اليوم: الاثنين11 شوال 1439هـ الموافق: 25 يونيو 2018

الدين يصنع فريضة الوحدة

الشّيخ حسن الصفّار

إنَّ العمل من أجل وحدة الأمّة الإسلامية، وتعزيز تماسكها وتلاحمها، هو من أهمّ الفرائض والواجبات، وخصوصاً في هذا الزمن العصيب، الذي تراجعت فيه مكانة الأمّة على المستوى العالمي، وأصبحت دولها تصنَّف ضمن خانة الدول النامية، أو العالم الثالث، وعادةً ما تحتلّ أواخر الدرجات ضمن أيّ تقرير دولي لرصد مسيرة التقدم العلمي، أو التنمية الاجتماعية.

وإذا كانت الوحدة مطلوبة على كل الأصعدة والمستويات، فإنها أكثر إلحاحاً وضرورة على الصعيد الديني، ذلك أن العامل الديني هو من أعمق العوامل وأشدها تأثيراً على نفس الإنسان وسلوكه.

فالقيم الدينية الصحيحة، حين تأخذ موقعها في نفوس أبناء المجتمع وأفكارهم، تدفعهم إلى أعلى درجات التماسك والتلاحم، وتصنع منهم أفضل واقع وحدوي، وتمنحهم القدرة على تجاوز عوامل التجزئة والنزاع.

وهذا ما حصل بالفعل عند انبثاق نور الإسلام، ودخول القبائل العربية إلى رحابه، حيث نقلهم من حالة التشرذم والاحتراب إلى آفاق الإخوة والتآلف يقول تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا...}.

وقد عبّر القرآن الكريم عن المستوى الرفيع لوحدتهم وتماسكهم، بأنهم: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}، كما وصف رسول الله تلك الدرجة العالية التي بلغوها من التوحد والتضامن، بأنهم أصبحوا بمثابة جسد واحد. جاء في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى".

هذا هو العطاء الطبيعي للقيم الدينية الصحيحة، التي تزرع في النفس روح المحبة للآخرين، واحترامهم، وتربي على أخلاقيات التعاون وخدمة المصلحة العامّة، وتحصّن الإنسان عن التأثير السلبي للعصبيات العنصرية والقومية والقبلية والفئوية. وكما أنّ الدين بقيمه وتعاليمه الصافية يكون مصدراً وصانعاً لأرقى حالات الوحدة والانسجام في الأمّة، فإنه عندما تتعرض قيمه ومفاهيمه للتحريف والتزييف، يساء استخدامه كأشدّ معول للتفرقة والخصومة والنزاع، وطالما استغلت الأديان في تمزيق الشعوب، وإشعال الفتن والحروب، حين يتّخذ البعض من الدين غطاءً لنزعة الهيمنة والاستبداد، ويحتكر لنفسه حقّ فهم الدين وتفسيره، وفقاً لتوجهاته السياسية والفكرية، قامعاً لكل الآراء الأخرى، ومصادراً لحريات معتنقيها، والذين سيضطرّون للدفاع عن حقوقهم، ونصرة آرائهم ومذاهبهم في تفسير الدين وفهمه، ما يقود الأمة إلى حالة الفتن المذهبية، والصراع الداخلي، وعادةً ما تكون الخصومات الدينية في المجتمعات هي الأكثر حدة وعنفاً.

وقد حذّر القرآن الكريم من استخدام الدين أداةً للفرقة والنزاع، يقول تعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}. ويقول تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}.

إن تعدد الآراء والاجتهادات في إطار الدّين هو أمر طبيعي لا مناص من حدوثه وحصوله، فالدين مجموعة من النصوص المنقولة، يستخدم العلماء والفقهاء عقولهم لفهمها وإدراكها، ولأنهم بشر يتفاوتون في مستوياتهم العلمية ومداركهم الفكرية، ويتنوعون في بيئاتهم وتجاربهم، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك التفاوت والتنوع على أفهامهم وتفسيراتهم للنص الديني، فضلاً عن إمكانية اختلافهم في إثبات صدور ذلك النص بالنسبة إلى ما عدا القرآن الكريم، لأنه قطعي الصدور.

لكنّ تعدّد الآراء واختلاف الاجتهادات لا يؤدّي بالضرورة إلى النزاع والخصام، بل يثري حركة المعرفة والاجتهاد، ويشجع التنافس العلمي الإيجابي، ويتيح أمام الأمة أكثر من خيار شرعي في التعامل مع قضايا الحياة على ضوء مختلف الاجتهادات. وقد عاش أئمة الدين وفقهاء الأمة في العصور السابقة مع بعضهم البعض، يتواصلون علمياً ومعرفياً، يتتلمذ بعضهم على بعض، ويحاور بعضهم بعضاً، ويأخذون عن بعضهم بعضاً، ويتبادلون المودة والاحترام، حتى جاء جيل من الأتباع لأولئك الفقهاء، ينقصهم الإخلاص للدين، والتخلق بآدابه، والوعي بمصلحة الأمّة، فحوّلوا انتماءهم لأولئك الأئمة الأعلام، إلى عصبية مذهبية، وتكتل فئوي، وانحياز طائفي، فذاقت الأمة وبال الفتن والنزاعات، ما بدد شملها، ومزّق وحدتها، وخصوصاً في عصرنا الحاضر، حيث جنح التطرّف والغلوّ ببعض الفئات إلى تكفير مخالفيها من المسلمين، واتهامهم بالشرك والضلال والابتداع.

تجاه هذا التطرف الخطير على وحدة الأمّة وأمنها واستقرارها، كان لا بد من دور للواعين المصلحين، للتذكير بفريضة الوحدة الواجبة، وللتأكيد على احترام كل المذاهب الإسلامية وحرية الانتماء إليها، وأن تعدد المذاهب الفقهية والمدارس الفكرية، أمر مشروع وقديم الوجود في تاريخ المسلمين، وهو لا يبرّر النزاع والخلاف، ولا ينبغي أن يؤثّر في علاقات الأخوة والمواطنة بين أبناء الأمّة.

*مقال منشور في صحيفة اليوم: 17 / 3 / 2004م.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الكيان الصّهيوني يسعى للسّيطرة أكثر على "الحرم الإبراهيمي" منبر الجمعة: 8 شوّال 1439ه/ 22 حزيران 2018م القصاص حماية للحياة طفلي بين الثّواب والعقاب! السفير الإيراني عند فضل الله حكم لبس المرأة البنطلون الوفاء لشهر رمضان بالحزن على فراقه أمّ زوجتي سيّئة.. كيف أعاملها؟! المبرّات تستضيف 1600 من كبار السنّ في دار الأمان للمسنين فضل الله: نستلهم فكر المؤسّس في انفتاحه وإنسانيّته أنا في خطٍّ سياسيٍّ فيه انحراف!
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر