اليوم: الأحد12 صفر 1440هـ الموافق: 21 اكتوبر 2018

الرّياضة.. برؤية دينيّة

الشّيخ حسن الصفّار

تكاملية الإسلام وشموليته تفرض أن يهتمّ بلياقة الجسم كما يهتمّ بسموّ الروح، وأن يرعى تنمية مختلف الأبعاد في شخصية الإنس.، لذلك، من الطبيعي أن نجد في تعاليم الإسلام إشادة بممارسة الرياضة، وتشجيعاً للاهتمام بأنشطتها.

فقد أورد البخاري في صحيحه عدة أحاديث حول الفروسية وسباق الخيل، منها ما رواه عن نافع عن ابن عمر، قال: "سابق رسول الله بين الخيل التي قد ضمرت، فأرسلها من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، ستة أميال أو سبعة، وسابق بين الخيل التي لم تضمر، فأرسلها من ثنية الوداع، وكان أمدها مسجد بني زريق - ميل أو نحوه، وكان ابن عمر ممن سابق فيها".

وإضمار الخيل: إعدادها للسباق، بأن تعلف حتى تسمن وتقوى، ثم يقلّل علفها، ويستنزل عرقها، حتى يخفّ لحمها، وتقوى على الجري.

قال ابن حجر في "فتح الباري": "وفي الحديث مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو، والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة، بحسب الباعث على ذلك. قال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدوابّ، وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسّهام، واستعمال الأسلحة، لما في ذلك التدريب على الحرب".

كما أورد البخاري أحاديث عن ممارسة رياضة الرمي، منها ما عن سلمة بن الأكوع قال: مرّ النبي على نفر من أسلم، قبيلة عربية، ينتضلون - التناضل الترامي للسبق - فقال النبيّ: "ارموا بني إسماعيل، فإنّ أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان". قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله: مالكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال النبيّ: "ارموا فأنا معكم كلّكم".

ونقرأ في حديث آخر، أنه مرّ بقوم يربعون حجراً، يعني يرفعونه ليعرفوا الأشدّ منهم، فلم ينكر عليهم، وهي رياضة حمل الأثقال.

تعطينا هذه النصوص وأمثالها صورةً واضحة عن تشجيع النبي ورعايته لأشكال وألوان من ممارسة النشاط الرياضي: سباق الخيل، الرّماية، حمل الأثقال، السباحة، المصارعة... وأين هذا من مظاهر التزمّت التي يوحي بها بعض المتدينين، وكأن الرياضة شيء مستهجن مذموم؟!

وقد أدرج الفقهاء في كتب الفقه أحكام المسابقة والرمي ضمن أبواب معنونة بها.

وأفرد ابن القيم الجوزية مؤلّفاً كاملا تحت اسم (الفروسية)، ورصد الباحث محمد كامل علوي ما يربو على الخمس والأربعين لعبة رياضيّة كان يمارسها العرب الأقدمون، بل لقد ذهب إلى أن عدداً كبيراً من الرياضات المعاصرة التي يمارسها الغرب، هي من أصول عربية إسلامية، وقد ضرب مثلاً برياضة البولو، التي مارسها المسلمون الأقدمون في عصر الخلافة العباسية وما بعدها، تحت اسم الصوالج أو الصولجان.

الدّعم المطلوب

تعاني أغلب أندية المنطقة من عجز مالي كبير، بعد تراجع الدّعم الرسمي لها من الرئاسة العامّة لرعاية الشّباب، فبعض الأندية، وخصوصاً التي لا تمتلك منشأة، لم تعد قادرة حتى على تسديد إيجار مقرّها، فضلاً عن رواتب الموظفين، ومستلزمات النشاط الرياضي، ما يهدّد بعضها بالانهيار والإغلاق.

وقد أثّر هذا العجز المالي في نشاط مختلف الأندية، وفي الوقت الذي نأمل بمضاعفة الاهتمام من قبل الحكومة بهذه الأندية، لما لضعفها وتراجعها من انعكاسات سلبية على الأمن الاجتماعي، فإنّ على رجال المال والأعمال في المجتمع، أن يتحمّلوا مسؤوليّتهم تجاه هذه الأندية، ولا ينبغي أن تكون كلّ أعبائها على كاهل الدولة. وفي الوضع الحاضر، عليهم أن يمدّوا يد الدّعم والإنقاذ، لتستمرّ الأندية الرياضية في أداء دورها الاجتماعي الخطير، بل هي بحاجة إلى إمكانات كبيرة لتطوير نشاطها، بما يتناسب مع تصاعد التحدّيات أمام أجيال الشباب.

وفي بعض مناطق الوطن، تحظى الأندية الرياضية بدعم جيّد من القطاع الخاصّ، وهذا ما نطمح إلى حصوله في منطقتنا، إن شاء الله.

إنّ كلّ ناد رياضي بحاجة الى هيئة أعضاء شرف، تتكوّن من رجال الفكر والأعمال المهتمين بمصلحة المجتمع والوطن، لتصبح هذه الهيئة ظهراً وسنداً للنادي في احتياجاته المادية، ومصدراً للتوجيه والرعاية والدعم المعنوي.

وحينما يتحدث الفقهاء عن المكافأة والعوض الذي يجعل في السباق، يذكرون أنّ المكافأة إمّا أن تكون من أحد الفريقين، أو تكون من الإمام شخصياً، أو من بيت المال.

قال ابن قدامه في المغني: إنّ المسابقة إذا كانت بين اثنين أو حزبين، لم تخل إمّا أن يكون العوض منهما أو من غيرهما، فإن كان من غيرهما نظرت، فإن كان الإمام جاز، سواء كان من ماله، أو من بيت المال...

ويبدو لي أنّ التبرع للنادي الرياضي في إطار رعاية أبنائنا واستقطابهم وحمايتهم من الانحراف، هو من أفضل موارد الإنفاق في سبيل الله تعالى، ولا يقلّ عن ثواب الإنفاق على المساجد والأعمال الخيرية الأخرى، لأنّ الشباب هم المنطقة الأكثر خطورة وأهميّة في هذا العصر، وما يبذل من أجل هدايتهم وإرشادهم، أنفع وأجدى.

من ناحية أخرى، فإنّ المأمول من علماء الدين ورجال الفكر في المجتمع، أن لا يبخلوا على الأندية الرياضيّة بدعمهم ورعايتهم، لتفعيل الجوانب الأخرى من الأنشطة الثقافيّة والاجتماعيّة، وينبغي تجاوز الهوّة والحاجز بينهم وبينها، فعالم الدّين من أولى مسؤولياته الهداية والإرشاد، وخصوصاً لمن هم أحوج إليها، وهم الشباب، وحضور عالم الدين في أوساط الشباب، وضمن تجمّعاتهم، يجعله أقرب إلى نفوسهم، وأكثر تأثيراً في توجهاتهم، فهناك شريحة من الشباب لا يلتقي بهم عالم الدّين في المسجد أو المجلس، لكنه يجدهم في النادي، ومنه يمكن استقطابهم إلى المسجد والأجواء الدينيّة.

*مقال لسماحته منشور في صحيفة اليوم، بتاريخ 8 / 7 / 2003م.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ الإمام الكاظم(ع): مواجهة الطّغاة حتّى الشّهادة منبر الجمعة: 10 صفر 1440هـ/ 19 تشرين أول 2018م عائلتي تنتقدني دوماً.. ماذا أفعل؟ العلامة فضل الله نعى المحسن الكبير الحاج كاظم عبد الحسين مبادرة لترميم المصاحف القديمة في الصومال مسؤوليَّة الكلمة واستثمارها في الخير نشاطات ثقافيّة لمؤسّسة بيّنات في باكستان فضل الله: لدراسة واعية للخطاب الإسلاميّ في الغرب منبر الجمعة: 3 صفر 1440 هـ/ 12 تشرين أول 2018م من هم الأرحام الواجب صلتهم؟
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر