اليوم: السبت9 ربيع الأول 1440هـ الموافق: 17 نوفمبر 2018

الاستقامة في خطّ التّوحيد

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

إنّ قيمة النبي (ص) والأئمة (ع)، أنّهم أحبوا الله ورسوله كما لم يحبّه أحد، وأحبّهم الله كما لم يحب أحداً، فالحبّ يكون لله وحده، أمّا الحبّ لغير الله، فهو يمتدّ من خلال الحبّ لله سبحانه وتعالى.

ولذلك، فكما أنَّ علينا أن لا نشرك بالله غيره في العبادة، علينا أن لا نشرك بالله غيره في الحبّ، وأن نوحِّده في الحبّ كما نوحِّده في الطاعة.

{إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُو}، أي ساروا على خطِّ توحيد الله سبحانه وتعالى في ربوبيّته. ومعنى ذلك، أننا في كلّ ما نعيشه، وما نريد الإيمان به، عندما نريد أن نلتزم أيّ فكرٍ، أو نلتزم أيّ منهج، أو نلتزم أي خطّ نعقد عليه قلوبنا، علينا أنّ نفكّر هل هذه الانتماءات إلى هذا الجانب أو ذاك الجانب، تتفق أو تنسجم مع إيماننا بالله الواحد؟ وهل يرضى الله بهذا الفكر أو بذلك الخطّ أو بهذا المنهج أو بهذا الحبّ أو بهذا البغض؟

وهكذا عندما نريد أن نقوم بعمل، فلا بدّ لنا من أن نلتفت، هل يرضى الله بهذا العمل أم لا؟ وعندما نريد أن نفشي أيّ علاقة من العلاقات مع الناس، سواء كانت سلبية أو إيجابية، علينا أن ننتظر في أنّه هل يرضى الله لنا بهذه العلاقة أو لا يرضى؟ وهكذا بالنّسبة إلى المواقف عندما نريد أن نؤيّد شخصاً في أيّ جانب من جوانب الحياة، أو نرفض شخصاً في أيّ جانب من جوانب الحياة.

وأن نقول: "ربنا الله"، أي أنّ علينا أن ندرس؛ هل يرضى الله مني بأن أؤيِّد هذا أو أرفض هذا؟! أن تكون كلّ حياتنا لله، وأن يكون كلّ قولنا وعملنا لله، وهذا ما عبَّرت عنه الآية: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163]، أن يكون كلّ شيء فيك لله سبحانه وتعالى، وهذا يحتاج إلى الكثير من الجهد الفكري والعقلي والروحي والعملي، ويحتاج إلى كثير من العلم ومن الفكر في كلّ هذا المجال، وقد جعل الله للّذين استقاموا على خطّ التوحيد؛ توحيد الله في الربوبية وفي العبادة وفي الطاعة وفي الحبّ، جعل لهم الجنّة، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وهكذا نجد في آية أخرى تقول: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}[فصّلت: 30]، عندما ينطلقون في رحلتهم إلى الله سبحانه وتعالى ليفارقوا هذه الدنيا، فإنّ الملائكة تتلقّاهم بالبشارة وبالأمن والطمأنينة {ألاّ تخافو}، لأنّهم في ذلك المكان يعيشون الغربة والوحشة، بعد أن تركوا الأهل والأولاد والأصدقاء وكلّ الناس، كلٌّ يُتْرَك في قبره لا يعرف ماذا يُصنع به.

وهنا تأتي الملائكة، كما يقول القرآن الكريم، فإذا كان هذا الإنسان مؤمناً بالله، ومستقيماً على خطّ الله وعلى صراطه المستقيم {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُو}[فصِّلت: 30] من المستقبل {وَلَا تَحْزَنُو} على مفارقتكم للدّنيا، أو من خلال القلق الذي تعيشونه في ما تقبلون عليه {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}، أيضاً أوّل شيء يُقدَّم للإنسان وهو في قبره وحشره البشارة بالجنّة، ثم يقول: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}[فصّلت: 31]، أي أنّ الملائكة يقدّمون للمؤمنين المستقيمين في خطّ توحيد الله الصّداقة، ويقدّمون لهم المحبّة، فإذا كنتم قد فارقتم أصدقاءكم وفارقتم أحبّاءكم، فنحن أولياؤكم، ففي الحياة الدنيا كنّا معكم، وإن كنتم لا تشعرون بنا وبصداقتنا وبمحبّتنا، حيث كنّا نرعاكم ونحفظكم ونحميكم، وكذلك نحن أولياؤكم في الآخرة {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ}، تمنّوا على الله ما تشاؤون، ليس هناك شيء محرّم عليكم، ليس هناك شيء ممنوع في هذه الحياة التي تُقْبِلون عليها، {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}[فصِّلت: 31] أي ما تطلبون {نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}[فصِّلت:32]، هذا كلّه يتنـزّل من الله الذي يغفر لكم ذنوبكم والذي يرحمكم في دنياكم وآخرتكم.

هذا هو خطّ الاستقامة في خطّ التوحيد، وعلينا أن نعمل لنكون على الصراط المستقيم الذي يحبّه الله سبحانه وتعالى، فلا ننحرف يميناً ولا شمالاً، كما قال الله: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

إذاً، لا بدّ لنا من أن لا نلتفت يميناً ولا شمالاً، وأن لا نسير في هذا النفق أو ذاك النفق، بل علينا أن نسير على الخطّ المستقيم الذي يعرف فيه الإنسان النهاية من حيث يبدأ البداية، وهذا ما ينبغي لنا أن نفكّر فيه، أنّه لا يغني عنّا من الله أحد شيئاً، بل أن ننطلق من الله وإليه.

المصدر "كتيّب عقائد".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن قيام المرأة بنشاطات رياضيّة.. هل من إشكال؟ الإمام العسكريّ (ع): بعضٌ من سيرته ووصاياه أريد الزواج بشابّ أصغر مني! المبرّات تدرّب على استخدام دليل التميز المؤسّسي جدلٌ حول تلاوة القرآن وإعادة رفع الأذان باللّغة التركيّة فضل الله: العربدة الصهيونيَّة من دون ردٍّ ولَّت إلى غير رجعة اجتماع "الرؤية الاستراتيجيّة لروسيا والعالم الإسلامي" في داغستان منبر الجمعة: 1 ربيع أول 1440هـ/ 9 تشرين ثاني 2018م مسؤوليَّة مواجهة الانحراف. فضل الله: نحذِّر من سياسة تخويف الطوائف بعضها من بعض العلّامة فضل الله خلال تأبين الراحل الحاج كاظم عبد الحسين محمد
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر