفعنا للتمسّك بجوهر الإسلام وروح قيمه وتشريعاته، في مواجهة كلّ من يحاول ثنينا عن إيماننا، وإغراقنا في حسابات ومشاريع تسقط إنسانيتنا، وتدخلنا في دائرة العبودية للذات والملذّات والمستكبرين والمبطلين، فما أكثر ما نواجهه من مواقف وفتن تحثّنا على التراجع، والمشاركة في ألاعيب هنا وهناك خدمةً للشيطان وجنوده، فيما المطلوب الوعي والصّبر والتحدّي والثّبات على الاستقامة والتوحيد والإخلاص لله تعالى.

إنَّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن منبر الجمعة: 4 شعبان 1439هـ/ 20 نيسان 2018م الحسين والعبّاس: الإيمان والثَّورة حتّى الشَّهادة ابنتي تحبّ العمل المسرحي والسينمائي! غانا: اعتماد واتساب لتبليغ الأذان بدلاً من مكبّرات الصوت فضل الله: لطيّ صفحة الإهمال ومعالجة التلوّث التوسّل بأهل البيت(ع) فيسبوك سريلانكا.. "أبيدوا المسلمين حتى الرضّع"! منبر الجمعة: 26 رجب 1439هـ/ 13 نيسان 2018م الرَّسول الّذي أعاد للأخلاق اعتبارها أهلٌ يفتِّشون أدراج أولادهم وخزائنهم؟! الثّلاثاء أوَّل أيّام شهر شعبان 1439
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر