اليوم: الاثنين15 صفر 1441هـ الموافق: 14 اكتوبر 2019

خدعة رفع المصاحف

السيد محسن الأمين

خطب علي (عليه السلام) الناس، فقال: "أيها الناس، قد بلغ بكم الأمر وبعدوّكم ما قد رأيتم، ولم يبق منهم إلا آخر نفس، وإن الأمور إذا أقبلت، اعتبر آخرها بأولها، وقد صبر لكم القوم على غير دين، حتى بلغنا منهم، وأنا غاد عليهم بالغداة أحاكمهم إلى الله عزّ وجلّ" .

فبلغ ذلك معاوية، فدعا عمرو بن العاص، فقال: "يا عمرو، انما هي الليلة حتى يغدو عليّ علينا بالفيصل، فما ترى؟"، قال: أرى أن رجالك لا يقومون لرجاله، ولست مثله، هو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره، أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، وأهل الشام لا يخافون عليّاً إن ظفر بهم، ولكن ألق إليهم أمراً، إن قبلوه اختلفوا، وإن ردّوه اختلفوا؛ ادعهم إلى كتاب الله حكماً فيما بينك وبينهم، فإنك بالغ به حاجتك في القوم، فاني لم أزل أؤخر هذا الأمر لحاجتك إليه، فقال معاوية: صدقت. وأصبح أهل الشام وقد رفعوا المصاحف على رؤوس الرماح وقلّدوها الخيل، والناس على راياتهم.

قال تميم بن حذيم: لما أصبحنا من ليلة الهرير، نظرنا، فإذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام وسط الفيلق، فلما ان أسفرنا، فإذا هي المصاحف قد ربطت على أطراف الرماح، وكان جميعها خمسمائة مصحف، فاستقبلوا علياً بمائة مصحف، ووضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف، وشدوا ثلاثة رماح جميعاً، وربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط، ونادوا: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم. يا معشر العرب، الله الله في نسائكم وبناتكم، فمن للروم والأتراك وأهل فارس غداً إذا فنيتم؟ الله الله في دينكم! وأقبل أبو الأعور السلمي على برذون أبيض، وقد وضع المصحف على رأسه ينادي: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم. فقال أمير المؤمنين: اللهم انك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا وبينهم، انك أنت الحكيم الحقّ المبين. فاختلف أصحاب علي (عليه السلام) في الرأي، فطائفة قالت القتال، وطائفة قالت المحاكمة إلى الكتاب لا يحلّ لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب. وتمت الحيلة على أهل العراق.

وأقبل عدي بن حاتم، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان أهل الباطل لا يقومون بأهل الحق، فإنه لم يصب عصبة منا إلا وقد أصيب مثلها منهم، وكلّ مقروح، ولكنا أمثل بقية منهم، وقد جزع القوم، وليس بعد الجزع إلا ما تحبّ. فناجز القوم، فقام الأشتر النخعي، فقال: إن معاوية لا خلف له من رجاله، ولك بحمد الله الخلف، ولو كان له مثل رجالك، لم يكن له مثل صبرك ولا بصرك، فاقرع الحديد بالحديد، واستعن بالله الحميد. وقام عمرو بن الحمق فقال: يا أمير المؤمنين، انا والله ما اخترناك ولا نصرناك عصبية على الباطل، ولا أحببنا إلا الله عزّ وجلّ، ولا طلبنا إلا الحقّ، ولو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا إليه، لكان فيه اللجاج وطالت فيه النجوى، وقد بلغ الحقّ مقطعه، وليس لنا مع رأيك رأي.

وقام الأشعث بن قيس مغضباً، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس، وقد صدق، وليس آخر أمرنا كأوله، وما من القوم أحد أحنى على أهل العراق ولا أوتر لأهل الشام مني، فأجب القوم إلى كتاب الله، فإنك أحقّ به منهم، وقد أحب الناس البقاء وكرهوا القتال. وماح الناسي، وقالوا أكلتنا الحرب، وقتلت الرجال، وقال قوم نقاتل القوم على ما قاتلناهم عليه أمس، ولم يقل هذا إلا قليل من الناس، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنه لم يزل أمري معكم على ما أحبّ، إلى أن أخذت منكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت وأخذت من عدوكم فلم تترك، وانها فيهم أنكى وانهك، إلا اني كنت بالأمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم مأموراً، وكنت ناهياً فأصبحت منهياً، وقد أحببتم البقاء، وليس لي ان أحملكم على ما تكرهون، ثم قعد.

وتكلم رؤساء القبائل، فاما من ربيعة، وهي الجبهة العظمى، فقام كردوس بن هانئ البكري، فقال: أيها الناس، انا والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه، ولا تبرأنا من علي مذ توليناه، وإن قتلانا لشهداء، وإن أحياءنا لأبرار، وإن علياً لعلى بينة من ربه، وما أحدث الا الإنصاف، وكلّ محقّ منصف، فمن سلم له نجا، ومن خالفه هلك. وقام شقيق بن ثور البكري فقال: أيها الناس، إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب الله، فردوه علينا، فقاتلناهم عليه، وانهم دعونا إلى كتاب الله، فان رددناه عليهم حلّ لهم منا ما حلّ لنا منهم، ولسنا نخاف ان يحيف الله علينا ولا رسوله، وان علياً ليس بالراجع الناكص، ولا الشاك الواقف، وهو اليوم على ما كان عليه أمس، وقد أكلتنا هذه الحرب، ولا نرى البقاء إلا في الموادعة.

وقام حريث بن جابر البكري، فقال: أيها الناس، ان علياً لو كان خلفاً من هذا الأمر، لكان المفزع إليه، فكيف وهو قائده وسائقه، انه والله ما قبل من القوم اليوم إلا ما دعاهم إليه أمس، ولو رده عليهم، كنتم له أعنت. وقام خالد بن المعمر فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك إليه القوم إن رأيت ذلك، فإن لم تره فرأيك أفضل. ثم قام الحضين بن المنذر الرقاشي، وهو من أصغر القوم سناً، فقال: أيها الناس، ان لنا داعياً قد حمدنا ورده وصدره، وهو المصدق على ما قال المأمون على ما فعل، فان قال لا قلنا لا، وإن قال نعم قلنا نعم. وقال رفاعة بن شداد البجلي: أيها الناس، انه لا يفوتنا شيء من حقنا، وقد دعونا في آخر امرنا إلى ما دعوناهم إليه في أوله، فان يتم الامر على ما نريد، وإلا اثرناها جذعة .

وروى نصر ان أمير المؤمنين (عليه السلام) لما رفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى حكم القرآن، قال: عباد الله، انا أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، اني اعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالاً، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شر أطفال وشر رجال، انها كلمة حق يراد بها باطل، انهم والله ما رفعوها حقاً، انهم يعرفونها ولا يعملون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ومكيدة، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق مقطعه، ولم يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا. فجاءه زهاء عشرين ألفاً مقنعين في الحديد وشاكي السلاح، سيوفهم على عواتقهم، وقد سودت جباههم من السجود، يتقدّمهم مسعر بن فدكي وزيد بن حصين وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين: يا علي، أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه، وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم. فقال لهم: ويحكم، انا أول من دعا إلى كتاب الله، وأول من أجاب إليه، وليس يحلّ لي ولا يسعني في ديني ان أدعى إلى كتاب الله فلا اقبله، اني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن، فإنهم قد عصوا الله فيما امرهم، ونقضوا عهده، ونبذوا كتابه، ولكني قد أعلمتكم انهم قد كادوكم، وانهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون. قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتيك. وكان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله، فأرسل إليه علي يزيد بن هانئ، فاتاه، فبلغه، فقال الأشتر: قل له ليس هذه الساعة ينبغي لك ان تزيلني فيها عن موقفي، اني قد رجوت ان يفتح الله لي، فلا تعجلني. فرجع يزيد بن هانئ إلى علي، فأخبره، وارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر، وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق، ودلائل الخذلان والإدبار على أهل الشام، فقال له القوم: والله ما نراك إلا أمرته بقتال القوم. قال: رأيتموني ساررت رسولي، أليس انما كلمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون؟ قالوا: فابعث إليه فليأتك، والا فوالله اعتزلناك. قال: ويحك يا يزيد، قل له اقبل إلي، فان الفتنة قد وقعت. فاتاه فأخره، فقال له الأشتر: ألرفع هذه المصاحف؟ قال نعم. قال: اما والله لقد ظننت انها حين رفعت ستوقع اختلافاً وفرقة، انها من مشورة ابن النابغة، يعني عمرو بن العاص. وقال ليزيد: ألا ترى إلى الفتح؟ ألا ترى إلى ما يلقون؟ ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا، أينبغي ان ندع هذا وننصرف عنه؟ فقال له يزيد: أتحب انك ظفرت هاهنا، وان أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يفرج عنه ويسلم إلى عدوه؟ قال: سبحان الله، والله ما أحب ذلك. قال: فإنهم قالوا: لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلك كما قتلنا عثمان أو لنسلمنك إلى عدوك. فاقبل الأشتر، فصاح: يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم فظنوا انكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، وقد والله تركوا ما أمر الله فيها وسنة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم أمهلوني فواقاً، فاني قد أحسست بالفتح. قالوا: لا. قال فامهلوني عدو الفرس، فاني قد طمعت في النصرة. قالوا: إذا ندخل معك في خطيئتك. قال فحدثوني عنكم وقد قتل أماثلكم وبقي أراذلكم، متى كنتم محقين حيث كنتم تقتلون أهل الشام، فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون، أم الآن محقون، فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيراً منكم في النار! قالوا دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله، إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا. قال خدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوق إلى لقاء الله، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت إلا قبحاً، يا أشباه النيب الجلالة! ما أنتم برائين بعدها عزاً أبداً، فأبعدوا كما بعدوا القوم الظالمون. فسبوه وسبهم، وضربوا بسياطهم وجه دابته، وضرب بسوطه وجوه دوابهم، فصاح بهم عليّ (عليه السلام) فكفوا .

ومن ذلك يعلم أن أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) كانوا أربعة أصناف:

الأول: أهل البصيرة المخلصون له في الظاهر والباطن، العارفون بحقه، العالمون بأنها خدعة، وهم القليل، أمثال الأشتر وحجر بن عدي وعمرو بن الحمق وكردوس بن هانئ والحضين بن المنذر .

الثاني: المخلصون له بقلوبهم، لكنهم خدعوا أو أحبوا البقاء، أمثال شقيق بن ثور وحريث بن جابر ورفاعة بن شداد .

الثالث: الذين ليس لعلي (عليه السلام) في قلوبهم مكانته التي يجب أن تكون له، مضافاً إلى أنهم قد خدعوا، وهم القراء أهل الجباه السود، وهؤلاء كانوا ومازالوا في كل عصر أضر من الفساق المتجاهرين بالفسق.

الرابع: المنافقون الذين يظهرون النصيحة ويبطنون الغشّ، أمثال الأشعث وخالد بن المعمر. فكيف يتمّ مع هؤلاء أمر؟!

وكتب معاوية إلى عليّ (عليه السلام): ان هذا الأمر قد طال بيننا وبينك، وكل واحد منا يرى أنه على الحقّ، وقد قتل فيما بيننا كثير، وأنا أتخوف أن يكون ما بقي أشد مما مضى، وإنا نسأل عن ذلك الموطن، ولا يحاسب به غيري وغيرك، فهل لك في أمر لنا ولك فيه حياة وعذر وصلاح للأمّة وحقن للدماء وألفة للدين وذهاب للضغائن والفتن، ان يحكم بيننا وبينكم حكمان رضيان أحدهما من أصحابي والآخر من أصحابك، فيحكمان بما في كتاب الله بيننا؟ فاتق الله فيما دعيت له، وارض بحكم القرآن إن كنت من أهله، والسلام. فكتب إليه علي (عليه السلام) كتاباً قال في آخره: ثم انك قد دعوتني إلى حكم القرآن، ولقد علمت أنك لست من أهل القرآن ولست حكمه تريد، والله المستعان، وقد أجبنا القرآن إلى حكمه، ولسنا إياك أجبنا، ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضلّ ضلالاً بعيداً.

*من كتاب "أعيان الشيعة"، ج2.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي براءة الشيعة من الشّرك! فضل الله: نرفض شيطنة الوجود الفلسطينيّ في لبنان منبر الجمعة: 4 تشرين أوّل 2019 أسهر حتى طلوع الشّمس ولا أصلّي؟! لماذا صالح الإمام الحسن (ع) معاوية؟!
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر