اليوم: الجمعة19 صفر 1441هـ الموافق: 18 اكتوبر 2019

هل الدّين مشكلة لبناء المواطنة؟

السيد جعفر فضل الله

موضوع الدّين والتديُّن وعلاقته بالمواطنة أمرٌ يشغل بال المفكّرين في مجال الاجتماع السياسي، وهو في الوقت عينه، خاضع للكثير من الالتباسات عندما نريد أن نفكّر عمليًّا – لا نظريًّا تجريديًّا – في صوغ الحلول لمشاكلنا الّتي لانزال نعيش فيها القلق وعدم الاستقرار في أنظمتنا السياسية.

ولنبدأ بتوضيح المصطلحات:

أوّلًا: ما هو الدّين؟

الدّين هو الطريقة والمنهج والمفردات التي تضبط علاقة الإنسان مع ربّه ومع النّاس والحياة. والدّين في بُعده الفكري الاعتقاديّ ليس وحيًا فردانيًّا لكلّ شخصٍ منّا، بل هو تعاليم تمّ إبلاغُها لأنبياء أوصلوها إلى البشر؛ وهنا دخلَ استكشاف الدّين في ظروف البشر، بحيث تؤثّر فيه كلُّ العوامل المؤثّرة في تشكّل المعرفة؛ لنخلص في نهاية المطاف إلى أنَّ الدّين – من ناحية عمليّة – هو ما تمثّله اعتقادات المتديّنين وقناعاتهم بتصوّرات أفكارهم عن العالَم والوجود (العقيدة)، وما يريده الله تعالى منهم (الشريعة)، استنادًا إلى أدبيّات الدّين واجتهادهم في فهمها.

ثانيًا: ما هي المواطنة؟

المواطنة هي الصّيغة المرتبطة بالعيش في مجالٍ جغرافيّ محدَّد يسمّى وطنًا، يعيش فيه مجموعة من النّاس يشكّلون مواطنين، وهي – أي المواطنة – خاضعة لرؤية وجوديّة، تنبثق منها مجموعة من البناءات النظرية تشكّل الدستور، وتاليًا القوانين التي تضمن تحقيقها في حياة النّاس.

الأسئلة التي تطرحُ نفسها هنا هي التالية:

ما هي نوعيّة العلاقة بين الدّين والمواطنة؛ هل هي علاقة تصادُم أم حوار؟ وإذا كان حواريًّا، فلمن الأولويّة عند الاختلاف؟ وإذا قُلنا إنَّ الأولويّة هي للدّين، فهل ثمّة مرونة وانفتاح في إمكانيّة التوصّل إلى لقاء على أرض مشتركة؟ وإذا قُلنا إنَّ الأولويّة للمواطنة، فهل تقوم المواطنة على الثّورة على الدّين على غرار ما حصل في مجالات اجتماعيّة أخرى؟ وفي كلِّ ذلك، ما هو دورُ الخبرة البشرية المتراكمة في مقاربة الدّين، أو حتّى في مقاربة المواطنة؟

يبدو هنا أنّ الأسئلة أكبرُ من أن نعالجها في ندوة مهما طالَت، وهي أسئلة تندرج في إطار القضايا الكبرى التي تهمّ الإنسان تاريخيًّا وحاضرًا، ولكنَّ هذا لا يمنعُنا من أن نضع بعض الأفكار التي يمكن – بنظري – البناء عليها في أيّ حراك فكري يحاول اجتراح إجابات عن هذه الأسئلة.

طبعًا، من موقع انتمائي إلى الإسلام، ما أطرحُهُ يمثّل – في كثيرٍ من أوجهه - وجهة نظر إسلامية، وإن كانت لا تُعدم الصّلة بالفضاء العامّ الذي قد ينفع المقاربات من زوايا دينية مختلفة.

وسأطرح ذلك في نقاط سريعة:

النقطة الأولى: النظرة الخاطئة إلى الدّين

بالعودة إلى تعريفنا الواقعي العملي السّابق للدّين، بأنّه اعتقادات المتديّنين وقناعاتهم بتصوّرات أفكارهم عن العالَم والوجود (العقيدة)، وما يريده الله تعالى منهم (الشريعة)، استنادًا إلى أدبيّات الدّين واجتهاداتهم في فهمها، فإنّ من الخطأ النظر إلى الدّين على أنّه شيء مغلق جامدٌ ناجزٌ، فهو إذ يمثّل اجتهادات علماء الدّين، فإنّ هذا الاجتهاد متأثّر حكمًا بالفضاءات الفكرية والمناهج والمعطيات المتوفّرة في زمانٍ معيَّن، وبالتالي، فإنَّ من الممكن من الناحية العلميَّة، أن ينفتح الاجتهاد على تعديلٍ في الفضاء الفكري العام الذي يحكم تفكير العقل، وتغييرًا في المناهج نتيجة الاقتناع بضعفها عن المواكبة للمتغيرات، وكذلك بتوفّر معطيات جديدة تفرزهما الخبرة والبحث البشريّان في شتّى ميادين العلوم.

وهذا الأمر ليس نظريًّا، وإنّما نفهم على أساسه لماذا يختلف الفقهاء والعلماء في فهمهم لهذا الحكم أو لهذه الفكرة، أو في بنائهم لهذه النظرية أو تلك، فليس ذلك إلا لاختلاف استعدادات النّاس وثقافاتهم والمعطيات المتوفّرة بين أيديهم وغيرها.

هذا الأمر ذاتُهُ لا يمنع غير المنتمين إلى الدّين من مقاربته أيضًا إذا امتلكوا أدواتِ فهمه. ليس المطلوب هنا التخصُّص، ولكنّ الفضاء الفكري العام يسمح للمنشغلين في حقول المعرفة – بالدّرجة الأولى – أن يثيروا الأفكار والأسئلة والإشكاليّات أمام أيّ فكرٍ مطروحٍ، ولا يملك هذا الفكر المطروح إلا أن يجيب عنها، وهذا في حدّ ذاته انفتاحٌ موضوعيّ في الحوار حول قضايا الدّين، وقد يساهم في انفتاح الأفق الفكري بشكل وبآخر.

النقطة الثانية: استبعاد الدّين وشرطيّة التحرّر

ينظَّر دائمًا أنّ الغربَ قام بثورة على الدّين كشرطٍ من شروط تحرّره، وهذا – بالدّقة – صحيح إذا عنونّاه بعنوان الثّورة على السلطة الدّينية السّائدة في العصر الذي سبق الثّورة، وهنا نتحدّث عن تجربة بشريّة للمتديّنين، وعن أفكارٍ مرحلة من مراحل الزّمن لديهم، وعن نوعٍ من الانغلاق في التجربة الدينية نفسها، ولذلك ما شهدناهُ من تحرّر في الغرب، كان في جانبٍ منه إعادة إنتاج الفكر الدّيني نفسه، وليس ثورة على الدّين.

لكنَّ الحقيقة التي يجب مواجهتها اليوم، هي أنَّ هذا الأمر لم يلغِ الحاجة إلى الدّين في أبعاده المتنوّعة، وإنّما أصبحنا أمام تشكّلٍ لأديان جديدة، ولكن بمسمّيات حديثة؛ لأنّه طالما أنّ الإنسان لا يمكن أن يعمل من دون رؤية وفلسفة وفضاء فكريّ ومنهج وأفكار منجزة لديه، فإنّه لا يمكنه أن يكون موجودًا في حركة الحياة من دون دينٍ يدينُ به؛ وبذلك، فإنّ الذين يتخذون من "الإنسانية" مذهبًا عمليًّا للتشريع وإدارة شؤون الحياة، أو النيوليبراليّة التي تنعكس على الأخلاق والسلوك البشري والنشاط الاقتصادي والسياسي وما إلى ذلك؛ كلُّ ذلك هو دينٌ بالمعنى العملي، وإن لم يكن كذلك بحسب المسمّى التقليدي.

وبالتالي، فما يجبُ اليوم الإطلالة عليه، هو في حجم الجدل الفكري الدّائر حول الأسئلة الكبرى التي لاتزال مطروحة بين المفكّرين في الغرب، بعيدًا من سيطرة نموذج فكري معيّن، زاحفٍ على صهوة التطوّر التقني الملقي بإحساس عالمي بأنَّ كلَّ ما يطرحه هذا النموذج ناجزٌ وغير قابل للمناقشة.

النقطة الثّالثة: نموذج المواطنة الحديثة

على ضوء النقطة السابقة، فإنّه ليس ما يمنع من افتراض أنَّ مفهوم المواطنة ليس مفهومًا ثابتًا، وبالتّالي هو خاضع لرؤية وفلسفة، وقد يطرحُ كثيرًا من جدليّات تمظهراته الحديثة بين القمع المستتر والحرّية الظاهريّة في إطار الدّولة الحديثة، فضلًا عن الجدل في إمكانية اعتماد مفهوم واحدٍ لكلّ المجتمعات، بكلّ خصوصيّاتها الظرفية والاجتماعية.

قد نجد أنّ الموضوع يشبه الاختلاف في الأنظمة السياسية التي تحكم البلدان اليوم، وفي طبيعة العلاقة بين المؤسسات الكبرى التي تدير شؤون النّاس فيها، فهناك أنظمة متعدّدة، وهناك مؤسّسات متنوّعة، وطبيعة العلاقة فيما بينها تتبع طبيعة المرحلة التاريخيّة والظروف المجتمعية.

النقطة الرابعة: الحوار المفقود

فيما يرتبط ببلدنا، ما هو مفقودٌ، هو الخروج من الأحكام المسبقة التي تنظر بانغلاق إلى طرفي المعادلة التي يطرحها عنوان المداخلة، أعني الدين والمواطنة؛ لأنّه إذا كنّا نتحدَّث عن تجربة بشريّة هنا وهناك، فإنّ الحوار، وحتّى الصراع الفكري، هو الذي يمثّل التكامل الطبيعي الذي يمكن أن يخطّط للنموذج الذي يجب اعتماده كناظم للعلاقات بين الخصوصيّات الثقافية للوجود الإنساني.

أيّها الأحبّة؛ لا نستطيع أن ننكر حقيقة، وهي أنَّ الإنسان يعبّر عن نفسه بالخصوصيّات، فالإنسان الفردُ يولد في زمنٍ معيَّن، وفي مكانٍ محدَّد، وضمن أسرة ينتمي إليها برابطة الدّم، وهو ابنُ بيئة طبيعية واجتماعية، ولديه أفكار معيَّنة حول القضايا التي تهمّه في الحياة، وهو ذو شكلٍ وشخصيّة وتفاعُل... والإنسان المجتمع لديه ثقافة محدَّدة، وهي مجموع الأفكار والعادات والتقاليد وما إلى ذلك.. وبالتالي، فإنّ الاستبعاد القسري لكلّ ذلك، يمثّل فرضًا على الإنسان ليخلع تلك الخصوصيّات من دون أيّ تبرير منطقي؛ حيث التبرير المنطقي هو قناعة جديدة، والقناعة الجديدة تنبع من معطيات يذعنُ لها الإنسان بخصوصيَّاته، وهذا يفترض الحوار، ولا شيء غير الحوار.

واسمحوا لي أن أقول في نهاية المطاف، إنّ السماح بإيجاد حالة صراعيّة بين أتباع الأديان والاتجاهات الرافضة للأديان، نتيجة استيراد الإشكاليّات التي دفعت الغرب لاعتماد حلوله تاريخيًّا وحاضرًا، يمثّل خطأً استراتيجيًّا؛ لأنَّ هذا سيسمح بتكريس المنزلقات التالية:

أ‌- سيشكّل فرصة للقوى السياسية المسؤولة عن الفساد والإفساد، سواء الداخلية أو الخارجية، في تثبيت مواقعها، عبر استثمار الصّراع الموجود، على طريقة إشغال الناس بجدليّات لا تنتهي.

ب‌- تفويت فرصة على الانخراط الدّيني وغير الدّيني في مشاريع نضاليّة لإعادة الاعتبار إلى مجموعة من القيم الدينيّة الإنسانيّة التي ستفرض حكمًا تصحيح الوضع فيما يرتبط بسلامة عمل المؤسَّسات والمعايير التي على أساسها تقيّم السياسات المتعلّقة بمصالح عيش المواطنين جميعًا.

ت‌- تمزيق ورقة من أوراق القوَّة في صوغ الضّمير الإنساني تربويًّا لتحقيق سلامته من الفساد، والذي يمكن أن تقوم به التربية الدينيّة الحقيقيّة.

ث‌- إلغاء دائرة التفاعل الإيجابي الذي يسمح بالتغيير والتطوير بين المكوّنات الثقافية، الدينية وغيرها، بما يؤدي إلى حالات تعصّب وانغلاق لدى تلك المكوّنات، وخصوصًا في ظلّ ارتفاع منسوب الخوف على الهويّات.

ج‌- الاستقالة من التفاعل الحضاريّ الذي قد يمكّننا من الإضافة إلى التجربة البشريّة العالمية، تجاه الدّين أو صيغة إدارة الحياة، لصالح الذهنيّة الفاقدة للثقة بالذّات، والمستوردة لا للحلول فقط، وإنّما للمشكلات المنتمية إلى مجالات أخرى قد لا نعيشها بالضّرورة.

وأخيرًا، كلّ الشّكر للجهة الدّاعية والمنظّمة لهذا اللّقاء، والذي نرجو أن يثير حالة انفتاحيّة بين مكوّنات المجتمع اللّبناني، من أجل استثمار التنوّع في تجاوز الأزمات الكثيرة المتراكمة؛ والله وليّ التوفيق.

* كلمة ألقاها سماحته في مدينة بعلبك، في اللّقاء الحواريّ الّذي عقدته "رابطة النشاط الإنمائي"، بالاشتراك مع "منتدى التنمية والثقافة والحوار"، وبالتّعاون مع اتحاد بلديّات بعلبكّ، تحت عنوان "دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة"، بتاريخ 15 ذو الحجّة 1440 هـ/ الموافق: 16 آب 2019م.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة المودّة في القربى للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي براءة الشيعة من الشّرك! فضل الله: نرفض شيطنة الوجود الفلسطينيّ في لبنان منبر الجمعة: 4 تشرين أوّل 2019
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر