اليوم: الأربعاء5 ذو القعدة 1439هـ الموافق: 18 يوليو 2018

المال ليس قيمةً بذاته.. فلنحذر

محمد عبدالله فضل الله

المال عنصر قوّة، ومن زينة الحياة الدنيا التي أرادنا الله تعالى أن نتعامل معها بكلّ وعي وإحساس بالمسؤولية، حيث يتحول المال إلى قوة نستثمرها في عمل البرّ والخير، وفي وجوه الإنفاق التي تجلب للحياة كلّ ثبات واستقرار وغنى.

المشكلة أنَّ المال قد يتحوّل عند البعض إلى هدف يركضون وراءه بغية امتلاكه وممارسة التسلط والأنانية من خلاله، وصولاً إلى التجبر والتكبر والعجب، فكل ذلك يجعل من المال قيمة بحدّ ذاته عند هؤلاء، وهنا تقع المشكلة، عندما تظهر الأنانية للخارج، عبر نشر البذخ والترف وعدم مراعاة المشاعر العامّة، وتصبح لغة المصالح والحسابات المادية هي المسيطرة عند البعض، فتهدر لأجل ذلك الكرامات، وتصادر الحريّات، وتنتهك الحقوق، ويعتدى على الحرمات.

والمال، إضافةً إلى قوّته المادية، يمتلك بعداً معنوياً وأخلاقياً، عندما يوظفه الإنسان في سبيل الصالح العام، وخدمة قضايا المحرومين والمستضعفين والفقراء والمحتاجين، وفي كلّ وجوه الخير، من بناء المدارس والطّرقات والجسور والمؤسّسات الإنتاجية والمساكن وغيرها، هذا البذل والعطاء ينعكس مزيداً من الشعور الروحي والأخلاقي والمعنوي عند الإنسان، ويسمو به ويهذّبه ويعمّق من ارتباطه بالله تعالى، ويمنح إيمانه مزيداً من الرسوخ.

العزّة والقيمة والكرامة فيما نتخلّى به عن أطماعنا، ونعيش التحرر أمام سلطة الشهوات والمغريات، ونكون من المطيعين المخلصين لله تعالى، هذا ما يعطينا القيمة الحقيقيّة التي تنفع في الدنيا والآخرة.

هذا، وقد تحدّث العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض) عن قيمة المال الحقيقيّة وما يتصل بذلك، فقال:

"مشكلة البعض منا، أنهم يجدون في المال كلّ القيمة، فيرون فيه مقياس السعادة والشقاء، والرفعة والانحطاط، باعتبار أنه يمثل القوّة المادية التي تمدّ الإنسان بكلّ حاجاته الصغيرة والكبيرة، وتسمح له بالحصول على كل مظاهر البذخ والترف والسعة فيما يتنافس فيه المتنافسون.

وهذا ما يدخل في وعي الإنسان، لتكون مسألة النظرة إلى المال حالة أخلاقيةً سلبيةً، تنعكس سلباً على طريقة التعامل مع الآخرين، بحيث يقف مالك المال في مواجهة أمثاله من الّذين يملكونه، ليستعرض كلّ ما يملكه أمام الآخرين، ليباهي به الّذين يملكون الكثير منه، ليدخل معهم في عملية تكاثر تميّزه عنهم، لتكون له الميزة الكبيرة عليهم في مجال الحصول على القيمة الاجتماعية المتقدّمة بين الناس الذين يحترمون الآخرين على أساس كميّة المال الذي يملكونه.

ويشتدّ الانحراف ليتحوّل إلى عقدة استكبارية يشعر معها بالعلوّ والرّفعة على الفقراء، فيزدريهم ويحتقرهم، لأنهم لا يملكون ـ في نظره ـ أساس الاحترام، لأنهم لا يملكون المال، الأمر الذي يؤدي إلى تحويل المجتمع إلى طبقتين متضادّتين في الواقع، ما يثير الكثير من المشاكل الأخلاقية والاجتماعية، تبعاً لما يسبّبه الشعور بالاضطهاد لدى الفقراء المنسحقين أمام مشاعر الاستعلاء لدى الأغنياء من نتائج سلبية على الجميع.

ونحن نعرف أنّ المال ليس قيمة في معناها الحقيقيّ، لأنه لا يتصل بالمعنى الذاتي للإنسان في تكوين وجوده وسرّ شخصيته، باعتبار أنه شيء خارج عنه، مفصول عن ذاته، فلا معنى للمباهاة به، وقد قال بعض الحكماء لمن يفتخر بثراه: إن افتخرت بفرسك، فالحسن والفراهة له دونك، وإن افتخرت بثيابك، فالجمال لها دونك، وإن افتخرت بآبائك، فالفضل فيهم لا فيك، ولو تكلّمت هذه الأشياء، لقالت هذه محاسننا، فما لك من حسن، وإنما المباهاة والمفاخرة بالأعمال الصّالحة، وقد قال الله في كتابه: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}(الكهف/46).

وقلت في آيةٍ أخرى:

{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ}(الحديد/20).

وقد جاء عن رسولك أنّه قال: "ومن أهان فقيراً مسلماً من أجل فقره، واستخفّ به، فقد استخفّ بحقّ الله، ولميزل في مقت الله عزّ وجلّ وسخطه حتى يرضيه". وهكذا، أردت، يا ربّ، أن ينظر الناس إلى المال على أساس أنه حاجة من حاجات الدنيا، وليس قيمة من قيم الحياة، فلم ترد للإنسان أن يكون محترماً لكثرة ماله، أو يكون محتقراً لقلة ذات يده، بل أردت للعلم والعقل وللإيمان وللعمل الصالح، أن تكون هي الأساس في الاحترام والتقدير، اللّهمّ فأعذنا من ذلك، واجعلنا من الذين لا يباهون المكثرين بمالهم، ويزدرون المقلين من خلال فقرهم، واعصمنا من وساوس الشيطان في ذلك كله، لنعرف أننا ملكك، وأنّ المال هو مالك الذي آتينا واستخلفتنا عليه، لنحرّكه في مواقع رضاك، ونبتعد به عن مواقع سخطك". [كتاب آفاق الروح، ج1، ص 173].

إننا في ظلّ الضغوطات والمغريات المادّيّة، لا بدّ من التنبه لما يعنيه المال من قيمة حقيقيّة، والتعاطي بوعي ومسؤوليّة عالية فيما نملك من مال وعناصر مادية، واستثمارها فيما يعود علينا بالمنفعة العامّة التي تربينا على حبّ الخير والتفاعل معه، فالمال يأتي ويذهب، ونحن مجرّد أمناء عليه، وكّلنا به تعالى لينظر كيف نتصرف به، وكيف نصرفه، وكيف ننظر إليه من أيّة زاوية، وهل سيترك المال أثراً طيّباً وإيجابيّاً في نفوسنا، فيجعلها تحيا مشاعر حبّ التّعاون والتّضحية والبذل للآخرين وللحياة؟!

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها. 

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الاجتماع السنوي لهيئة أمناء الإشراف على مؤسَّسات السيّد فضل الله الذّكرى السنويّة الثامنة لرحيل السيّد فضل الله في الدنمارك الإمام الصّادق(ع).. إمام العلم والحوار منبر الجمعة: 29 شوّال 1439هـ/ 13 تمّوز 2018م إيرلندا تقاطع المستوطنات الصهيونيّة علاقتنا باردة.. ماذا أفعل؟ السبت أوّل أيّام شهر ذي القعدة 1439 فوز مصوّر بوسام شرف من ألمانیا مؤتمر حول الاجتهاد الإمامي في برمنغهام عيناتا تحيي ذكرى غياب المرجع فضل الله الوقت في حياتنا.. ثقافة ومسؤوليّة
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر