اليوم: الأربعاء4 شوال 1441هـ الموافق: 27 مايو 2020

الإمام الرّضا (ع) ثامن أئمّة أهل البيت

السيّد محمد جواد فضل الله

الإمام أبو الحسن الثاني، علي بن موسى الرضا، ثامن أئمة أهل البيت الذين تجسّدت في شخصياتهم جميع مقوّمات العظمة، فكانوا مثالها الرائع ومنهلها الأصيل.

اتّسمت حياته بالطابع المأساوي الكئيب، من بدايتها الحزينة، وحتى نهايتها الأليمة، فما كانت المرارة لتفارق روحه في الفترات الزمنيّة التي عاشها بين حكم الرّشيد، وبداية حكم ولده المأمون.

فقد شهد في بداية حياته ضروب المحن والبلايا، التي حفلت بها حياة أبيه الإمام موسى بن جعفر (ع)، ذلك الإمام الصّابر، الذي كان وجوده بنفسه مثار قلق للحكم، ومبعثاً لهواجسه المريبة، رغم وقوفه موقف المسالم للحكم، بعيداً عن مواطن المجابهة معه.

فقد بعث إليه المهدي الثالث من خلفاء بني العباس، يستدعيه إلى بغداد ليأخذ منه العهود والمواثيق، على أن لا يخرج عليه، ولا يتحرَّك في ثورة تستهدف إسقاط الحكم، ثم لا يلبث أن يعود، حتى يمضي المهدي إلى ربِّه محمّلاً أوزار الحكم وبوائقه، ليتولى الهادي من بعده شؤون الحكم، ويحاول هذا أن ينال من الإمام، ولكنّ أيامه لم تطل، ليرتقي الرّشيد من بعده سدة الخلافة، وتبدأ رياح المأساة اللاهبة، تصهر الكيان العلوي، الذي يتزعّمه الإمام موسى بن جعفر، ولم تكن سجون بغداد والبصرة وواسط وغيرها، لتحدّ من شراهة الحكم للانتقام من خصومه، فقد ابتدعت له انفعالات حقده ضروباً من الانتقام أفظع، تتقزّز منها النفس الإنسانية، فصدرت تعليمات الحكم للبنّائين، أن يملؤوا فراغ الأسطوانات وأعمدة البناء بالصفوة الشابّة، وغيرها من أبناء علي، ويسدّوا عليهم منافذ الحياة، ولم تكن هذه الطريقة البشعة في القضاء على خصوم الحكم بالأمر الجديد الّذي افتعله الرشيد، بل هو امتداد لعمل مماثل، قام به المنصور في الانتقام من بعض شباب العلويين، كما يحدثنا بذلك التاريخ. وكان للإمام موسى بن جعفر القسط الأوفر من الظلامة التي عاش العلويّون مرارتها في تلك الفترة.

فقد اعتقله الرّشيد، باعتباره ذروة الزعامة العلوية ورائدها، وضيَّق عليه في حبوسه المرعبة مدة أربع عشرة سنة كما في بعض الروايات، حتى أعيته الحيلة فيه، فطلب من السندي بن شاهك، على يد وزيره يحيى بن خالد أن يدسّ إليه السم، وكان صاحب سجنه الأخير؛ ليتخلّص من هذا الوجود الذي أقلق عليه هدوءه واستقراره.

وكان الإمام الرّضا يرقب عن كثب، بمرارة وألم، تلك الأحداث الدامية التي التهمت الكثيرين من أهل بيته وأبناء عمومته.

وقد كتب له أن يعيش مأساة أبيه، من بدايتها وحتى نهايتها، دون أن يملك القدرة على التخفيف من حدّتها، حيث لا سبيل له إلى ذلك، وربما كان ينتظر المصير نفسه من عصابة الحكم، لأنّ الخصومة كانت خصومة مبادئ بين جبهة الحكم وجبهة العلويّين، وليست خصومة تقف عند حدود الأشخاص.

وبعد شهادة أبيه، وهلاك الرّشيد، ثم انقضاء أيّام الأمين بالشّكل الذي انتهت به، واستلام المأمون مقاليد الحكم، بدأت تهبّ على الإمام رياح مأساة من نوع آخر، عاشها الإمام بمرارة قاسية.

فقد شاء المأمون، ولظروف سياسيّة معينة ـ سنعرض لها خلال دراستنا ـ أن يجعل من الإمام ورقة مساومة بينه وبين العباسيّين في بغداد من جهة ، وبينه وبين العلويّين من جهة أخرى، وبينه وبين الشيعة في خراسان من جهة ثالثة، وكانت لعبة التنازل عن الخلافة ، وحين فشلت بامتناع الإمام عن قبولها، كانت لعبة ولاية العهد التي أرغم عليها، والتي يهمنا أن نكشف بعض الغموض الذي تلبّسها، وأوقع جملة من الباحثين في تخبّط عشوائي، ضلت معه النّتائج عن نظرهم الذي لا يتعدّى في بعده عن الطفو الذي يتسرّب إلى السطح، دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء الغور في مسالك العمق.

وجدير بالذّكر أن نشير هنا إلى أنّ الإمام حين رفض تنازل المأمون له عن الخلافة، أو تقلّد مركز ولاية العهد، فليس إلا لأنّه يشعر بعمق الهدف الذي تنطوي عليه خطة المأمون، وأن الرغبة لم تكن صادقة بنحو يصدق معها العرض، بل هو دور سياسيّ أراد المأمون أن يتقن لعبته فيه في فترة زمنيّة معيّنة، دعت إليه ضرورات سياسيّة كانت تتهدَّد مركز الحكم ويتوقَّف على دفعها مصيره.

وكانت النهاية المرتقبة بعد هذا، حين اكتملت فصول الرّواية التي أعدّ لها المأمون من قبل، وأتقن دوره الدّقيق فيها ببراعة وإحكام، وضمن لفترة حكمه هدوءاً، ما كان ليستقيم له على ما نعتقد، لولا فعلته...

*من كتاب "الإمام الرضا (ع)".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة خطبة عيد الفطر: لا معنى للعيد إلّا بالبذل والعطاء. المبرّات وزّعت كسوة العيد على 4600 يتيم فتح الرسول (ص) مكة وأسباب انتصاره. الأحد أوّل شوّال 1441هـ ليلة القدر.. ليلة البركات والعطاءات فضل الله: ليتحسّس كلّ منّا إنسانيّته للتّخفيف من مآسي كورونا فضل الله: التّهاون في إجراءات الوقاية يهدّدنا بكارثة كيف الخلاص من وساوس الشّيطان؟! الدّعاء نعمة تستوجب الشّكر والحمد.
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر