اليوم: الخميس24 شوال 1440هـ الموافق: 27 يونيو 2019

ظاهرة ارتفاع "المهر" وأثرها في الدّين والمجتمع

الشَّيخ صلاح مرسول البحراني

تناقلت مواقع إخبارية وثقافية عراقية وعربيّة خبرًا عن تسجيل رقم قياسي على مستوى مهور الزواج، وجاء في الخبر أنّ محكمة الأحوال الشخصية في الكرخ، سجّلت يوم الإثنين أغلى عقد زواج بمقدّم 3 مليار دينار ومؤخر 5 مليار دينار عراقي.

وأظهرت وثيقة اطّلع عليها الموقع بتاريخ (10 حزيران 2019)، أنّ محكمة الأحوال الشخصية في الكرخ سجّلت أغلى عقد زواج بتكاليف تصل إلى 8 مليار دينار مجموع المقدَّم والمؤخَّر...

قد يتساءل البعض: أليس هذا من حقّ المرأة!؟ وما الضّير في إعطائها مهرًا بهذا الحجم طالما هو راضٍ ويريد أن يبدي لها مدى سعادته وحبّه لها!؟

إنّنا هنا أمام أكثر من عنوان، فعلينا أن ندرس هذه الظَّاهرة على أكثر من بُعد، ومن أهمِّ هذه الأبعاد، البعد الاجتماعي، ونظرة الشَّريعة إلى ذلك، والدوافع التي جعلت من هذه الظاهرة منتشرة في بلداننا العربيّة على وجه الخصوص.

المهر في الشّرع

يعتبر الشّرع أنّ المهر من حقّ المرأة، فهو ضمن حقوقها الطبيعيّة، فلا يجوّز الشارع المقدَّس إلغاء المهر بأيّ شكل من الأشكال، كون المهر يعتبر نحلة في الإسلام: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}[النساء: ٤].

ويذهب الفقهاء إلى أنّ للزّوجين أن يتّفقا على أيّ مقدار من المهر، فلم يحدّدوا أيّ سقف له، ولا ما هو أدناه. نعم، دار الحديث حول الماليّة في المهر، فهم يَرَوْن عدم خروجه عن الماليّة.

ونحن أمام أمرين:

الأوّل: مرجوحيّة المغالاة في المهور.

الثاني: ما يعرف بمهر السّنَّة، وهو الذي قدّمه عليّ (ع) للزهراء (ع).

ما يهمّنا في حديثنا هنا هو الأمر الأوّل، كونه مرتبطًا بظاهرة غلاء المهور، ووصولها إلى أرقام مالية فاحشة، فنظرة الدّين الإسلامي إلى هذا الأمر ليس الحرمة الفقهيّة، فالإسلام لم يضع حدًّا للمهر، ولكن المستفاد من الرّوايات كراهة ارتفاع المهور كراهة شديدة، وعندما تكون الكراهة شديدة، فهذا يعني المبغوضية من الله عزّ وجلّ، ولكن مع عدم الإلزام بالترك.

ورد عن أبي عبدالله (ع) قال: قال رسول الله (ص): "أفضل نساء أمّتي أصبحهنّ وجهًا، وأقلّهنّ مهرًا".

وورد عن أبي عبدالله (ع) في حديث يقول فيه: "فأمّا شؤم المرأة، فكثرة مهرها، وعقم رحمها".

وورد عن أبي جعفر (ع) قال: "روي أنّ من بركة المرأة قلّة مهرها، ومن شؤمها كثرة مهرها".

وينقل هشام بن الحكم أنه سمع جعفر بن محمد (ع) يقول: "أتتكافأ دماؤكم ولا تتكافأ فروجكم؟!".

فهنا الأفضلية بإمكاننا أخذها على نحو الاستحباب، فأفضل نساء أمّة رسول الله (ص) هنّ الأقلّ مهرًا، فالمهر المتزايد من الناحية الفقهيّة جائز، إلا أنه شديد الكراهة، كما عن أبي عبدالله (ع): سئل عن المهر فقال: "ما يتراضى عليه الناس"، وهي واضحة الإطلاق.

المهر اجتماعيًّ

علينا أن لا نأخذ هذه الظّاهرة فقط على المقياس الفقهي، بل لا بدَّ من نظرة اجتماعيّة واعية لهذه الظاهرة، فارتفاع المهور ليس أمرًا إيجابيًّا، بل هو أمرٌ سلبيٌّ بامتياز، ففي الوقت الّذي نرى عجز الشّباب من الناحية المادية لتغطية تكاليف زواجهم، نجد أن هناك من يتباهى بدفع المهور المرتفعة، والبذخ في صرفه للزواج إلى حدّ التبذير والإسراف.

وهذا النّوع من الظاهرة جعل بعض البيوت ينظر إلى الزّواج كحالة تجاريّة. أذكر أنّني ذهبت مع أحد المؤمنين ليخطب فتاةً، فصدمنا من قيمة المهر الّذي طلبه أهلها، فعندها وجّهت إلى أحدهم السؤال: لم هذا الرّقم الكبير الّذي لم يكن موجودًا في السّابق؟! فأجابني: منذ سنتين ارتفع سعر المهور عندنا، بسبب وفود بعض العراقيين إلى المنطقة، ودفعهم مبالغ كبيرة، فصار الجار لا يقبل لابنته أن تأخذ أقلّ من ابنة جاره.

لا أخفيكم كيف تحوَّل طلب يد الفتاة إلى مساومة وكأننا في سوق النخاسين، حتّى صارت قيمة الفتاة بما يدفع لها من مهر. فهذه الظاهرة اللادينيّة قد ألقت بظلالها على واقع مزرٍ، وعقّدت مصاريف الزّواج على غير الميسورين، لذلك فالإسلام عندما نظر إليها بكراهة شديدة، فلأنّ مصلحة المجتمع في هذا المقام مهدَّدة.

رمزيّة المهر

يعتبر المهر ذا رمزية ترفع من شأن المرأة في المجتمع، ولكنّنا إذا جعلناه هو الذي يحدّد قيمة المرأة اجتماعيّا؛ فهذا يعتبر إهانة لها، وفِي هذا الصّدد، يقول السيّد فضل الله: "فالمهر [يعتبر] مسألة رمزيّة، تجعل دخول المرأة إلى الحياة الزوجيّة مشروعًا بتقديم الرّجل شيئًا معيّنًا لها، يعبّر به عن محبّته وعن مسؤوليّته عنها". [دنيا المرأة: ص١٧٩].

غلاء المهر لا يحدّد السعادة

كم سمعنا من قصص عن أزواج أقاموا حفلاتهم الزوجيّة في أرقى الأماكن وأكثرها تكلفة، ولكنّهم يعيشون الفشل الزوجي، ولا يشعرون بالسعادة والراحة والحبّ، فغلاء المهر وارتفاع قيمة تكاليف الزواج لا يصنع السّعادة بين الزّوجين، وإنما ما يصنع السّعادة بين الزوجين، هو العيش مع الآخر بقناعة وبرضا وتقبّله كما هو.

فحالات الطلاق المتزايدة لو فتّشنا عن أسبابها، وعن حالات الإحباط الزوجي والفشل الأُسَري كذلك، فسنجد الكثير منها بدأت بإقامة حفلات زواج مرتفعة التكلفة، وبمهور قد تعتبر عالية القيمة، وفِي المقابل، كم وجدنا مشاريع زواج بدأت بالبركة والبساطة وانخفاض التكلفة؛ وهم في أعلى درجات السّعادة والرّضا.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! كيف أجعل علاقتي بالله أحسن؟ معركة أحد: عندما يتحوَّل النَّصر إلى هزيمة! ضحايا نتيجة حوادث.. ماذا يترتّب؟ صديقي يتهاون بصلاته! الدالاي لاما: نطالب المسلمين بالتعاون وضع حجر الأساس لمدرسة "كليّة الرّحمن" في أستراليا تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر