اليوم: الأحد18 ذو القعدة 1440هـ الموافق: 21 يوليو 2019

وحدة المسلمين

الأستاذ الشيخ علي الخفيف

لقد ألّف الإسلام حين ظهر بين قلوب من اتّبعوه واتخذوه ديناً لهم، فجعل منهم جماعة متآلفة بعضهم بعضاً وينصره ويؤازره، حتى كان لهم من ذلك يوم ظهروا بمكّة وهم قلّة مستضعفة، منعة حفظتهم من شرور أعدائهم، وقوّة أظهرتهم وردَّت عنهم كيد خصمائهم، ولولا ذلك، لقضي عليهم في مهدهم، وانتهى أمرهم في أوّل عهدهم.

ثم بدا ذلك التّآلف بينهم بعد هجرتهم إلي المدينة المنوَّرة أجلى مظهراً، وأوسع مجالاً، وأبعد أثراً، وأشدّ قوّةً، بما عقد بين المهاجرين والأنصار من الإخوّة والولاء والمعاونة في السرّاء والضرّاء، والمشاركة في الأموال والمناصرة في القتال، والتعاون على النّهوض والظهور، والعمل لنشر دعوة الإسلام، والوصول إلى ذلك الغرض السامي الذي دعاهم إليه دينهم الجديد، وهداهم إلى صراطه رسولهم الصّادق الأمين.

وطبيعي أن يؤلّف الإسلام بين أتباعه، فيجعل منهم أمّة قويّة متّحدة متماسكة، إذا ما تمكّن من قلوبهم، واستولى على مشاعرهم، وسيطر على أفكارهم، وذلك بسبب ما يدعوهم إليه من وحدة الفكرة وسموّ الغرض، والسعي إلى تحقيق الغاية المنشودة التي لأجلها جاء ولتحقيقها شرع، وما لهذا الدّين من الأثر البالغ في العواطف والمشاعر والأفكار.

إنّ أية فكرة تبدو فيعتنقها من يستصوبها، لا تلبث أن تصير جامعة بين أنصارها، تربطهم برباطها، وتجمعهم بجامعتها، فيعرفون بها، ويتعاونون في سبيل نصرتها والدّفاع عنها، والدّعوة إليها، فما بالك برابطة ينشئها دين قيّم يدعو إلى الإيمان بإله واحد، والتوجّه إلى وجهة واحدة، والسّعي إلى تحقيق غرض سام واحد، يتطلَّب تحقيقة تعاون من يبتغيه، ومؤازرة بعضهم بعضاً، ووقوفهم أمام معارضيهم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً.

دعا الإسلام إلى الوحدة، لأنها طبيعته وركنه الّذي تقوم عليه دعوته الدينيّة العامّة الموجَّهة إلى الناس أجمعين. ولقد استجاب لها المسلمون في أوّل عهدهم، فأكسبتهم قوّة وعزّة وغلبة عزّت بها الدعوة الدينية، فانتشرت وانتصرت وصدّت من عارضها، فتفتّحت أمامها الطّرق، واتّسع الأفق، وعمّت بلاد من كان يعارضها ويدفعها ويقف في طريقها بما كان له من قوّة ومال وجاه ورجال.

عني الإسلام كثيراً بتقوية بكل الوحدة، وإحكام تلك الرابطة، حتى جعلها أخوّة بين المسلمين، تنمحي فيها الفوارق، وتختفي فيها الطّبقات، ويتساوى فيها جميع الأفراد في حقوقهم وواجباتهم.

أراد الإسلام أن يجعل لهذه الوحدة وتلك الرّابطة ما لرابطة الأخوّة من القوة والمكانة، والحرص على صيانتها، والبعد بها عن أن تتعرّض لمعاول الهدم والتفريق، وأسباب الخصومة والنزاع، فنزل قوله تعالى في سورة الحجرات: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ...}، بيّناً لمنزلة هذه الرابطة، وإيجاباً لصيانتها بالإصلاح بين أفرادها إذا ما اشتجر بينهم خلاف، أو عصفت فيهم ريح فرقة. وليس أدلّ على مكانتها من أن يعدّها الله نعمة يمتنّ بها عليهم، إذ يقول في سورة آل عمران: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}، { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. أيضاً لم يكتف الرسول في بيان حقيقة تلك الرابطة، وما تستلزمه من حقوق وواجبات، بما جاء به الكتاب العزيز من إجمال، بل فصّل فيها القول، فأشار إلى أنها مساواة في الحقوق، ومساواة في المنزلة، لا تعرف فيها السيطرة ولا سيادة الطبقات، قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقّره، وكونوا عباد الله إخواناً».

تلك روح تظهر أنّ وحدة المسلمين وتآخيهم نتيجة حتمية لاعتناق هذا الدين على وجهه الصّحيح، وأنّ تلك الوحدة لا تتمّ إلا بزوال الفوارق بينهم من ناحية الوطن والجنس والسلطان، فلا يكون للمسلمين إلا وطن واحد، هي الأرض التي تقلهم وتضمّهم، مهما اتسعت أنحاؤها، وتعدّدت جهاتها، وتباعدت أقطارها، ثم لا يكون لهم نسب ينتسبون إليه سوى القرآن، تقوم عليهم بسلطانه حكومة تنفّذ فيهم أحكامة، وترفع فيهم أعلامه، وتهذّبهم بأخلاقه، وتهديهم بإرشاده، وتزكّيهم بتعالميه، وتربّيهم على مبادئه... ألا ترى كيف جعل حبّ الله ورسوله والإقبال على الجهاد في سبيله – وتلك مظاهر الوحدة الاسلاميّة – فوق كلّ حب، يترك من أجله حبّ الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة مما تجمعهم رابطة النسب أو الجنس، ويترك لأجلها كذلك حبّ المساكن الّذي هو مظهر رابطة الوطن، وحبّ الأموال والتجارة الذي هو مظهر الرابطة الاقتصادية، وحبّ المادة والمال؟!

ولو أن المسلمين آمنوا بهذه الآية الإيمان الذي يظهر أثره في نفوسم وأعمالهم، وآمنوا كذللك بما نزل في التفرّق بسبب ما فرّقت بينهم المذاهب الدينية {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. ولكنّهم إذ تركوا دينهم، تفرّقوا شيعاً وتجزأوا أمماً، فزالت قوّتهم، وذهبت ريحهم، واستولى غيرهم، ولن يصلح أمرهم إلا برجوعهم إلى كتابهم، واستمساكهم بوحدتهم، ففيها وجودهم، واستراداد قوّتهم وعزّتهم. ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين.

* من مجلة "رسالة الإسلام، العدد 5.

مواضيع أخرى للكاتب

المزيد..

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن منبر الجمعة: 19 تموز 2019م قصّة ذي القرنين في القرآن: دروسٌ وعِبر مستشفى بهمن يكرّم الراحل الدكتور عبد الأمير فضل الله الغارديان: جونسون يزعم أنَّ الإسلام سبب تخلّف المسلمين! فضل الله: تحكمنا الأخلاق الإيمانيّة والإنسانيّة في كلّ مفاصل عملنا مجالس تأبين آية الله السيّد محمد علي فضل الله في لبنان ما قولكم في المساكنة؟ منبر الجمعة: 12 تموز 2019 إحياء ذكرى المرجع فضل الله وشقيقه في الدّنمارك كيف تعامل الإمام الرّضا (ع) مع السّلطة؟! مشكلتنا مع العقل المتحجّر والمسكون بأسوأ محطّات التاريخ
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر