اليوم: الثلاثاء11 ربيع الثاني 1440هـ الموافق: 18 ديسمبر 2018

هل تختلف رؤية الإسلام للمرأة عن رؤيته للرّجل؟

تشكل الرؤية الإسلامية الفلسفية والاجتماعية للإنسان، الإطار المرجعي الفكري للتصدّي لقضايا المرأة عموماً.

ونعني بالرؤية الإسلاميّة الفلسفيّة للإنسان، تلك الرؤية التي لا ترسم حدوداً أو تمايزاً بين الرجل والمرأة على مستوى الحقيقة الإنسانيّة، فالرجل والمرأة في نظر الإسلام، يجسّدان ماهية إنسانية واحدة.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا...} [النساء: 1].

والتمايز الوحيد الذي يقرُّ به الإسلام، هو التمايز الخَلقي الذي له علاقة بالجسد. وهو تمايز، كأيّ أمر واقعي، له آثاره في الحياة، وبالتالي، له مترتباته ومقتضياته التشريعية الخاصّة. ومن الطبيعي أن يحدّد هذا التمايز تمايزاً آخر له صلة بالوظيفة الاجتماعية والإنسانية لكلّ من الرجل والمرأة، لكن بالاستناد إلى منبع واحد، أو حقيقةٍ إنسانية واحدة؛ هي الروح التي يصدران عنها في جميع أمور حياتهما الخاصة والمشتركة. وهذا التمايز، حصراً، كما قلنا، تمايز وظيفي لا تمايز ماهوي.

وهذا التباين الوظيفي، ليس من شأنه أن يشكّل أية مدخلية لأية علاقة فوقية بين الرجل والمرأة، فكلاهما يقفان على صعيد إنساني واحد، وفي موضع وجودي واحد، الأمر الذي يعني أنّ التباين الوظيفي ليس إلا تبايناً في الأدوار، لا في المواقع والمراتب الوجودية، وعلى قاعدة التكامل.

فالمعطى التكويني الإلهي لكلّ من الرجل والمرأة، يؤسّس لتقسيم وظائفي، وبالتالي، لدوائر العمل الخاصّة والمشتركة في ما بينهما.

وما يؤكّد هذا الاستنتاج، معيار التمايز العام والوحيد الذي اعتمده القرآن الكريم بين البشر، عنينا به معيار التقوى، قال تعالى: {إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم} [الحجرات:13]. والتقوى هي المحصّلة الروحيّة والأخلاقيّة والعقليّة والعمليّة للانخراط الإنساني في صراط العبودية لله تعالى، الذي تحدّده أحكام الله وأوامره ونواهيه وقيمه ومبادئه السامية. وصراط العبودية هذا، يشترك فيه الرجل والمرأة معاً، وإن تمايزا في بعض الأحكام الخاصّة المنسجمة مع أدوارهما ومواقعهما في المنتظم الاجتماعي العام، أو في إطار المنتظم العائلي الخاصّ، لكن يبقى المنطلق واحداً والوجهة واحدة، أي الله سبحانه وتعالى.

وهنا تحديداً، تكمن النظرة الواقعيّة للإسلام. فهو، وكما يعرّف نفسه، دين الفطرة، أي الدّين الذي يحاكي الطبيعة الإنسانية، ويراعي السنن الكونية، كما هي، من غير أيِّ مسعى للتمرّد أو التلاعب بها. قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]. ولا ريب، أنّ سنن الله غالبة، مهما بدا للوهلة الأولى، أنّ الإنسان يمكن له أن يتمرّد عليها، لأنّ الله ـ تعالى ـ {غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف:21].

ولما كان الإنسان في حقيقة التصوّر القرآني، قبضة من تراب الأرض، ونفخة من روح الله، وجوهر تلك النفخة العقل والرّوح، التي منحت الإنسان خصوصيّته الإنسانيّة، فإنّ الإنسان يتكوّن من طاقة مادية تمثّل جسده، وحركة جسده الخاصّة والغريزيّة، وطاقة روحيّة تمثّل عقله وإحساسه وشعوره وما إلى ذلك، والمرأة والرجل سيّان في ذلك.

من هنا، لا بدّ من مراعاة البعدين في حياة الإنسان كما هما، وبالتالي، مراعاة حاجاتهما ومسلتزماتهما وإمكانياتهما وقابلياتهما على قاعدة المنهج الإسلامي العام، أي التوازن والعدل. فلا يمكن إغفال أيّ بعد من أبعاد الإنسان، لأنّ الإنسان، بما هو إنسان، هو تجسيد لهذا الحضور المتعدّد الأبعاد، على الأقلّ، في هذا الحضور الدنيوي، وبالتالي، فإن أيّ اختزال، أو صرف، أو مغالاة في التعاطي مع بعد من أبعاد كينونيته الإنسانية، هو بمثابة تشويه لهذه الكينونية، وتضليل لها عن مسارها الوجودي السليم.

وهذه النظرة العامة، هي التي تؤسس بدورها لمرتكزات العلاقات الاجتماعية العامّة، سواء في ما بين الرجل والمرأة داخل الأسرة أو خارجها، أو بين الرجل والرجل، مع إضافة أساسية قوامها تحكيم التوازن والتعادل في المصالح، على أرضية توفير المصلحة العامة النوعية للمجتمع ككلّ، ولا سيّما أن المجتمع يشكل إطاراً للتفاعل الإنساني العام، وبالتالي إطاراً للتزاحم، الأمر الذي يفرض التدقيق في توزيع المهام وتدبير الأمور، بما يحفظ مصالح الجميع إذا أمكن، وفي حال التعذّر، حفظ المصلحة العامّة النوعية للمجتمع.

بكلام آخر نقول، إنه لا يوجد بالمعنى الإنساني العميق رجل وامرأة في نظر الإسلام؛ لأنهما يجسّدان حقيقة واحدة هي النفس الإنسانيّة، قال تعالى: { الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَ} [النسـاء:ّ1]. وكلمـة الـزوج ـ لغةً ـ تُطلق على المذكّر والمؤنّث معاً. فالنفس التي تسري في الرجل هي عينها التي تسري في المرأة، لكن في تنوّع الزوجية، الذي يجسّد تنوّعاً في الآفاق وفي حركة الوجود. ففي نظر القرآن، ليس هناك اثنينية، لا في جوهر معنى النفس، ولا في مظهر حركتها...

نحن لا نجد في القرآن خطاً فكرياً يفضّل، في المسؤولية وفي نتائجها، رجلاً على امرأة؛ وإذا كنا نقرأ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات: 13]، نفهم أن مقياس الأعمال المركزية في الإسلام، هو تقوى الله ومدى القرب أو البعد عنه. وبالتالي، فإنّ المرأة قد تفوق الرجل إذا ما أخلصت لله تعالى في عملها، لأنّ مقياس التفاضل والارتقاء الذي يضعه القرآن الكريم، مقياس عام للنوع الإنساني، يشمل المرأة والرجل على حدّ سواء، وبالتالي، فإنّ اختلاف الرجل عن المرأة ليس اختلافاً في القيمة الإنسانيّة، بل في العمل.

• من كتاب "دنيا المرأة".

مواضيع أخرى للكاتب

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن فضل الله: لتأصيل مفاهيمنا الدينيَّة قبل الشّروع في الإصلاح القاعدة الإسلامية في الحكم على الآخرين منبر الجمعة: 7 ربيع الثاني 1440هـ/ 14 كانون الأول 2018م هل ينفق الزّوج على زوجته العاملة؟! فضل الله: العمل بالقوانين في المغتربات جزء من الالتزام الإسلاميّ أفقد الثِّقة بالإسلاميِّين! بين المولد والميلاد محطّات مشعّة وقيم حضاريّة مستلهمة ولدي يريد الزّواج بأجنبيّة! 29 ربيع أول 1440هـ/ 7 كانون أول 2018م الغضب مصدر الشّرور السبت أوّل أيّام شهر ربيع الثّاني 1440
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر