اليوم: الجمعة19 صفر 1441هـ الموافق: 18 اكتوبر 2019

خصائص السّنن التشريعيّة والتكوينيّة

محمد عبدالله فضل الله

تكون إرادةُ الله إرادةً تشريعيّةً، عندما يكون لإرادة المكلَّف واختياره دَخْلٌ أيضًا في تحقّقها، أي أنها لا تتحقّق إلا عندما يريد المكلَّف أن ينفّذ ما يريده الله ويعمل به من خلال قدرته.

وعلى العكس من ذلك، الإرادة التكوينيّة لله عزَّ وَجَلَّ التي تتحقّق بمجرّد إرادة الله، إذْ هي غير مشروطة على الإطلاق، بل هي علّة تامّة لتحقق المُراد، ولا يُتصوَّر أي مانع أو تأخير لتحققها.

ولقد ترك الله تعالى للإنسان مساحة لحريته في اكتشاف السنن والقوانين التكوينيّة التي تغني فكره وحياته وفق معايير الحقّ وعدم الخضوع للمزاجيّة والأهواء.

يلفت العلامة الشّيخ محمد جواد مغنيّة (ره) إلى تعقّل الإنسان وتدبّره في سنن الطبيعة وحقائقها، ومن ثمّ استثمارها لمصالحه. ويقول: "لا يعنينا ما يضع لهذه الحقائق من مسمّيات، فليس هذا مهمّاً، كما ليس مقبولاً في الوقت عينه ما تحكم عليه الظّروف البشريّة، وما تنتجه العقليّات من قوانين وأحكام تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ثم تفسير هذه السنن على أساس هذه القوانين، والعلّة في ذلك الفرق البيّن بين التشريع السماوي أو الأرضي، والأمور الذاتية التكوينية والسنن التكوينية الطبيعية، فلكلّ منهما خصائص ومواصفات، فالسنن والقوانين التكوينيّة في هذا الوجود، لا يمكن للإنسان أن يتلاعب بها، بل أقصى ما يمكنه، اكتشاف أسرارها أو بعض من هذه الأسرار".

وينتقل الشيخ إلى ضرب الأمثلة الفقهيّة، التي هي بحوث تندرج تحت العناوين التكوينيّة، التي لا تخضع لاجتهادات وأهواء المجتهدين، كأقصى مدّة الحمل، وحيض المرأة الحامل، "فهذه مباحث يحكم فيها التكوين الخلقي التي يعود الفصل فيها إلى الطبّ وأهل الاختصاص، الذين يعرفون سرّ هذه الأمور على الوجه العلميّ الدقيق، والذي يعين على تلمس الحدود الشرعيّة التي تنتج منه. وليست هذه العناوين من صميم اختصاص الشّرع، الذي فسح في المجال هنا للعقل والعلم أن يتحرّكا ويستنتجا ويقدّما للناس كلّ رأي يعينهم"، مؤكّداً أهمية التفريق والتمييز بين عالم التشريع والتكوين، كي ينطلق الفقيه للاستفادة في مختلف مجالات التّطبيق في الحياة، وهذا شيء ضروريّ؛ لأنّ الخلط والفهم النّاقص لذلك، يستتبع تعثّراً فقهيّاً وجهلاً بالتّطبيق.

قال الشيخ (ره) مؤكّداً الحقيقة العلميّة والسنن التكوينيّة، التي لا مجال أصلاً لعمل الشرع فيها، فهي خارجة عن تحكّم البشر بها: "باستطاعة الإنسان أن يفهم الحقائق الطبيعيّة ويستغلّها لمصلحته، وله أن يضع لها ما يشاء من الأسماء، ويصفها بما يريد من الأوصاف، وليس له أن يشرّع قوانين وأحكاماً، ثم يفسّر الطبيعة حسب قوانينه وأحكامه، كائناً من كان المشرِّع، لأنّ التّشريع غير التّكوين، والنواميس الطبيعيّة غير الأحكام التشريعيّة. فالكلام عن أقصى مدّة الحمل، وعن المرأة الحامل هل تحيض، أولا تحيض، وما إلى ذلك ليس من مباحث التشريع في شيء.

وقد صرّح بهذه الحقيقة كثير من فقهاء المسلمين، وكرّروها في كتب الفقه وأصوله لشتّى المناسبات، ويؤيّدها قولهم: إنّ القدرة شرط للتكليف، وإنّ قول "افعل" و"لا تفعل" يستدعي استطاعة المكلَّف على الفعل والتّرك. والنواميس الكونية لا تدخل في قدرة المكلّف سلباً، ولا إيجاباً". [المقالات الحقوقية /الشيخ مغنيّة – النشرة القضائيّة، العدد 1953].

قال العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله (رض): "لا ريب في أنّ مجال النشاط الإنساني أوسع من التشريع، بمعنى أن فيه المباحات التي تركها التشريع لاختيار المكلَّف، ولذا فإنّ تجارب الإنسان فيها لن تكون محكومة للتّشريع الإلزامي، ومن ذلك، العديد من تجارب الحركات الإسلاميّة، التي تنطلق من الخيارات الميدانيّة التي لم يتدخّل التّشريع لتعيين واحدة منها بعينها، بل ترك ذلك لاختيار الإنسان أو الجماعة، وهذه المباحات تشمل نواحي عديدة من نشاط الأفراد والمجتمع، بل والدّولة، وهي ما قد يسمَّى بمنطقة الفراغ التي يراد لكلّ مجتمع أو فرد أن يرى فيها ما يصلحه فيعمله، فيخوض تجربة، ثم يرى مدى نجاحها أو فشلها". [سؤال وجواب/ مفاهيم عامّة].

ويركّز السيّد الشّهيد محمد باقر الصدر(رض) على أن المراد من منطقة الفراغ، ليس الإقرار بوجود نقص في التشريع الإسلامي، بقدر ما يراد منها أنّ الشريعة الإسلامية قد تركت هذه المنطقة عمداً؛ لأن إعطاء تشريعات جزئيّة لها، ودون فسح المجال لاختلافات التقادم الإنساني، سيؤدي إلى إيصاد الباب أمام مساعي الإنسان إلى ابتكار الوسائل والأدوات الملائمة لتطوّره الحالي والمستقبلي. [اقتصادنا، ص 689].

وهذا يعني أن السيد الصدر ينفي أن يكون المراد بالفراغ ذلك الشقّ القانوني الكاشف عن العجز وعدم الكمال، وإنما يأتي في إطار التكيّف مع جميع المتغيّرات والمباحات التي تعجز منطقة النصوص عن رصدها واستيعابها، تاركةً هذه المنطقة غير المنصوص على تفاصيلها، وإن كان منصوصاً على مبادئها وموجّهاتها إلى الاجتهاد. [الفراغ التّشريعي في فلسفة الدّولة عند الشهيد الصّدر، ص207].

وعن حدود منطقة الفراغ، يميّز السيّد محمد باقر الصدر حدود منطقة الفراغ التشريعي بين نوعين من علاقات الإنسان :

"العلاقة الأولى: علاقة الإنسان بالإنسان، وهي علاقة ينبغي أن يكون ناظمها ثابتاً لثبات طرفيها، فبقدر سعة العلاقات الإنسانيّة وتباين أشكالها وتمظهراتها، بقدر ما هي ثابتة بثبات طرفيها الموضوعيّين، ولا يمكن أن تتغيّر، كما يرى الصّدر، القوانين الناظمة لهذا النوع من العلاقة، مهما تعقّدت وتوسّعت، وبالتالي، فإنّ الأحكام الإسلاميّة التي شُرِّعت في زمن البعثة، تبقى قادرة على تقديم الحلول لإشكاليّات هذه العلاقة وملابساتها كافّة .

العلاقة الثانية: علاقة الإنسان بالطبيعة: يتباين هذا النوع من العلاقة عن سابقه؛ بكونه يكشف عن عنصرٍ تغييريّ وتطوريّ، لأنّ الإنسان يستفيد من الطبيعة ويوظّفها بحجم تمكنه من استثمار عقله في هذه العلاقة، وبالتالي (يكون من الطبيعي أن تتّصف الصور التشريعيّة الناظمة لعلاقة الإنسان مع الطبيعة بالتغيّر والتطوّر والمرونة). [محمد الحسيني: محمد باقر الصّدر، حياةٌ حافلة، فكرٌ خلاق، ص 428 – 429].

حتى في مجال التشريع، فقد جعل الله تعالى متنفّساً للإنسان كي تلعب تجاربه دوراً في إغناء حياته وتقدّمها نحو الأحسن، بما يتعلّم هذا المخلوق من هذه التجارب ويبني عليها، وهذا المتنفّس يسمى شرعاً منطقة الفراغ، بالمعنى الإيجابي الدافع قدماً لطاقات البشر، فليس التشريع بكلّيته منطقة منعزلة ومنفصلة عن الناحية التكوينيّة، بمعنى أنّ من تكوين الإنسان القابليّة على تفتح مداركه، وتفجّر إبداعاته، بما يساعده على اكتشاف النّواميس، وتحسّس حقيقتها وآثارها.

*ملاحظة: منطقة الفراغ هي المساحة التي أعطاها الله تعالى لرسوله الكريم أن يحكم فيها على طبق المصلحة والمفسدة، فكلّ ما قام به من معاهدات، ومن إدارة شؤون الدولة في المدينة، خاضع للمساحة التي أعطيت له تفصيلاً، وإن كان لا يخرج فيها عن عمومات التّشريع.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة المودّة في القربى للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي براءة الشيعة من الشّرك! فضل الله: نرفض شيطنة الوجود الفلسطينيّ في لبنان منبر الجمعة: 4 تشرين أوّل 2019
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر