اليوم: الأربعاء24 صفر 1441هـ الموافق: 23 اكتوبر 2019

الإعداد الفكري والتربوي لعليّ(ع)

السيّد الشّهيد محمد باقر الصدر(رض)

نستطيع القول بكل تأكيد، إنَّ الرسول الأعظم(ص)، قد قامَ بعملية الإعداد الرسالي «التربوي والفكري» لعليّ بن أبي طالب(ع) منذ صدع بالوحي، وكان (صلوات الله عليه) يضع الخطوات العملية من أجل بلوغ الغاية المتوخاة من ذلك، وهي تولّي عليّ للمهمة القيادية «الاجتماعية والسياسية» بعده مباشرةً. ويظهر لنا من سير الأحداث، وما تناقلته كتبُ السيرة والتواريخ، وما نقله الرواة الثقات، أنَّ ذلك تمَّ عن طريقين:

الأوّل: تعهّد الرسول القائد(ص) نفسه بكفالة عليّ(ع) منذ صغره، وتولّي تربيته ورعايته، والحرص البالغ على أن لا يفارقه إلّا لضرورة.

والثاني: إفراد عليّ(ع) من بين سائر الصحابة بمقامات وعلوم ومواقف ترتبط بوجود الإسلام وبمستقبله.

فأمّا أوّلاً: فإنَّ كتب السيرة والرواية قد تكفّلت ببيان تفصيلات وافية في هذا الصدد، حتى إن أمر تعهد الرسول الأعظم(ص) لعليّ بكفالته منذ صغره، وتربيته في بيته، من أوضح ما تزخر به سيرته الشريفة، ويكفي أن نوردَ ما بيّنه الإمام عليّ(ع) نفسه في خطبته الشهيرة بالقاصعة، إذ يقول: "وقد علمتم موضعي من رسول الله(ص) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حِجره وأنا وَلدٌ، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويُمسُّني جسده، ويُشِمني عَرْفَه. وكان يمضغ الشيء ثمّ يُلقمنيه، وما وجَدَ لي كذبةً في قولٍ، ولا خطلةً في فعلٍ... ولقد كنتُ أتّبعهُ اتّباعَ الفصيل أثرَ أمّه، يرفع لي في كلّ يومٍ من أخلاقه عَلَماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاورُ في كلّ سنةٍ بحراء، فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيتٌ واحد يومئذٍ في الإسلام غيرَ رسول الله(ص) وخديجةَ وأنا، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمُّ ريح النبوّة...".

إنَّ هذه الصورة التي ينقلها لنا الإمام عليّ(ع) نفسه عن كيفية وطريقة التعامل التي كان يتبعها النبي معه، تكشف لنا عن حقيقة وأبعاد الهدف الأعظم من ذلك.

إنَّ هذه التربية المخصوصة لعليّ(ع)، والرعاية الفائقة، والحرص على أن يكون عليٌّ قريباً جداً من أنوار الوحي، وأن يكون متعرّضاً لنفحات النبوّة، وأن يكون ثالث ثلاثة في بيت الرسول القائد حيث مهبط الوحي، فيتلقى في هذا المكان المشرف الدروس الأولى، والتوجيهات النبوية المباشرة، فينعكس ذلك على تكوينه الفكري والعقيدي، «فلا يسجد لصنم قطّ»، ولا يخالط عقله لحظة شرك، وينعكس على سلوكه، «فلا كذبة في قول، ولا خطلة في فعل...» إنَّ هذا ليكشف عن إعدادٍ تربويّ خاصّ بلا أدنى شكّ. ومما يلاحظ في هذا الصّدد، أنّ تعهد الرسول القائد(ص) لعليٍّ بالرعاية والعناية الخاصّتين، لم يقتصر على فترة الطفولة والصبا، ولم يتوقف عند مرحلةٍ معيّنة، لأننا نجدُ أن الرسول القائد كان حريصاً على أن يكون عليٌّ إلى جانبه دائماً، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً، كما ورد عن عليّ(ع) قال: "كان لي مع النبيّ(ص) مدخلان، مدخل بالليل، ومدخل بالنهار..."، بل نجد الرسول القائد لا يفارق عليّاً، ولا يتركه إلّا لضرورةٍ تتصل بحفظ حياة الرسول نفسه، أو بحفظ الدعوة الإسلامية وحمايتها من أخطار محتملة.

ونذكر على كلِّ حالةٍ مثالاً واحداً، لتأكيد المطلب.

أ - المورد الأوّل الذي يتصل بحفظ حياة الرسول القائد نفسه، وهو عندما تركَ رسولُ الله عليّاً ليبيت في فراشه ليلة هجرته المباركة إلى المدينة، إيهاماً لقريش المترصّدين، وإنجاءً لنفسه (صلوات الله عليه وآله وسلم) من مؤامرتهم لقتله.

وقد نزل في ذلك قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ...}، كما ذكره الفخر الرازي.

ب - المورد الآخر الذي يتصل بحفظ الرسالة وحمايتها؛ وهو عندما أراد رسول الله(ص) أن يخرج إلى بعض مغازيه - قيل تبوك - ترك علياً في المدينة خليفةً عنه، لأنَّ ابن أُبيّ بن سلول رأس المنافقين كان قد تخلّف في المدينة، فاقتضى الموقف أن يُترك عليٌّ لمواجهة أي تطور غير محسوب قد يهدّد دولة الرسول القائد في المدينة، ذكر الطبري: "أنه لما سارَ رسول الله - إلى - تبوك - تخلّف عنه عبد الله بن أُبيّ فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، وكان عبد الله بن أُبيّ أخا بني عوف بن الخزرج، وعبد الله بن نَبْتَل أخا بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بني قينقاع، وكانوا - أي المذكورون - من عظماء المنافقين، وكانوا ممن يكيد الإسلامَ وأهله."

قال الطبري: وفيهم - فيما حَدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري - أنزل الله تعالى: {لَقَدِ ابتَغَوُاْ الفِتْنَةَ مِن قَبلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ...} ... وهنا، أدرك المنافقون أنَّ بقاء عليٍّ في المدينة سيفوّت الفرصة عليهم، قال الطبري في تتمّة الخبر: "فأرجف المنافقون بعليّ بن أبي طالب، وقالوا: ما خلّفه إلّا استثقالاً له وتخفّفاً منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ عليٌّ سلاحه، ثمّ خرج حتى أتى رسول الله(ص) وهو بالجُرف - موضع على مسافة من المدينة - فقال: "يا نبيّ الله؛ زعم المنافقون أنّك إنما خلفتني؛ أنّك استثقلتني وتخفّفت مني! فقال: كذبوا، ولكني إنما خلفتك لما ورائي... أفلا ترضى أن تكون مني - يا عليّ - بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبيَّ بعدي!"، فرجع عليٌّ إلى المدينة، ومضى رسول الله(ص).

وقد نقل البخاري ومسلم حديث المنزلة هذا. وفي الرواية عن سعد بن أبي وقّاص قال: خلّف رسولُ الله عليّاً - في بعض مغازيه - في المدينة، فقال عليٌّ: "يا رسول الله، قد خلّفتني مع النساء والصبيان؛ فسمعت رسول الله يقول: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبوّةَ بعدي...".

ومن الأمور الملفتة للنّظر، أن الرسول الأعظم(ص) كان يعبّرُ عن تلهفه وهواجسه عندما يغيب عنه عليٌّ(ع)، ويتطلّع إلى رؤيته والاطمئنان عليه. فعن أمّ عطية على ما أخرجه ابن كثير وحسّنه، قالت: بعثَ النبيُّ(ص) جيشاً، وفيهم عليٌّ. قالت: فسمعتُ النبيّ(ص) يقول: "اللهمَّ لا تمتني حتى تريني عليّاً".

ويصلُ الأمر أحياناً إلى أنَّ النبيّ(ص) عندما يُخصُّ بأكلةٍ لا يطيق أن يأكلها لوحده، ثمّ هو لا يكتفي بأن يدعو الله إلى أن يشاركه عليٌّ بتلك الأكلة، بل يجعلها مناسبةً لبيان مقام عليّ(ع) ومنزلته. فعن أنس بن مالك قال: "كان عند النبيّ طيرٌ - وفي بعض الروايات طائر مشويّ – فقال(ص): اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير. فجاء عليٌّ، فأكل معه...".

ومن الملفت للنظر، أن بعض الروايات تنقل أن محاولة جرت لصرف عليّ عند مجيئه إلى بيت الرسول(ص) بعد دعوته تلك، ولكنها فشلت بتدخّل الرسول نفسه، على ما نقله ابن كثير.

ويستفاد من هذه الرواية - كما هو ظاهر - أن النبيّ(ص) أراد أن يُرسّخ ويؤكّد أنَّ علياً هو أحبّ الخلق إلى الله تعالى أيضاً.

كلّ ذلك يدلُّ بما لا يدعُ مجالاً للشكّ، على أنَّ التربية التي خصَّ بها نبينا محمّد(ص) علياً، كانت تهدف الى إعداده وتهيئته لمسؤوليّة قيادة الدعوة، وليس لمجرّد أن يكون أحد أركانها وكوادرها الأساسية. إذ وجدنا الرسول القائد يتعهّد جمعاً من صحابته بالتربية والتثقيف والرعاية، ولكن ليس بمثل المستوى والطريقة والأسلوب والعناية التي اتبعت مع عليٍّ، مما يكشف أن المسؤولية المنوطة بعليّ هي أكبر بكثير من مسؤوليّة الآخرين.

أما الأسلوب الثاني: وهو إفرادُ عليٍّ واختصاصه بالعلوم، وخاصةً القرآنية، وبالمواقف الحاسمة في تاريخ الرسول والرسالة، وتثقيفه تثقيفاً مركّزاً بأحكام الشريعة؛ فإنّ هناك شواهد كثيرة، وأدلةٌ وفيرةٌ عليه، ومن يراجع كتب الحديث والسيرة والتواريخ، يظفر بالكثير جداً.

ونذكر أمثلةً وشواهد عليه تثبيتاً للمطلب:

لقد تولّى رسول الله(ص)، وبأمرٍ إلهيّ، مهمة الإعداد الفكري والعلمي لعليٍّ، وتزويده دون سواه بالمعرفة القرآنية الشاملة، وبأصول العلوم وينابيعها، وبالحكمة وآدابها، وبتفهيم أحكام الشّريعة حلالها وحرامها.

جاء عن عليٍّ(ع) قوله: "علمني رسولُ الله(ص) ألف باب من العلم، يفتح لي من كلّ باب ألف باب ...". وكان عليٌّ(ع) تارةً يبادر هو بالحصول على المعارف والعلوم والأحكام من الرسول الأعظم، وتارةً يبادر الرّسول(ص) نفسه بذلك؛ قال عليٌّ(ع): "كنت إذا سألتُ النبيّ(ص) أعطاني، وإذا سكتُّ ابتداني".

ثمّ قال مرةً: "إنَّ الله وهبَ لي لساناً سؤولاً، وقلباً عقولاً...". وفي حديث طويل، تحدث الإمام عليّ(ع) في هذا الصدد قائلاً: "ما نَزلت على رسول الله(ص) آيةٌ إلاّ أقرأنيها وأملاها عليَّ، فكتبتها بخطي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامّها، ودعا الله لي أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيتُ آية من كتاب الله تعالى، وعلماً أملاه عليَّ وكتبته، منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك رسول الله علماً علّمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمرٍ ولا نهي كان أو يكون، إلّا علّمنيه وحفظته، ولم أنسَ حرفاً واحداً منه...".

وقد أورد السيوطي أنّ مُعَمر روى عن وهب عن أبي الطّفيل، قال: شهدتُ عليّاً يخطب وهو يقول: "سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلّا أحدثكم به، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلّا وأنا أعلمُ أبليلٍ نزلت أم في نهار أم في سهل أم في جبلٍ...".

قال السيوطي: "إنَّ أحداً من الصحابة لم يجرؤ على أن يقول سلوني غير عليّ..."».

وكلّ ما تحدّث به عليٌّ، ونقله لنا التاريخ نقلاً أميناً، شهد به أجلاء الصحابة، وأقرَّ به علماؤهم وكبارهم؛ فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود أنه قال: "إنَّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرفٌ إلّا وله ظهرٌ وبطن، وإنَّ عليّ بن أبي طالب عنده من الظّاهر والباطن...". وجاء عن ابن عباس أنه قال: "والله لقد أُعطي عليُّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم"، وورد عنه أيضاً قوله: "كنا نتحدث أنَّ النبيّ(ص) عهد إلى عليٍّ سبعين عهداً، لم يعهد إلى غيره". وعمليّاً، كان عليٌّ مرجع الصحابة في كلّ ما يعترضهم من المسائل العلمية، والمشاكل الإدارية، والمعضلات القضائية. فلقد ثبتَ عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب أنّه قال: "لولا عليٌّ لهلك عمر"، وأنه كان يقول: "أعوذ بالله من معضلةٍ، ولا أبو حسن لها..."، وثبتَ عنه أنه قال: "أقضانا عليّ...". والقضاء يعني العِلم بكلّ أحكام الشَّرع.

*من كتاب "نشأة التشيع والشيعة"، ص 105-114.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة هل هرب فتية الكهف من الواقع؟ العربيّة ثالث لغة في أستراليا منبر الجمعة: 18 تشرين أوّل 2019 المودّة في القربى للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر