اليوم: الأربعاء13 ربيع الأول 1440هـ الموافق: 21 نوفمبر 2018

قراءة في قصيدة "أحبُّه هذا الهدوء" للسيّد فضل الله

علي جابر الفتلاوي

أحبُّه هذا الهدوء الّذي يلفّني في خدرِ شاعرِ

يحملُني على جناح الرّؤى إلى لذاذاتِ الهوى السّاحرِ

يتيه بي في الغيب في زورق ِالضـ ضبابِ في بحر الدّجى السّاهرِ

أحبّه غيبوبةً حلوةً في عالمٍ مجنّحٍ طائرِ

تُبعدني عن الحكايا الّتي تخنقُ وحيَ النّور في خاطري

عن الخطايا في دمي تلتقي بالحسِّ في كيانه الثّائرِ

أحبّه صفاء روحيّةٍ أغفو على حنانها الغامرِ

كما يهيمُ الطّيفُ في خاطرِالـ أسحارِ حول النّسمِ الحائرِ

أحبّه يمنحُ روحي الهدى إذا اضمحلَّ النّورُ من ناظري

يضمُّني يغمرني بالنّدى ينسابُ في لمحِ السّنا الغائرِ

حتى يعودَ العمرُ إغفاءةً حالمةً في حضنه الطّاهرِ

***

القصيدة من ديوان (على شاطئ الوجدان) للسيّد محمد حسين فضل الله(رض). القصيدة من شعر سني حياة السيد التي قضاها في لبنان، منطقة جبل عامل، وهي سنين غربة بالنسبة إلى السيد، وهو ابن البيئة النجفية، إذ تركت هذه السنين أثرها على حياة السيد المليئة بالجدّ والمثابرة العلمية.

كان السيد مجتهداً ومفكّراً إسلامياً كبيراً، عايش قضايا العصر بوعي وعلمية وواقعية. كان سياسياً مجاهداً يعي قضايا الأمّة ويحمل همومها ويتفاعل معها، وكان قائداً اجتماعياً ميدانيّاً، إضافةً إلى مواهبه الأخرى في الأدب والشعر الوجداني الصادق. كان السيد (رحمة الله تعالى عليه)، يشعر بغربة قاتلة، إلى درجة أنه في بعض محطات حياته يئن من غربته. لكنّ "غربة السيد تختلف عن غربة الرومانسيين السلبية التي تجعل صاحبها ينكفئ على ذاته، منفصلاً تماماً عن الآخرين، كغربة جبران خليل جبران التي عبر عنها بقوله:

"أنا غريب في هذا العالم... وسأبقى غريباً حتى تخطفني المنايا".

بينما يغترب السيّد ويحبّ الهدوء، أملاً بتحقق وعد الخالق بدُنيا السّرور والأمل والإغفاءة الحالمة بحضن الإيمان الطّاهر". [محمد حسين فضل الله شاعراً، إسماعيل خليل أبوصالح].

إني أقرأ القصيدة قراءة ربما تختلف عن قراءة الآخرين، وقد يعدّها البعض غريبة، لكن هذا ما أستوحيه من القصيدة، ومن معطيات حياة السيّد الروحية الإيمانية:

أرى القصيدة وجدانية رمزية، فيها مسحة صوفيّة، يعبّر فيها السيد عن أشجانه، عن ضجره، عن توجّعه من دنيا ضاقت بأهل الإيمان على وسعها ظاهراً، حتى كادت أن تعصرهم عصراً، فتمنوا الانتقال إلى حياتهم الأرحب؛ حياة الآخرة التي يتمناها كل المؤمنين الصادقين العارفين الواعين العاملين.

"أحبه هذا الهدوء" عنوان القصيدة، أحبَّ السيد هذا الهدوء حبّاً فوق العادة، وقد أكّد هذا الحبّ بضمير الغائب في "أحبّه"، ولم يقل "أحبّ هذا الهدوء"، وقد كرّر حبّه للـ (الهدوء) الذي جعله أملاً يسعى إليه، ويجلب له المسرات.

أرى أن (الهدوء) الذي يعنيه السيّد، هو رمز لرحلة الإنسان إلى (العالم الآخر)، إذ كان السيد يتمنى هذا الرحيل. المعطيات التي دعتني لاستيحاء هذا المعنى، منها أن الإيمان القويّ بالله تعالى، يجعله واثقاً من ذاته أنه سينال سعادة هي أكبر بكثير من بعض سعادات الدنيا، إن لم تكن شقاءات بالنّسبة إليه، وهذا الشّوق إلى حياة الآخرة، أمنية جميع المؤمنين الصادقين العارفين المتشوّقين للقاء الله تعالى.

هذه القراءة ربما تكون غريبة للبعض، لكن من خلال فهمي لشخصية السيّد المؤمن الصادق العارف، البائع لدنياه بآخرته، يقوّي عندي الشعور بهذه القراءة. (الهدوء) الذي يعنيه السيد، هو هدوء العالم الآخر، لا الهدوء الرومانسي الدنيوي الذي يقول به بعض القارئين.. رومانسية السيد أخروية، وليست رومانسية دنيوية تجعل الحالم بها يعيش في جنة يخلقها الحالم من خيالاته، ولا يخرج من دائرة الذاتية والدنيوية.

المعطى الآخر الذي يجعلني أقول إن المقصود بكلمة (الهدوء) هو هدوء العالم الآخر، ورغبة السيد في الرحيل إلى هذا العالم، هو المعاناة في الدنيا، وعدم تحقق الأماني. ولا أعني الأماني الشخصية الذاتية، بل فقدان العدل وشيوع الظلم. إن مظاهر الظلم التي يتحسّسها السيّد بحق أبناء الأمّة، وازدواجيّة المعايير، وإلباس الباطل ثوب الحقّ، هذه الدوافع وأخرى غيرها، إضافةً إلى ما يدور في نفس السيّد المؤمنة الشفّافة التي لا يحسّ بها إلا هو فقط، كل هذه مجتمعة، تدفع باتجاه تعزيز قراءتي بأن السيد متشوق للانتقال إلى (الهدوء) الأخرويّ، ومستعجل للانتقال والرحيل، كي يستمتع بالهدوء والسكون الكبير في عالم الغيب.

(الهدوء) الذي أحبه السيّد واشتاق للقياه، يعدد منافعه بالنسبة إليه. وأرى أنه يتكلم بلسان جميع المؤمنين، ولكونه يعيش لحظات الإيمان الحقيقيّة، فإنه يشعر بأحاسيس أمثاله من المؤمنين.

يعدّد السيد منافع (الهدوء) الذي يشتاق إليه من خلال تكرار كلمة (أحبّه) أربع مرات.. أحبّ (الهدوء) الكوني الذي يحلم به المؤمنون، وأحبّ (الهدوء) إذ يلفّه في (خدر شاعر). والشّاعر عندما يكون في الخدر، يبدأ يعيش أحلامه الرومانسيّة، وخياله الواسع، لأن الخيال الواسع من حصة الشعراء المبدعين، وإن كانت بعض خيالاتهم أشبه بأحلام اليقظة، وأحبّ (الهدوء) كأنه طائر وهو يحلّق على جناحيه بعيداً لينقله إلى:

(لذاذات الهوى السّاحر)، أو لينقله إلى (بحر الدّجى السّاهر)، وهو راكب في زورقه الضّبابي..

هذا الشعور الوجداني، والاستعارات الجميلة، والسعادة الغامرة، لا يمكن تخيّلها إلا في عالم الغيب؛ إنه يشتاق لهدوء وسكون عالم الغيب، وعندما أتكلم عن السيّد، إنما أعني ما يدور في خواطر السيّد عن مشاعر جميع المؤمنين، لأن المؤمنين فقط هم من يشتاقون إلى هذا العالم السعيد، قال تعالى: {فتمنّوا الموت إن كنتم صادقين}[البقرة، 94].

القصيدة طافحة بالوجدان والحبّ الصوفيّ، الذي يعيش في أفيائه أهل المعرفة. العارفون فقط هم مَن يعيشون في خيال العالم الآخر وسعادته. السيد هنا ينتقل من عالمه الأدنى إلى العالم العلويّ، هو في دنياه، ويتخيل نفسه في العالم العلويّ.. لوجده واشتياقه يريد أن يعيش (الهدوء) الكبير الذي يحلم به.. الغيبوبة في رأيي هي غيبوبة الموت الّتي يعيش لحظاتها جميع الموتى؛ هذه الغيبوبة بالنّسبة إلى السيد، وكذلك إلى جميع المؤمنين الصادقين، حلوة سعيدة، لأنها بداية الانطلاق إلى العالم الآخر الذي يشتاق إليه المؤمنون. يتخيل المؤمن نفسه في تلك اللحظات، وكأنه ينتقل على جناح طائر ليوصله بسرعة فائقة إلى مكانه أو منزلته في العالم العلوي. في هذه اللّحظات، يبتعد المؤمن عن صخب الحياة الدّنيا، يبتعد عن الحكايا الدنيويّة التي تخنق (وحي النّور)، وحي الإيمان في خاطره، وتبعده عن عالم الحسّ الذي هو مصدر الخطايا؛ كلّ خطايانا من عالم الحسّ، الجسد الذي تتركّز فيه جميع حواسّ الإنسان وشهواته.. الإنسان أصله من التراب، وعند الموت، ترجع جميع هذه الحواسّ الماديّة، أي الجسد، إلى التراب، إذ ينزع البشر أجسادهم، كما يُنزع القشر عن اللّبّ..

السيّد يعيش أماني الانتقال إلى العالم الآخر الروحيّ الذي يحلم جميع المؤمنين بالانتقال إليه، عالم الصفاء والهدوء والراحة والسعادة الدائمة بالنسبة إلى المؤمنين الصادقين، السيد يتكلّم بلسان هؤلاء المؤمنين، إذ يحلمون برومانسية صوفية روحانية عرفانية صادقة وصافية، لا تشبه رومانسية أهل الدنيا، التي تنحصر في ذكريات الماضي الحلوة، أو في عالم الخيال البعيد عن الواقع.. السيد يعيش غربة في هذه الدنيا، ويتمنى في هذه القصيدة الصوفية الرحيل إلى العالم الآخر، حيث الاطمئنان الروحي بجوار ربّ الخلق أجمعين، فهو عندما يقول:

حتى يعودَ العمرُ إغفاءة ً حالمةً في حضنهِ الطّاهرِ

في هذا البيت، إشارات إلى أنّ السيد يعني ويقصد رحلته التي تحقق له الأماني، وهي رحلة نهاية العمر، هي رحلة الهدوء الذي أحبّه السيد بصدق، وكرّر ذلك أربع مرات.

والبيت الأخير فيه إيحاء بأنّ قراءتنا للقصيدة قراءة صحيحة، وفعلاً عمر الإنسان أشبه بالحلم، حتى يجد الإنسان نفسه فجأةً في العالم الآخر، بعد أن يستفيق من حلمه، فهو أشبه بحلمِ نائمٍ استيقظ من نومه، فوجد نفسه في عالم غير عالمه الدنيويّ.

القصيدة تعبير عن لسان الصوفيّي ، وأهل العرفان، والمؤمنين الصادقين. هنا نرى براعة السيّد في رسم هذه الصور الجميلة لمشاعر هؤلاء جميعاً.. القصيدة تجلب الاستمتاع، وتنبّه للتفكّر بعواقب الأمور، كي يراجع الإنسان نفسه.

رحم الله المرجع الفقيه المجدّد المفكر والقائد الاجتماعي الشجاع، السيد محمد حسين فضل الله(رض). عوّضه الله تعالى في جنات النعيم، وجعلنا الله تعالى من السّائرين على نهجه وخطاه.

المقال منشور بتاريخ: 20/04/2012

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ فتاوى صوتيّة وبالرسوم المتحركة فضل الله: مسؤوليّتنا جميعًا أن نتعاون لمصلحة الوطن الإمام العسكريّ (ع): بعضٌ من سيرته ووصاياه أريد الزواج بشابّ أصغر مني! منبر الجمعة: 8 ربيع أول 1440هـ/ 16 تشرين ثاني 2018م المبرّات تدرّب على استخدام دليل التميز المؤسّسي جدلٌ حول تلاوة القرآن وإعادة رفع الأذان باللّغة التركيّة فضل الله: العربدة الصهيونيَّة من دون ردٍّ ولَّت إلى غير رجعة اجتماع "الرؤية الاستراتيجيّة لروسيا والعالم الإسلامي" في داغستان منبر الجمعة: 1 ربيع أول 1440هـ/ 9 تشرين ثاني 2018م
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر