اليوم: الأربعاء5 ذو القعدة 1439هـ الموافق: 18 يوليو 2018

خطط عمليّة لمواجهة التحدّيات

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

أمّا السعي نحو التوجّه الوحدويّ، فيتمّ من الناحية العملية بالتأكيد الدائم على مواجهة التحدّيات المصيرية التي تواجه الإسلام والمسلمين بأساليب عملية في مستوى تلك التحدّيات، وذلك بالبحث عن مواطن اللّقاء، وبالبحث الدّائم في التصوّرات الإسلامية للقضايا العامَّة، وإثارة الشعور بالمسؤوليّة تجاهها، وتقديم الشواهد التاريخيّة على المواقف الواعية التي كان يقفها قادتنا الإسلاميّون التاريخيّون في خلافاتهم أثناء مواجهتهم لتحدّيات الكفر والضّلال، وبالتركيز على الخسائر التي يمكن أن تلحق بالمسلمين أجمع بمختلف طوائفهم، من خلال الإفساح في المجالات للخلافات الطائفية التي يغذّيها الاستعمار الكافر بأساليبه المتنوّعة، وبتقديم الأمثلة على ذلك من خلال حركة الواقع، في ما نملك من أمثلة على ذلك كلّه في تاريخنا المعاصر. ولعلّ من البديهي أنَّ ذلك لن يتحقَّق إلاّ ضمن عملية متحرّكة في ظلّ قيادات واعية ترصد الواقع بعين يقظة مفتوحة على ما حولها، وترصد المستقبل بالخطط العملية الحكيمة، وذلك ضمن برنامج متكامل سليم وشامل.

ونحسب أنَّ مثل هذا الجوّ، يسهم ـــ ولو بعد وقتٍ طويل ـــ في إبعاد المسلمين عن التقاتل الطائفيّ إلى البحث الفكريّ العلميّ حول كلّ ما يختلف فيه المسلمون، من دون خلفيّات حاقدة، بل بروح يدفعها الشعور بمسؤوليّة الفكر في الإسلام، إلى مواجهة كلّ القضايا المعلّقة، بصراحة وموضوعيّة وإخلاص، ويدفعها هذا الإحساس بالخطر إلى التجمّع في الموقع الواحد من أجل القضيّة الواحدة.

التّعاطي مع الاختلافات

أمّا أجواء الاختلافات الأخرى ـــ القوميّة والإقليميّة والاقتصاديّة ـــ فتحتاج إلى العمل الطويل المجهد الذي بدأه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بتركيز الروح الإسلامية في وعي المسلمين، والتعاطي مع الفوارق بروح عملية، يكفل للنّاس حفظ خصائص متنوّعة تُغني تجربتهم وأفكارهم وأوضاعهم، وتخلق بينهم نوعاً من التفاعل الحضاري، وبذلك تُزال الحواجز الروحية والواقعية بين أبناء الفكر الواحد والعقيدة الواحدة.. وعند ذلك فقط، تتحوَّل العقيدة في وعي حركتها الأساسيّة إلى معنى إنسانيّ يجمع الفصائل المتنوّعة من بني الإنسان في إطار واحد يتّسع للجميع دون أنْ يلغي خصائصهم الذاتيّة.

أمّا التاريخ القديم، فإنَّ بإمكاننا إثارته كما أثاره الإسلام، كعبرة، بما يحمل من أساليب العبر في الاتّجاه الإيجابيّ والسلبيّ، ولكن من دون أن نسمح له بأن يطبع شخصيّتنا بطابعه، لأنَّ الإسلام قد وضع حاجزاً كبيراً بين إيمان الإنسان بالله والارتباط بالجاهلية، في كلّ ما تمثّله الجاهليّة من فكرٍ ومن تاريخ. ولا بدَّ لنا في ذلك كلّه من حشد كلّ أساليب الفكر والتربية في الوقوف أمام هذه الاتّجاهات في خطّة حكيمة شاملة. وقد لا نستطيع أن نزعم لأنفسنا أنَّنا سنصل إلى الغاية المتوخّاة في هذا السبيل، لأنَّ قوى الشرّ والكفر والضلال ستقف بيننا وبين تحقيق ذلك، ولكن لا بدَّ لنا من خوض هذا الصّراع بكلّ ما نملك من وسائل في أيّ جانب من جوانب الحياة. إنَّها ضريبة الجهاد في سبيل الله التي يحمل عبء تقديمها المجاهدون المخلصون.

لماذا لا يتوحَّد المسلمون؟!

إنَّنا نشعر بأنَّ قضية توحيد المسلمين ضمن مواقف موحَّدة ليست عملية بسيطة لتعالج على مستوى الحلول النظرية العامّة، بل هي من أصعب القضايا تعقيداً، لأنَّها تصطدم بالعناصر الخارجيّة التي تمثّل القوى العالميّة ذات المصالح السياسية والعسكرية في السيطرة على واقع المسلمين أرضاً وشعباً وفكراً واقتصاداً، ولذلك، فإنَّ أيّة دعوة توحيديّة تنطلق من واقع الشعور بالتمايز الحضاريّ الإسلاميّ ضدّ القوى الأخرى، تعتبر دعوة مضادّة ضدّ مصالح هذه القوى، ما يجعلها تحشد قواها من أجل القضاء على الحركة في مهدها. وفي هذا الاتّجاه، نرى أنَّ القضية تحتاج إلى جهود متواصلة في هذا السّبيل، وإلى بذل تضحيات كبيرة في أكثر من جانب، وإلى التمسّك بحبل الصّبر والإيمان وصولاً إلى الغاية الكبرى.

ويجب أن نشير في نهاية المطاف، إلى أنَّ شعار توحيد المسلمين والقضاء على التمزّق، لا يعني الوحدة في كيان سياسيّ موحَّد يجمع المسلمين في دولة، لأنَّنا لا نجد ذلك ضروريّاً في عملية التوحيد، فيمكن أن يجتمع المسلمون على الإسلام كعنصر توحيديّ أساسيّ مع اختلاف الكيانات القانونيّة التي لا تمثّل حاجزاً نفسياً ضدّ بعضهم البعض.

إنَّ القضية، كلّ القضية، هي أنَّ الإسلام يظلّ يمثّل الوحدة العميقة بين المسلمين وإن اختلفوا على أكثر من جانب في التاريخ والتشريع والفلسفة، ولنصغ إلى نداء الله سبحانه: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء: 92]، {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ...}[الأنفال: 46].

*من كتاب "أحاديث في قضايا الاختلاف والوحدة"، ص 38-40.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الاجتماع السنوي لهيئة أمناء الإشراف على مؤسَّسات السيّد فضل الله الذّكرى السنويّة الثامنة لرحيل السيّد فضل الله في الدنمارك الإمام الصّادق(ع).. إمام العلم والحوار منبر الجمعة: 29 شوّال 1439هـ/ 13 تمّوز 2018م إيرلندا تقاطع المستوطنات الصهيونيّة علاقتنا باردة.. ماذا أفعل؟ السبت أوّل أيّام شهر ذي القعدة 1439 فوز مصوّر بوسام شرف من ألمانیا مؤتمر حول الاجتهاد الإمامي في برمنغهام عيناتا تحيي ذكرى غياب المرجع فضل الله الوقت في حياتنا.. ثقافة ومسؤوليّة
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر