اليوم: الجمعة19 صفر 1441هـ الموافق: 18 اكتوبر 2019

الكذِب: مساوئه.. علاجه ومسوّغاته

السيّد مهدي الصّدر

الكذب. وهو: مخالفة القول للواقع. وهو من أبشع العيوب والجرائم، ومصدر الآثام والشّرور، وداعية الفضيحة والسّقوط. لذلك حرَّمته الشّريعة الإسلاميَّة، ونعت على المتّصفين به، وتوعّدتهم في الكتاب والسنّة:

قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}[غافر: ٢٨]، وقال تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}[الجاثية: 7]، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}[النّحل: ١٠٥].

وقال الباقر (ع): "إنَّ الله جعل للشرِّ أقفالاً، وجعَل مفاتيح تلك الأقفال الشّراب، والكذِب شرّ مِن الشّراب". وقال (ع): "كان عليّ بن الحسين يقول لولدِه: اتّقوا الكذِب، الصّغير منه والكبير، في كلّ جدٍّ وهزْل، فإنّ الرجل إذا كذب في الصغير، اجترأ على الكبير، أما عَلِمتم أنَّ رسول الله (ص) قال: مايزال العبد يصدق حتّى يكتبه الله صديّقاً، ومايزال العبد يكذب حتّى يكتبه الله كذّاباً".

وقال الباقر (ع): "إنَّ الكذب هو خراب الإيمان". وقال أمير المؤمنين (ع): "اعتياد الكذِب يورث الفقر".

وقال عيسى بن مريم (ع): "من كثُر كذِبه ذهب بهاؤه". وقال رسول الله (ص) في حجّة الوداع: "قد كثُرت عليَّ الكذّابة وستكثُر، فمَن كذب عليَّ متعمّداً، فليتبوّأ مقعده من النّار، فإذا أتاكم الحديث، فاعرضوه على كتاب الله وسنّتي، فما وافق كتاب الله فخذوا به، وما خالَف كتاب الله وسنّتي فلا تأخذوا به".

مساوئ الكذِب

وإنَّما حرّمت الشّريعة الإسلاميّة (الكذب) وأنذرت عليه بالهوان والعقاب، لما ينطوي عليه من أضرار خطيرة، ومساوئ جمّة، فهو:

١ - باعث على سوء السّمعة، وسقوط الكرامة، وانعدام الوثاقة، فلا يُصدّق الكذّاب وإنْ نطق بالصّدق، ولا تقبل شهادته، ولا يوثَق بمواعيده وعهوده.

ومن خصائصه، أنّه ينسى أكاذيبه ويختلق ما يُخالفها، وربّما لفّق الأكاذيب العديدة المتناقضة، دعماً لكذبة افتراها، فتغدو أحاديثه هذراً مقيتاً، ولغواً فاضحاً.

٢ - إنّه يضعف ثقة الناس بعضهم ببعض، ويشيع فيهم أحاسيس التوجّس والتناكر.

٣ - إنّه باعثٌ على تضييع الوقت والجُهد الثّمينين، لتمييز الواقع من المزيّف، والصّدق من الكذِب.

٤- وله فوق ذلك آثار روحيّة سيّئة، ومغبّة خطيرة، نوّهت عنها النصوص السالفة.

دواعي الكذِب

الكذِب انحراف خُلُقي له أسبابه ودواعيه، أهمّها:

١- العادة: فقد يعتاد المرء على ممارسة الكذِب بدافع الجهل، أو التأثّر بالمحيط المتخلّف، أو لضعف الوازع الديني، فيشبّ على هذه العادة السيّئة، وتمتدّ جذورها في نفسه، لذلك قال بعض الحكماء: "من استحلى رضاع الكذِب عسُر فطامه".

٢ - الطمع: وهو من أقوى الدوافع على الكذِب والتزوير، تحقيقاً لأطماع الكذّاب، وإشباعاً لنهمه.

3 - العِداء والحسَد: فطالما سوّلا لأربابهما تلفيق التُّهَم، وتزويق الافتراءات والأكاذيب، على مَن يُعادونه أو يحسدونه. وقد عانى الصّلَحَاء والنُّبَلاء، الذين يترفّعون عن الخوض في الباطل، ومقابلة الإساءة بمثلها، كثيراً من مآسي التُّهَم والافتراءات والأراجيف.

أنواع الكذب

للكذِب صورٌ شوهَاء، تتفاوت بشاعتها باختلاف أضرارها وآثارها السيِّئة، وهي:

الأُولى: اليمين الكاذبة: وهي مِن أبشع صور الكذِب، وأشدّها خطراً وإثماً، فإنّها جنايةٌ مزدوجة؛ جرأةٌ صارخة على المولى عزَّ وجلّ بالحِلف به كَذِباً وبُهتاناً، وجريمةٌ نكراء تمحق الحقوق وتهدر الكرامات.

من أجل ذلك، جاءت النصوص في ذمّها والتحذير منها: قال رسول الله (ص): "إيّاكم واليمين الفاجرة، فإنّها تدَع الدّيار مِن أهلها بلاقع". وقال الصّادق (ع): "اليمين الصُّبْر الكاذبة، تورث العقب الفقر".

الثّانية: شهادة الزور: وهي كسابقتها جريمة خطيرة، وظلمٌ سافرٌ هدَّام، تبعث على غمط الحقوق، واستلاب الأموال، وإشاعة الفوضى في المجتمع، بمساندة المجرمين على جرائم التّدليس والابتزاز.

اُنظر كيف تنذر النصوص شهود الزور بالعقاب الأليم: قال رسول الله (ص): "لا ينقضي كلام شاهد الزّور من بين يدَي الحاكم، حتّى يتبوّأ مقعده مِن النّار، وكذلك مَن كتم الشّهادة".

ونهى القرآن الكريم عنها، فقال تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}[الحجّ: ٣٠].

أضرار اليمين الكاذبة

وإنّما حرّمت الشريعة الإسلاميّة اليمين الكاذبة، وشهادة الزور، وتوعّدت عليهما بصنوف الوعيد والإرهاب، لآثارهما السيّئة، وأضرارهما الماحقة في دين الإنسان ودنياه، من ذلك:

١ - أنَّ مقترف اليمين الكاذبة، وشهادة الزّور، يُسيء إلى نفسه إساءةً كُبرى، بتعريضها إلى سخط الله تعالى، وعقوباته التي صوّرتها النصوص السالفة.

٢ - ويُسيء كذلك إلى مَن سانده ومالأه، بالحِلف كذِباً، والشّهادة زوراً، حيث شجّعه على بَخس حقوق النّاس، وابتزاز أموالهم، وهدر كراماتهم.

٣- ويسيء كذلك إلى مَن اختلق عليه اليمين والشّهادة المزوّرتين، بخذلانه وإضاعة حقوقه، وإسقاط معنويّاته.

٤- ويسيء إلى المجتمع عامّة، بإشاعة الفوضى والفساد فيه، وتحطيم قِيمه الدينيّة والأخلاقيّة.

٥ - ويسيء إلى الشريعة الإسلاميّة، بتحدّيها، ومخالفة دستورها المقدّس، الذي يجب اتّباعه وتطبيقه على كلّ مسلم.

الثّالثة: خُلف الوعد: الوفاء بالوعد من الخلال الكريمة التي يزدان بها العقلاء، ويتحلّى بها النُبلاء، وقد نوّه الله عنها في كتابه الكريم، فقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً}[مريم: ٥٤]. ذلك أنّ إسماعيل (ع) وعَد رجلاً، فمكَث في انتظاره سنة كاملة، في مكان لا يُبارحه، وفاءً بوعده .وإنّه لمن المؤسف أنْ يشيع خُلف الوعد بين المسلمين اليوم، متجاهلين نتائجه السيّئة في إضعاف الثقة المتبادلة بينهم، وإفساد العلاقات الاجتماعيّة، والإضرار بالمصالح العامَّة.

قال الصادق (ع): "عِدة المؤمن أخاه نذرٌ لا كفّارة له، فمَن أخلَف، فبخُلف الله تعالى بدأ، ولمَقتهِ تعرّض، وذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} . وقال (ع): "إنّ رسول الله (ص) وعَد رجلاً إلى صخرةٍ فقال: أنا لك هاهنا حتّى تأتي. قال: فاشتدَّت الشّمس عليه، فقال أصحابه: يا رسول الله، لو أنّك تحوّلت إلى الظلّ. فقال: قد وعدته إلى هاهنا، وإنْ لم يجئ، كان منه إلى المحشر".

الرابعة: الكذِب السّاخر: فقد يستحلي البعض تلفيق الأكاذيب السّاخرة، للتندّر على الناس، والسخرية بهم، وهو لهو عابث خطير، ينتج الأحقاد والآثام.

قال الصّادق (ع): "مَن روى على مؤمنٍ روايةً، يُريد بها شَينه، وهدم مروّته، ليَسقط مِن أعيُن الناس، أخرجه الله تعالى مِن ولايته إلى ولاية الشّيطان، فلا يقبلُه الشّيطان".

علاج الكذب

فجديرٌ بالعاقل أنْ يُعالج نفسه من هذا المرض الأخلاقيّ الخطير، والخُلُق الذّميم، مستهدياً بالنصائح التالية:

١ - أنْ يتدبّر ما أسلفناه مِن مساوئ الكذِب، وسوء آثاره المادّية والأدبيّة على الإنسان.

٢ - أن يستعرض فضائل الصّدق ومآثره الجليلة، التي نوّهنا عنها في بحثِ الصدْق.

٣ - أنْ يرتاض على التزام الصدق، ومجانبة الكذِب، والدأب المتواصل على مُمارسة هذه الرياضة النفسيّة، حتّى يبرأ مِن هذا الخُلق الماحق الذميم.

مسوّغات الكذب

لا شك أنّ الكذِب رذيلةٌ مقيتة حرّمها الشرع، لمساوئها الجمّة، بَيد أنّ هناك ظروفاً طارئة تُبيح الكذِب وتسوّغه، وذلك فيما إذا توقّفت عليه مصلحةٌ مهمّة، لا تتحقّق إلاّ به، فقد أجازته الشريعة الإسلامية حينذاك، كإنقاذ المسلم، وتخليصه من القتل أو الأسر، أو صيانة عرضه وكرامته، أو حفظ ماله المحترم، فإنّ الكذِب والحالة هذه واجبٌ إسلاميّ محتّم.

وهكذا إذا كان الكذِبُ وسيلةً لتحقيق غايةٍ راجحة، وهدفٍ إصلاحي، فإنّه آنذاك راجحٌ أو مباح، كالإصلاح بين الناس، أو استرضاء الزوجة واستمالتها، أو مخادعة الأعداء في الحروب. وقد صرَّحت النصوص بتسويغ الكذِب للأغراض السالفة.

قال الصّادق (ع): "كلّ كذِبٍ مسؤول عنه صاحبُه يوماً إلّا في ثلاثة: رجلٌ كايَد في حربِه فهو موضوع عنه، أو رجلٌ أصلَح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى هذا يُريد بذلك الإصلاح فيما بينهما، أو رجلٌ وعَد أهله شيئاً وهو لا يُريد أنْ يتمّ لهم".

* من كتاب "أخلاق أهل البيت (ع)".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة المودّة في القربى للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي براءة الشيعة من الشّرك! فضل الله: نرفض شيطنة الوجود الفلسطينيّ في لبنان منبر الجمعة: 4 تشرين أوّل 2019
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر