اليوم: الخميس20 محرّم 1444هـ الموافق: 18 اغسطس 2022

الكعبة مثابة وأمن

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ} الكعبة الحرام {مَثَابَةً للنّاس} مرجعاً ومآباً يثوبون إليه ويقصدونه من كلّ مكان، فيكون موقعاً لحركتهم العبادية، ومناسبةً لاجتماعهم من خلال قدومهم إليه ورجوعهم منه؛ وقيل: مكاناً للثواب يثيب الله فيه عباده على حجّهم إليه وعبادتهم له، كما في مفردات الراغب الأصفهاني. وَأَمْن، يأمن فيه النّاس على أنفسهم من الظلم والاضطهاد والقتل، لأنَّ الله جعله ساحةً للسلام، فلم يرخّص لأحد في الاعتداء على أحد، ليعيش النّاس هذه التجربة الروحية التي يتمرّدون فيها على غرائزهم ونوازع الانتقام في ذواتهم، وينمّون عناصر الخير والعفو والتسامح في أخلاقهم، من موقع الجهاد النفسي الذي يفرض فيه الإنسان على نفسه الصبر على المشاعر الانتقامية.

وقيل: إنَّ هذا التشريع تحوّل إلى واقع حيّ في حياة النّاس الذين يعظِّمون البيت الحرام ويقدّسونه، حتى كان الرّجل يلقى قاتل أبيه فلا يتعرَّض له. وقد تحدّث الله عن ذلك في آية أخرى في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخطّفُ النّاس مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ}[العنكبوت: 67]. ولا يخفى ما في ذلك من النعم والبركات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

ثُمَّ أمر الله المسلمين أن يتّخذوا من مقام إبراهيم، الملاصق للبيت أو الواقع خلفه، مصلَّى، فقال: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، أي مكاناً يصلّون فيه، وقد فرض الله على الحجّاج والمعتمرين الإتيان بركعتي الطواف بعد الطواف بالبيت، خلف مقام إبراهيم، مهما أمكن.

{وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} اللّذين أوكل الله إليهما مهمة بناء البيت {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ} الذي أردته مكاناً للطواف والاعتكاف والركوع والسجود، ولغير ذلك من ألوان العبادة، فكان لا بُدَّ من أن يكون طاهراً من الأصنام التي تمثّل الشرك الذي ينافي التوحيد، ومن كلّ القذارات المادية والمعنوية والقولية التي تتنافى مع أجواء العبادة. والمقصود من هذا العهد الإلهيّ لهما، أن يؤسّساه على الطهارة الكاملة.

{لِلطَّآئِفِينَ} الذين يطوفون بالبيت، {وَالْعَاكِفِينَ} أو المعتكفين الذين يقومون بالمسجد ويلازمونه ويجاورون فيه للعبادة، {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} الذين يركعون ويسجدون لله في صلاتهم.

* * *

البلد الآمن

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} الذي أراد للبيت أن يكون مركزاً لبلدٍ يسكنه النّاس، ويجتمعون فيه للحصول على ضروراتهم العامة والخاصة؛ {رَبِّ اجْعَلْ هذ} المكان الذي يضمّ البيت الحرام {بَلَدًا آمِنً}، يعيش النّاس فيه الأمن والطمأنينة، {وَارْزُقْ أَهْلَهُ} المقيمين فيه {مِنَ الثَّمَرَاتِ} التي يحتاجون إليها في غذائهم، {مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ}، من هؤلاء الذين أخلصوا لله إيمانهم، وانفتحوا عليه، وعاشوا الاستعداد للّقاء به في اليوم الآخر الذي يخضعون فيه للحساب، لأنَّ الكافرين لا يستحقّون الخير الإلهيّ.

ولكنَّ الله الذي استجاب له دعاءه، أعلن له أنّ الرّزق الذي يمثّل متاع الحياة الدنيا لا يختصّ بالمؤمنين فقط، بل يشمل الكافرين، {قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيل} مما أرزقه من متاع الحياة الدنيا في حاجاته المادية والمعنوية، لأني أعطي النّاس جميعاً ما يحتاجونه في وجودهم الدنيوي، سواء المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، لأنَّ الدنيا ليست هي الأساس في قرب النّاس وبعدهم في قضايا العطاء والمنع، بل هي الدار الآخرة التي تمثّل المكان الفصل في اليوم الفاصل الذي تتحدَّد فيه المواقع ونتائج المصير بين المؤمن والكافر، فيلقى المؤمن جزاء إيمانه، أمّا الكافر، فإني أترك له الفرصة في الدنيا، {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} في الخلود في العذاب من خلال سخط الله وغضبه.

*من كتاب "تفسير من وحي القرآن"، ج 3.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر