اليوم: الأربعاء14 ذو القعدة 1440هـ الموافق: 17 يوليو 2019

رسول الله(ص) علمنا التخطيط للآخرة

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

رسول الله(ص) علَّمنا التَّخطيط للآخرة

بالعودة إلى أرشيف خطب الجمعة لسماحة العلّامة المرجع السيِّد محمَّد حسين فضل الله(رض)، نستحضر ما جاء في خطبته الّتي ألقاها بتاريخ 08 جمادى الأولى 1420هـ/ ٢٤/٩/١٩٩٩، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، والتي تحدّث فيها عن توجيهات القرآن الكريم لنا، من خلال خطابه للرَّسول الأكرم(ص)، كي نكون على أتمِّ الاستعداد لما يواجهنا من مواقف في الدّنيا والآخرة، خاتماً بالدعوة إلى التعلّم والاعتبار والتّركيز على تقديم العمل الصّالح الّذي يبقى وحده لنا في نهاية المطاف.
  قال سماحته:
"في القرآن الكريم أكثر من آية يخاطب الله تعالى فيها نبيّه محمّداً(ص)، ليعلّمنا كيف نواجه الموقف في يوم القيامة، وكيف نواجه النّاس الذين ينحرفون عن الخطّ، وكيف نطلب من الله تعالى أن لا يحشرنا معهم، وكيف نتعامل معهم في الواقع وفي الحياة. إنّ الله تعالى يريد للإنسان دائماً، وهو يعيش في الدنيا، ويأخذ بأسباب الحياة فيها، أن لا يغيب عنه يوم القيامة، لأنّ الإنسان كلّما نسي يوم القيامة نسي مسؤوليّته، وكلّما ذكر يوم القيامة ذكر مسؤوليّته.

وليس معنى أن نذكر يوم القيامة، أن نندب حظّنا، ونستغرق في الموت، بل لنجعل حياتنا حياة مسؤولة، بحيث إنّك عندما تتحرّك في كلمة تتكلّمها، أو في عمل تعمله، أو في علاقة تنشئها، فإنّ عليك أن تفكّر في الله في كلّ ذلك؛ أن تفكّر أن لك ربّاً يسمعك ويبصرك ويحاسبك، وأنّه سيأتي يوم تواجه فيه حساب المسؤوليّة. وهذا ما يوجب على الإنسان أن يستحضر دائماً هذا المعنى في كلّ أموره، وعند ذلك تستقيم له الدنيا، لأنّ دنياه سوف تكون دنيا تحت رعاية الله وفي خطّه، وتستقيم له الآخرة، لأنها الآخرة التي خطّط لها وحسب حسابها.

 تعالوا لنقرأ بعض الآيات التي أراد الله تعالى لرسوله(ص) أن يتحدّث بها في تجربته الذّاتية، ليعلّمنا كيف نقتدي بها:
{قل ربِّ إمّا ترينّي ما يوعدون - إمّا ترينّي يوم القيامة ما سيحلّ بهؤلاء الذين جئت لأنذرهم ولأفتح عقولهم وقلوبهم عليك، ليؤمنوا بك ويتّقوك - ربِّ فلا تجعلْني في القومِ الظّالمين - لا تحشرني، عندما أعيش هذا المشهد، مع القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشِّرك وبالانحراف عن خطّ طاعتك.
ويجيبه الله - وإنّا على أنْ نريَك ما نعدُهم لقادرون - سوف تحشر يا محمّد، وترى ما حلّ بهؤلاء من نتائج سلبيّة جزاءً لما اقترفوه - ادفع بالّتي هي أحسن السيّئة - لاتزال يا محمد تعيش معهم وتعظهم وترشدهم، ولكنّهم يقابلون وعظك وإرشادك لهم بالكلمة السيئة وبالعمل السيئ، فلا تتعقّد وتتعامل معهم بردود الفعل، ولا تبادل الإساءة بالإساءة، بل حاول أن تدفع السيئة بالتي هي أحسن. فكّر في أفضل الوسائل التي تفتح قلوب الذين أساؤوا إليك لتجعلهم يرجعون عن غيّهم، فليس حلّ مشكلتك مع الإنسان الآخر في أن تفجّر غيظك، ولكن المطلوب إصلاح من أغاظك وجعله يفهم المسألة. كن الإنسان الذي يصلح خصمه ويعمل على أن ينفتح عقله وقلبه، لأنّ المؤمن يفكّر في الصلاح والإصلاح، ولا يفكّر في ردود الفعل - نحنُ أعلمُ بما يصفون - أنت قم بواجباتك، ونحن نتدبّر الأمر ونتكفّل بالنّتائج.

ولذا عليك، عندما يحاول الشيطان بوساوسه ونزغاته أن يدعوك لتفجّر غيظك مستغلاً بعض نقاط الضّعف والحساسيات، أن لا تدعه يدخل ليوسوس في عقلك، ويدفعك للتّفكير في الشّرّ ـ وقلْ رَبِّ أعوذُ بكَ من همزاتِ الشَّياطين ـ ومن المستحبّ للإنسان في كلّ صلاة يصلّيها قبل أن يكبّر، أن يتلو هذه الآية، حتى يدخل الإنسان في صلاته وهو يستجير بربّه - وأعوذُ بكَ ربِّ أن يحضرون}، اطردهم، يا ربِّ، عن عقلي وقلبي لكي لا يدخلوا إليهما ولا يعشّشوا فيهما.

ثم يحدّثنا الله تعالى عن هؤلاء النّاس الذين يتكبّرون ويتجبّرون ويسخرون من المؤمنين ويكذبون ويسيئون إلى العباد والبلاد، وهم يعيشون الغفلة: {حتَّى إذا جاءَ أحدَهم الموتُ - وعاين ما بعد الموت، ورأى كيف يسير أهل الخير إلى الجنّة، وأهل الشّرّ إلى النّار - قالَ ربِّ ارجعون - أعطني فرصة جديدة - لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت. كلّا إنها كلمة هو قائلها - لأنَّ الله أعطاه فرصة حياته كلّها، وذكّره وعرّفه وأرشده وبيَّن له ما يقبل عليه، فلماذا نسي ربَّه وبخل بماله وامتنع عن أداء حقّ ربّه؟ هل خاف على نفسه الفقر والله هو الّذي رزقه؟ ومن رزقك أوّلاً يرزقك أخيراً - ومِن ورائِهم برزخٌ - وقد جاء في بعض الأحاديث، أنّ عالم البرزخ هو العالم المتوسّط بين الدنيا والآخرة - إلى يومِ يبعثون* فإذا نُفِخَ في الصّورِ - وهو البوق، ويقال إنّ إسرافيل ينفخ فيه يوم القيامة، فيصدر صوتاً، فيقوم النّاس من الأجداث، ويرى البعض الآخر أنّه كناية عن قوة الصّدمة التي تحصل في ذلك اليوم، والتي تُخرج الناس من الأجداث كأنهم جراد منتشر - فلا أنسابَ بينَهم يومئذٍ - ليس هناك عشائر وعوائل، بل هناك عمل - ولا يتساءلون - لأنَّ كلًّا مشغول بنفسه - فمَن ثقلَتْ موازينُه - بحيث كانت أعماله أعمال خير راجحة - فأولئك هم المفلحون * ومَنْ خفَّت موازينُه فأولئك الذين خسروا أنفسَهم - لأنَّك تربح نفسك عندما تقوم بالعمل الّذي يمكن أن ينجيك يوم القيامة - في جهنَّم خالدون * تلفحُ وجوهَهم النّارُ وهم فيها كالحون}، يعني مكشّرون، إشارةَ إلى حالة العبوس والتّقطيب.

ويتابع الله تعالى تصوير المشهد، فيقول: {ألم تكنْ آياتي تُتلَى عليكم - ألم تسمعوا الآيات التي أنزلتها على رسلي - فكنتم بها تكذّبون* قالوا ربَّنا غلبت علينا شقوتنا وكنّا قوماً ضالّين * ربَّنا أخرجنا منها - أخرجنا من النار وأعطنا فرصة جديدة - فإن عدنا فإنّا ظالمون * قال اخسأوا فيها - وهذه الكلمة عندما تصدر عن الله تعالى، فإنها تتضمَّن زجراً من أعلى الدَّرجات - ولا تكلِّمون - أتتذكّرون في الدنيا جيرانكم ومعارفكم المؤمنين الذين كنتم تسخرون منهم؟ - إنّه كان فريقٌ من عبادي يقولونَ ربَّنا آمنَّا فاغفرْ لنا وارحمْنا وأنت خيرُ الرَّاحمين - هؤلاء الذين يقصدون المساجد ليطلبوا من الله المغفرة والرّحمة، وليعلنوا إيمانهم فيها - فاتخذتموهم سخريّاً حتى أنسوكم ذكري - وتماديتم في السّخرية حتى نسيتم ربَّكم - وكنتم منهم تضحكون - فأين أنتم الآن وأين هم - إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون}[المؤمنون: 93- 111]، صبروا على سخريتكم واستهزائكم، ففازوا بطاعة الله وبالإيمان.

أيّها الأحبّة: هذه هي آيات الله تتلى عليكم، وهذا ما أراد الله لرسوله أن يقوله لنتعلَّمه، ولنشعر بأنّنا في حياتنا الدّنيا هذه نمارس المسؤوليّات، لأنّ كلّ الانفعالات النفسيّة والأحاسيس، وكلّ الأشياء السلبيَّة والألم واللّذّة، تذهب وتمضي، والقضيَّة هي ماذا قدَّمنا من عمل، {وما تقدِّموا لأنفسِكم من خيرٍ تجدوه عندَ الله}.
علينا أن نحسب دائماً حساب الرَّصيد عندَ الله، {يا أيُّها الَّذين آمنوا اتَّقوا الله ولتنظرْ نفسٌ ما قدَّمَتْ لغدٍ واتَّقوا الله إنَّ الله خبير بما تعملون * ولا تكونوا كالَّذين نسوا اللهَ فأنساهم أنفسَهم أولئك هم الفاسقون * لا يستوي أصحابُ النّارِ وأصحابُ الجنَّةِ أصحابُ الجنَّةِ هم الفائزون}".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ما قولكم في المساكنة؟ منبر الجمعة: 12 تموز 2019 إحياء ذكرى المرجع فضل الله وشقيقه في الدّنمارك كيف تعامل الإمام الرّضا (ع) مع السّلطة؟! مشكلتنا مع العقل المتحجّر والمسكون بأسوأ محطّات التاريخ فضل الله استقبل وفداً من حركة الجهاد الإسلامي تأبين آية الله السيِّد محمد علي فضل الله في أميركا وأستراليا وزير الصحّة عند فضل الله فضل الله: لبناء أسرة قادرة على مواجهة المشكلات كيف أتصرّف مع نفسي وابنتي؟ في أسبوع آية الله السيد محمد علي فضل الله في بنت جبيل
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر