اليوم: الخميس21 ذو الحجة 1440هـ الموافق: 22 اغسطس 2019

شعراء الغري

محرر موقع بينات

شعراء الغري

النجفيّات

بقلم علي الخاقاني

صاحب مجلّة (البيان) النجفيّة

الجزء الثامن

محمد حسين فضل الله

المتولّد 1354هـ

هو السيّد محمد حسين بن السيد عبد الرؤوف بن السيد نجيب بن محي الدين الحسني الشهير بآل فضل الله، أديب فاضل، وشاعر مجيد.

ولد في النجف العام 1354هـ، ونشأ بها على أبيه، فلقّنه مقدمات العلوم من نحو وصرف ومعان وبيان ومنطق وفقه وأصول، ولما نضج ونال قسطاً من الإحاطة على صغره، صار يختلف على بعض الحلقات، أمثال حلقة الإمام أبي القاسم الخوئي في الفقه والأصول.

والمترجم له شابّ حدث السنّ، رزق ذكاءً مفرطاً، وحسّاً مرهفاً، وعاطفة جياشة، والتهب قلبه عندما رأى النّور يغمر أشعته على الدنيا، ولاح منه سنا ضعيف على سماء النجف، غير أنه لم يقنع به، بل كان يتمتع بجمال بلده القديم لبنان ومناظره، ويجيش خياله الخصب حينما يقرأ نتاج لبنان الذي أثّر على نفسه وعلى شعره.

شاهدته لأول مرة وهو يلقي قصيدة في جمعية التحرير الثقافي بمناسبة ذكرى يوم الغدير، كنت أتصوّر إشراق صورته وإشراق ديباجته إلى جنب صغر سنّه، إنساناً موهوباً، وشخصاً له قابلية واستعداد يذهبان به إلى مراحل طويلة في الحياة. وعندما أرى القيود التي حفت به، والمثالية التي اتصف بها، والطريق الوعر الذي سار عليه، أرجع فأنعى على المحيط خسرانه لهؤلاء عندما يصدمون بواقع الحياة. وإذ أبديت له إعجابي وإكباري لمواهبه، وواصلت ثنائي وتقويتي لنفسيّته، بعد أن لاقى من عنت الجهلاء والمتمرّدين، والذين لا ينظرون إلى الفضيلة بمنظار الاحترام، صار يركن إلى شخصي بين حين وآخر، ويتصيد الوقت الذي يراني فيه.

سألته يوماً: متى نظمت الشعر؟ فقال: أتذكّر أنّي قلته في العاشرة من عمري، وأوّل قولي:

فمَنْ كانَ في نظمِ القريضِ مفاخر

ففخري طرّاً بالعلى والفضائلِ

ولسْتُ بآبائي الأباةِ مفاخر

ولسْتُ بمَنْ يبكي لأجلِ المنازلِ

فإنْ كنْتُ في نيلِ المعالي مقصّر

فلا رجعَتْ باسمي حداةُ القوافلِ

سأنهجُ نهجَ الصّالحين وأرتدي

رداءَ العلى السّامي بشتَّى الوسائلِ

وأجهدُ نفسي أنْ أعيشَ معزّز

وليسَ طِلابُ العزِّ سهلَ التناولِ

وطبيعي أن هذه السنّ لا يقوى على النظم فيها إلا القلائل من الناس.

أمّا يوم شاهدته يلقي غديريته، فكان في سن السادسة عشرة، وبذلك أصبح مرموقاً في نفسي. والشابّ الشاعر لم يخف حسّه في شعره، فقد ظهر فيه بألوان مختلفة، وبأساليب شتّى، ملاحظاً موقفه من أبيه الذي كفل عيشه، ومراقباً محيطه الذي هو أمامه كريشة في مهبّ الرّيح، وفاهماً أنّ الظروف التي مرت على الأكياس من الناس والمرموقين من السياسيّين، أقعدتهم في حضيرة الانعزال، وهو مع هذا كلّه، كان لا يكتم شعوره تجاه عروبته ودينه ووطنه...

أفهمني روحه النقيّ وذهنه المعتدل من وراء شعره، ونقده لحوزة الدين التي أصبحت خالية من مسؤول وزعيم، وخالية من مدافع وحارس لها، وخواطره التي تطرَّق إليها في رثاء المصلحين وتأبين الزعماء العاملين، ونقده للمتشدقين الذين لم يعرفوا سوى الالتواء سلاحاً، دلّ على يقظته وعمق إحساسه، ولعل أصدق صورة توقفك على رأيي هذا، مرثيته للحجّة كاشف الغطاء، والزعيم الخالد السيّد الأمين، وهو بهذا الاتجاه، فقد عطف بعض المراجع الذين يستطيعون إنعاشه وإنعاش أبيه الذي مرّت ترجمته في ج 5 ص 358، ولكنّه وقد ملأ السّغب جوانبه، والفقر أطرافه، لم يعبأ بذلك على صغره وضعفه، كما قدمنا.

والشابّ الشاعر هو أنبه من رأيت من أقرانه الشّباب الذين لم يقطعوا العقد الثاني، كما تجلّى لي أنه أشعر من رأيت منهم أيضاً، فقد جمع بين رقّة لبنان ولهجة العراق، وبين خيال الأرز وظلّ النخيل، وفهم الحياة فهماً خاصّاً جعله لا يناوئ أفراد مجتمعه وإن اختلفوا معه في الرأي، ولا يبتعد عن الجهلاء وإن احتقرهم في قرارة نفسه، كما لم يمتنع من أيّ تكليف يلقى عليه...

شاعريّته وشعره:

وهو كما قدّمنا، أديب مرهف الحسّ والروح، وذكيّ الفؤاد، تأثّر بأدب بشارة الخوري تأثيراً طغى على أغلب شعره، كما اقتدى بروح الجواهري، فنال من لطفها بعض النفحات، وترى الألفاظ التي اختارها ذات جمال وإشراق.

وإليك فاسمعه في قصيدته المعنونة بـ "الشاعر"، وفيها يصوّر مدى الروح الذي يسمو به مصداق الشاعر الموهوب، قوله:

قصيدة "الشّاعر":

عاشَ مع النّهرِ يغنّي السّم

روائع الإبداعِ من ربِّهِ

حيرانَ - يرنو - في ظلالِ الأسى

إلى ضفافِ الفنّ في جنبِهِ

في هذه القصيدة، تقف على خصوبة أدب وديع، وخواطر إنسانيّة هادئة، وتقرأ روحه الذي أجهده المحيط من جهة، ونبّهه الزمن من جهة أخرى، فدفع به إلى هذا التصوير الفنّي والرّيشة المتقنة.

نماذج من شعره:

قوله، وعنوانها - اللّظى في دمي - رفعها إلى الشَّاعر الذي استنزف المحيط الحقود روحه وقتل مواهبه:

قصيدة "اللّظى في دمي":

اللّظى في دمي وأنت بمن

كَ تغنّي الحياةَ حلمَ اللّقاءِ

تتنزّى الجراحُ من قلبِكَ الدّ

مي ومغناك خافتُ الأضواءِ

قصيدته في رثاء عمّه:

وله، يرثي عمَّه السيّد محمد سعيد فضل الله، وذلك عام 1373ه، قوله:

قلبي على ذكراك يضطربُ

ودمي يوقدُ رثاك يلتهبُ

وخواطري جنّتْ وغاضَ بها

ينبوعُ نورٍ منكَ ينسكبُ

قصيدة "شاعر في زورق":

وله، وعنوانها - شاعر في زورق - قوله:

أشرقَ الصّبحُ في الحياةِ فرفَّتْ

بسمةُ الفجرِ في ثغورِ الأقاحِ

وهفا برعمٌ فرقرقَتِ الأن

داءُ أوراقَه بفيضِ الصّباحِ

في ذكرى الصّادق (ع):

وله من قصيدة في - ذكرى الإمام الصّادق- قوله:

ذكراك فينا ثورةٌ تتجدَّدُ

للفكرِ تستبقُ العصورَ وتخلدُ

ولهاثُ قافلةٍ تلبّدَ أفقُها

بالموحشاتِ فتاهَ عنها المقصدُ

في رثاء السيّد محسن الأمين:

وله، يرثي الزّعيم الدّيني المصلح السيّد محسن الأمين العام 1371 هـ، قوله:

في ذِمَّةِ القَدَرِ المُبيدِ

رُوحٌ تسيرُ معَ الخُلودِ

روحٌ كما رفَّ النّسي

ـمُ أرَقُّ مِنْ لحْنِ القَصيدِ

قصيدة "سنلمح طيفك":

وله، يرثي الحجّة الخالد الذّكر محمد الحسين آل كاشف الغطاء، وعنوانها - سنلمح طيفك - قوله:

غداً عندما ينضبُ الموردُ

ويكشفُ عن صفحتيْه الغدُ

ويجتاحُ هذا الصّدى عاصفٌ

مدلٌّ بقوّتِهِ مربدُ

قصيدة "في هيكل الذّكرى":

وله، وعنوانها - في هيكل الذّكرى - قوله:

وهناكَ حيْثُ وقفْتُ واجمةً

مذهولةً في هيكلِ الذّكرى

واللّيلُ أغفَى فوقَ رابيةٍ

حضنَتْ لديْها الماءَ والزّهر

قصيدة "ذكرى":

وله، وعنوانها - ذكرى - قالها العام 1370 هـ، قوله:

ما روعةُ الفنِّ في إبداعِ شاعرِهِ

وما رؤى الحسنِ في عليا مظاهرِهِ

وما الرّبيعُ وقد رقَّتْ أزاهرُهُ

بالقطرِ يلثمُ ثغرًا من أزاهرِهِ

قصيدة "خاطرة":

وله، وعنوانها - خاطرة - قالها وهو يحاول أن ينظم، ولم تكن برأسه فكرة معيّنة، فكانت هذه المقطوعة:

فراقٌ... وماذا وراءَ الفراقِ

سوى آهةِ الخافقِ الموجعِ

وآلام روحٍ تذيبُ السّنونُ

عليها أماني الهوى الممرعِ

قصيدة "ذهول":

وله، عنوانها - ذهول- نظمها عندما راح يسائل نفسه عن حياته وذكرياته، فلم تجبه بشيء، فقال:

أي يا شاعري لقدْ وجمَ النّ

دي وجفّ النّداء من أعماقي

وارتمَتْ من جوانحي خفقةُ الي

سِ وحمرُ الدّموعِ من آماقِي

قصيدة "مناجاة شاعر":

وله بعنوان - مناجاة شاعر- قوله:

ربِّ إنّي وفي انتفاضاتِ آه

تي جراحٌ وفي حشايَ نصولُ

أتلظَّى بينَ الجحيمِ وفي رو

حي نداءٌ إليكَ كيفَ السّبيلُ

قصيدة "ورجعت أدراجي":

وله، وعنوانها - ورجعت أدراجي - قوله:

هدهدْتُ أحلامي على كَلِمي

ونثرْتُ أفراحي على ألمي

وأثرْتُ من خللِ السّكونِ دجى

قيثارتي، محمومةَ النّغمِ

قصيدة " أنا أهواك":

وله، عنوانها - أنا أهواك - قوله:

ربِّ ما لي أبكي وما لي أغنّي

وحياتي تصدُّ نجواك عنّي

أنا أهواكَ لا لنعماكَ تسته

وي كياني ولا لجنّةِ عدنِ

قصيدة "أنا والحبّ":

وله وعنوانها - أنا والحبّ - قوله:

خفقَ القلبُ عندما شامَ برقُ ال

حبِّ يستهدفُ النّفوسَ الحزينة

وترامَى على الضّلوعِ مِن الوجدِ

يناجي أحلامَهُ وشجونَه

قصيدة "ربّ رحماك":

وله، عنوانها - ربّ رحماك - قالها العام 1369هـ وهو في غمرة صوفيّة كانت تعتاده، فراح يناجي ربّه بآلامه وآماله:

ربِّ رحماكَ إنَّ روحيَ تذوي

وفؤادي يذوبُ شيئاً فشيَّ

وأراني أعيشُ في غمرةِ الأوْ

هامِ ظمآنَ لا أرى لي ريَّ

قصيدة "خلقت رقيقًا":

وله، وعنوانها - خلقت رقيقاً - قوله:

خلقْتُ رقيقًا كأنَّ الإلهَ

يراني من نسمةٍ ناديَه

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة فضل الله في يوم الغدير: نحياه بالوحدة ورفض الفتنة زيادة عدد الصّهاينة الذين يتعلمون اللّغة العربيّة! الإسلام يزداد انتشاراً بين النساء في كوبا الحقد.. والحسد! يوم الغدير: يوم تثبيت الإيمان بخطِّ أهل البيت (ع) منبر الجمعة: 16 آب 2019م دراسة تحثّ على منع الهواتف وتشجيع الرياضة عيد الأضحى عيد الأسرة المسلمة نخاف على مصير البلد ما لم يبدأ السعي الفعلي للحلّ سُبُل الاستقامة ومعالمها
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر