اليوم: الأربعاء17 صفر 1441هـ الموافق: 16 اكتوبر 2019

لماذا لا تتزوَّج المسلمة غير المسلم؟

محرر موقع بينات

سؤال افتتح به طه سليمان عامر، رئيس هيئة العلماء والدّعاة في ألمانيا، مقالته عن موضوع بات موضع نقاش في الساحة العامَّة، وبخاصّة في الغرب، ويستدعي إضاءة على الجواب الإسلاميّ عليها.

يقول الكاتب إنّ أحد الشباب بادره يوماً قائلاً: إنّ زوجتي الألمانية تسألني: لماذا يجوز للمسلم أن يتزوّج غير المسلمة، ولا يجوز للمسلمة أن تتزوّج غير المسلم؟ أليس إجحافاً؟ ثم باغَتِني غيره، لماذا يَحجز الدّين بين المُحبّين؟ ألم يقل الرّسول (ص): "لم يُر للمتحابّين غير الزواج؟ قلت بلى.. لقد قال ذلك حقّاً، لكن على رِسْلك.

وبعد تعرّض الكاتب للعقد الزوجي وما يعنيه، يقول إنّه حتى نفهم توجهات الأمم والشعوب ومسالكها في الحياة، يجب أن نعود إلى الأصول التي تحرّكها وتقود حركتها وخياراتها، وإذا أردنا معرفة أسباب تحريم زواج المسلمة من غير المسلم، يجب أن نعود إلى جملة من القواعد الحاكمة والأصول الثابتة وندرك أبعادها جيّداً، فالزواج في الإسلام- في أصله- ميثاق ديني، فالوحي ينشئه ويضع قواعده وحدوده، وليس قانوناً من وضع البشر.

فالناظر هنا يجد أنّ الله تعالى لم يترك تشريع بناء الأسرة ونظامها ودستورها وأحكامها لأهواء النّاس واجتهاداتهم، أو لتغيّر الزمان والبيئات والظروف والأحوال، أو لما تستحسنه عقولهم أو تستقبحه، وإلا انهارت وتحلَّلت، كما هو مشاهد حاليّاً في بقاع واسعة من العالم.

وفي أدلّة التحريم يقول: أجمع الفقهاء قديماً وحديثاً على تحريم زواج المسلم من مشركة، وعلى تحريم زواج المسلمة من مشرك، قال تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}[البقرة: 221].

والاختلاف قائم حول زواج المسلم بكتابيّة، فهناك من العلماء مَن منع لاعتبارات عديدة، والرّاجح الجواز لعموم الآية المُبيحة، مع الضّوابط المعلومة، والمسألة تتعلّق بالفتوى أكثر من الحكم، وليس محلّ بحثها حاليّاً.

سيقول قائل: لن تتزوّج المسلمة بمشرك إنما بكتابي، فأين دليل الحرمة؟ نقول: أباح الله زواج المسلم من أهل الكتاب بعد تحريم زواج المشركة بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}[المائدة: 5].

ولو لم تنزل هذه الآية، لبقى التحريم والحظر عامّاً على المسلم، ما يعنى تحريم الزّواج من المشركة والكتابية على السواء، لكن لمَّا ثبت تخصيص المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، ولم يثبت تخصيص الرجال من أهل الكتاب، بقي النهى والتحريم على أصله وإطلاقه في حقّ المسلمة، وهذه نقطة مركزيّة في فهم دليل التّحريم.

والمستفاد هنا: كون النزاع دائراً فيمن أسلمت قبل زوجها، فمتقضى ذلك: أنّ الأصل عدم صحة زواجها منه ابتداءً. يقول الشيخ فيصل مولوي (ره) في بحثه القيّم "إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه": "الإجماع منعقد فعلاً بين جميع المذاهب السنية الأربعة والظاهرية مع الشيعة الجعفرية والزيدية، ولم نسمع ما يخالف ذلك عن أحد من العلماء المجتهدين، أنّ المسلمة لا تحلّ لغير المسلم.....".

باختصارنقول: أوّلاً: إن التربية الإسلامية المنشودة ليست كلمات نردّدها بألسنتنا، ولا حركات نقوم بها بجوارحنا، إنما هى حال وسلوك وخلق واستقامة وقدوة كاملة، فكم من والد مسلم لا يُصدق حالُه مقالَه، فيفقد التّأثير في أبنائه، فكيف يُقَدم غير المسلم لأولادنا القدوة في مقتضيات أحكام الإسلام وتعاليمه؟ هل يُعقل أن يُعلم مُدرّس لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر عقيدة التّوحيد للطلاب؟ سيكون عبثاً في عبث.

ثانياً: إنّ أحكام الإسلام عامّة منضبطة بعلّة واضحة، ولا تصمَّم لأفراد، كذلك قوانين الدول التي تسري على المواطنين، تتعامل مع الظّواهر المنضبطة، ولا علاقة لها بما تخفي الصدور، ولماذا نلحظ الكفاءة في المستوى التعليمي والاجتماعي ولا نلحظه في الدِّين وهو أَوْلى؟!

نقول هناك فرق بين المساواة والعدل، فالمساواة ليست هى العدل دوماً، وفي حالتنا نقول المساواة تكون تجاوزاً للنصوص الواضحة، وبناء بيت على أرض هشّة تفقد مقوّمات الزواج المستقرّ الذي يتحقّق معه مقاصده، وليس من المساواة أن يعترف الزّوج المسلم بدين زوجته الكتابيّة، ويحترم الرسل الكرام، ثم نبيح زواج مسلمة لرجل يجحد كتابها ودينها ورسولها.

ويختم مقالته بالقول "إنّ دورنا مع من تزوّجت بغير مسلم هو البيان والبلاغ والنّصح والتوجيه ومخاطبة العقول والقلوب والأرواح، فمن عصى وشرد عن سبيل المؤمنين، فله علينا حقّ النصح الخالص دون عنف أو قطيعة أو محاصرة، والقلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء... وعلى أسرتها مع استنكار فعلتها أن تعاملها بالحكمة، وبالفقه النبويّ في التعامل مع المخطئ مهما عظم جرمه، وأن يعينوها على تمسّكها بدينها هي وأولادها، وأن يبقوا على صلتهم بها، وأن يتجنّبوا أيّ سلوك يعقّد الأمر، ويحدث الفتنة، ويقطع الرّحم".

وحتّى نجنّب أبناءنا الفتنة يقول: "علينا أن نحسن تربية أبنائنا تربية واعية ناضجة تستمدّ من العلم من يعينها، وتستلهم من تجارب الآخرين الناجحة ما يسدّدها، وتعتمد على الله تعالى أولاً وآخراً، ولا يخفى أثر الصحبة على مذاهب الشّباب في الحياة، فلتحرص الأسرة المسلمة على المناشط التربويّة والتعليمية التي تقيمها المؤسّسات الإسلامية في أوروبا، وعلينا معاشر الدعاة والمربين والقائمين على إدارة المساجد والمؤسّسات الإسلامية، دور كبير في تطوير مضمون الخطاب الموجه للشّباب، وتبنّي خطّة التحصين والوقاية منذ الصّغر، وغلق أبواب الفتنة بمشروعات عمليّة لإعفاف الشباب".

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله (رض) سُئل في عدة مواضع حول زواج المسلمة من غير المسلم، وأجاب عن ذلك بأنّ الحرمة قطعيّة وثابتة، ولا مجال فيها للاجتهاد والتبديل، فالحكم الشرعي قد نظر إلى اعتبارات عديدة. يقول:

"هناك حكم شرعيّ حاسم بالنّسبة إلى المسلمين جميعاً سنّةً وشيعةً، وهو أنّ المسلمة لا شرعيَّة لزواجها من غير المسلم، هذا الأمر ليس محلاً للاجتهاد ولا للجدل، وتعتبر العلاقة، سواء كانت بالزّواج المدني أو بأيِّ نوع آخر من الزّواج، كالزواج الكنسي، علاقة غير شرعيّة، والأولاد يعتبرون غير شرعيّين.

وهذه مسألة لا حلّ لها، باعتبار أنّها مسألة مركَّزة على أساس شرعيّ لدى المسلمين جميعاً، وليست مسألةً تختصّ بالشيعة أو بالسنة، وليس فيها أيّ مجال للاجتهاد، بينما لو فرضنا أن شخصاً مسلماً أراد أن يتزوَّج مسيحيةً أو يهوديةً، فهناك جدلٌ فقهي في أنّه هل يجوز للمسلم أن يتزوَّج الكتابية أو لا يجوز؟

رأي الكثير من الفقهاء، وخصوصاً الفقهاء الشِّيعة، وهذا رأيي الشّخصي، ورأي السيد أبي القاسم الخوئي، والسيد الحكيم وكثير من العلماء، أنّه لا مانع من ذلك، ويفسِّر بعضهم جواز تزوّج المسلم بالكتابية، بأنّ الإسلام من الناحية الدينية يعترف بالديانتين النصرانية واليهودية، ولذا قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ}(آل عمران/64)، وفي آية أخرى أيضاً يقول تعالى: {وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ...}(المائدة/5). فالمسيحيَّة عندما تعيش مع المسلم، تعيش مع الإنسان الذي يعترف بدينها، وإن كان يختلف معها في بعض تفاصيل هذا الدِّين، وكذلك اليهودية، فهو من النَّاحية العقيدية يعتقد بشرعيّة دينها، بينما الأمر مختلف بالنّسبة إلى المسيحي، إذ يمكن أن يكون إنساناً طيباً أو إنساناً متسامحاً من النَّاحية الذاتية الشخصيَّة، لكنَّه لا يعتقد بشرعيَّة الإسلام بالمعنى الدّينيّ، ولا يعترف مثلاً بأنَّ القرآن الكريم هو كتاب مُنـزل من الله عزَّ وجلّ، ولا بأنّ محمّداً نبيّ، بل إذا أراد أن يعظِّم النبي، يقول رجل عبقري أو رجل بليغ، فهو لا يعترف للمسلمة بدينها". [من حوارات العام 2007].

ويقول في موضع آخر: "من الثّابت في الشّرع حرمة زواج المسلمة من غير المسلم. ولعلَّ الحكمة في ذلك، أنَّ الإسلام يعترف بالدّيانات والرّسالات السّابقة، في حين لا يعترف المسيحي، بحسب ما يلتزمه، بالإسلام، فالرَّجل المسلم الّذي يتزوّج مسيحيّة، يحترم دينها، بخلاف المسيحيّ ما لو تزوّج مسلمة، إضافةً إلى أنّ تبعيّة الأولاد، من حيث انتمائهم الدّينيّ، تكون للأب، كما أنّ التّأثير داخل الأسرة يكون عادةً للرّجل لا المرأة".[استفتاء].

هذه الموضوعات الاجتماعيّة والدينية لا بدّ أن تبقى في مجال بحث العلماء، وليست في الفضاءات العامّة التي يمكن أن تفسّرها أو تفهمها بمنظار خاصّ، "فإنّ دين الله لا يصاب بالعقول".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي براءة الشيعة من الشّرك! فضل الله: نرفض شيطنة الوجود الفلسطينيّ في لبنان منبر الجمعة: 4 تشرين أوّل 2019 أسهر حتى طلوع الشّمس ولا أصلّي؟!
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر