اليوم: الأربعاء24 صفر 1441هـ الموافق: 23 اكتوبر 2019

النّذر ومشروعيّته في الإسلام

بينات - قسم الأبحاث والدراسات

يرى سماحة الفقيه المجدِّد السيِّد محمد حسين فضل الله(رض) في تحديد معنى "النَّذر"، في تفسيره للآية المباركة من سورة الإنسان: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ}[الإنسان: 7]، أنّ هذا المعنى يتحدَّد بما يلتزمه الإنسان على نفسه من مالٍ أو عملٍ بصيغةٍ معيّنة، وقد يتوسّع البعض في معناه ليشمل كلّ التزامات الإنسان الإيمانيّة، سواء كانت في دائرة الالتزامات الذاتيّة، لأنّ النّذر الخاصّ بالمعنى العرفي لا يحمل أيّة خصوصيّة تفرض التّركيز عليه، بل كلّ ما هناك، هو ما يعبّر عنه من التزامٍ مرتبط بالله، في ما يستتبعه من الوفاء الدالّ على صدقه في التزاماته... [من وحي القرآن، ج23، ص:269].

فسماحته(رض) يتوسّع بمفهوم النّذر ليعطيه بُعده الحقيقيّ المنفتح على كلّ قضايا الإنسان في كلّ مكان وزمان، ليخرج المفهوم من رتابة الفكرة إلى حيويّة التصوّر وفاعليّة المفهوم في واقع الأفراد والجماعة، كي لا يبقى مفهوماً تجريديّاً يُستحضر كطقسٍ فارغٍ كأيّة طقوس أخرى، بل ليستطيع الفرد أن يتعرّف إلى مصاديقه عند تعرّضه لأية قضيّة يلتزم فيها...

وفي تفسيره للآية المباركة: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[آل عمران: 35]، بيَّن سماحته أنَّ امرأة عمران نذرت ما في بطنها عندما يولد ليكون خادماً أميناً لله، وكان هذا النَّذر مشروعاً في شريعتهم...[من وحي القرآن، ج5، ص:346].

والنّذر شرعاً هو ما يوجب به الإنسان على نفسه شيئاً تبرّعاً أو عبادةً أو صدقةً أو غير ذلك، وهو من الأعمال العرفيّة والعقلائيّة الّتي يلجأ إليها النّاس عند رغبتهم أو أملهم بحصول شيء في المستقبل، بحيث ينذرون عند حصوله فعل أمر راجح وذي فائدة وخير...

والنّذر ـ كما في اليمين والعهد ـ لا يصحّ إلا أن يكون لله، لأنّ الإنسان عندما يلتزم لله بفعل الخير، يكون النّذر قد استمدّ من الله إلزاميّته والوجوب بالوفاء به، ويتعلّق بذمّة النّاذر تكليف يفرض عليه القيام به وتحقيقه.. فالنّذر لا يختلف عن اليمين أو العهد من ناحية كونه وسيلةً يلجأ إليها الإنسان في إحالة أعماله الّتي يودّ الالتزام بها إلى الله، لتأخذ هذه الأعمال صفة الإلزام، وتولّد عنده دافعاً ذاتياً للقيام بها نتيجة حُسن المراقبة من الله تعالى، الّتي يشعر بها الإنسان عند يمينه أو تعهّده أو نذره، لأنّه جعل الله شاهداً عليه، وأنشأ حقاً لله تعالى بأن يطالبه ويحاسبه عند المخالفة، ويفرض عليه تعويضات معنويّة وماديّة جزاءً لحنثه...

وللنّذر فائدة تعود على المجتمع والفرد، إذ ينمّي لدى الفرد حسّ العطاء والإنفاق، فيستفيد بالتّالي المجتمع من تلك الفوائد، فالإنسان عندما ينذر فعل شيء معيّن عند حصول أمرٍ ما في المستقبل وتحقّقه، فإنّه ينطلق من روحيّة مشاركة الآخرين في الخير الّذي سيحصل له، فتنتفي بذلك الأنانيّة، وتولد دوافع فعل الخيرات...

فالنّذر ممارسة تشتبك فيها الثّقة والرّجاء بالله تعالى ـ في تحقيق رغبة معيّنة ـ بالتواصل الإنساني والتكافل الاجتماعيّ بأن يشارك الآخرين فرحة نجاحه ونعمة ربحه.. فكأنّ النّذر حركة متاجرة مع الله، بأن يفعل الإنسان الخير والصّدقة والإحسان، مقابل أن يوفّقه في عمله أو يحقّق له رغباته...

وهذا من أروع التجلّيات الإيمانيّة الّتي تشكّل دافعاً للترابط الاجتماعيّ وفعل الخير، وهي دوافع لا تنطلق من قانونٍ أو أمر إكراهيّ، بل يولّدها الوجدان، وتنتجها التربية الذاتيّة الّتي تجعل من الفرد كياناً ينسج وجوده ومصالحه واهتماماته مع وجود الآخرين من بين نوعه وأفراد مجتمعه... [اليمين والعهد والنذر، بحث فقهي استدلالي لسماحته(رض)، ص:150 وما بعدها].

ولا إشكال ولا خلاف حول وجوب الوفاء بالنّذر، والأدلّة عل ذلك متضافرة، وأوّلها الآيات القرآنيّة الواردة في هذا المجال، قال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}[الحج:29]، فالأمر بالوفاء بالنّذر ظاهر في الوجوب...

{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}[الإنسان: 7].. فتفريع الخوف من يوم القيامة على الوفاء بالنّذر، يوحي بأنّ الأئمّة(ع) كانوا يوفون بنذرهم من باب وجوبه عليهم...

ويذكر سماحة المجدّد الفقيه السيّد فضل الله(رض) مجموعةً من الرّوايات الدالّة على ما تقدّم في بحثه الفقهيّ... [اليمين والعهد والنّذر، ص:152].

إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبِّر بالضرورة عن رأي الموقع ، وإنما عن رأي صاحبه

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة هل هرب فتية الكهف من الواقع؟ العربيّة ثالث لغة في أستراليا منبر الجمعة: 18 تشرين أوّل 2019 المودّة في القربى للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر