اليوم: الجمعة19 صفر 1441هـ الموافق: 18 اكتوبر 2019

الزواج المختلط في السويد والغرب

د. يحي أبوزكريّا

يلجأ الكثير من العرب والمسلمين إلى الزَّواج من فتيات سويديَّات أو غربيَّات للحصول على الإقامة الدّائمة وتأكيد البقاء في الغرب، والحصول بعد ذلك على الامتيازات الاجتماعيّة التي توفّرها المؤسسات السويدية والغربيّة للمواطنين والمقيمين بطريقة شرعيّة.

وقد حدث أن طلَّق بعض العرب والمسلمين زوجاتهم، وارتبطوا بغربيّات، بعد أن أغراهم الجمال السويدي أو الغربي، وكانت النتائج فظيعة فيما بعد. وتحت السقف الواحد، تبدأ التناقضات تتصادم، والخلفيات الثقافية والاجتماعيّة تتضارب، وقد تفضي في أغلب الأحيان إلى الطلاق، وعندها، قد تطلب المرأة السويدية أو الغربيّة من دوائر الهجرة طرد هذا الأجنبي الذي اتخذ من الزواج مطيّة للحصول على الإقامة.

وفي حال استمرار الزواج وتواصله، فإنّ الإحصاءات أكّدت أنّ معظم أولاد المرأة الغربيّة ينشأون وهم لا يتقنون اللّغة العربية أو اللغة الفارسية أو التركيّة – لغات الآباء -، كما أنّ المسلكيّة الأخلاقيّة والاجتماعيّة والثقافية للأبناء تكون غربيّة خالصة، فربّ فتاة من أب فلسطيني وأمّ سويدية تعيش كما تعيش أيّ فتاة سويدية، ترتبط بأيّ عشيق، وتتصرّف بحريّة مطلقة دون قيود، ولا يملك الأب أيّ سلطة على ابنته، ويكفي اتصال هاتفي واحد بالدّوائر الاجتماعيّة، ليصبح الأب مطروداً من البيت، وإذا كان الآباء المسلمون لا يملكون توجيه بناتهم أو أولادهم من أمهات عربيّات ومسلمات، فما بال القارئ بالأولاد من أمهات سويديات أو غربيّات؟!

وبعض الزيجات التي صمدت إلى حدٍّ ما، هي زواج بعض العرب من سويديّات مسلمات، واللائي اعتنقن الإسلام، ومع ذلك، تنشب بعض الخلافات، وخصوصاً أنّ السويدية المسلمة على سبيل المثال، تحتفظ في لا شعورها بثقافتها الخاصّة، والعربي أو المسلم قد تصدر عنه بعض التصرّفات التي لا تنسجم مع روح الحضارة العربيّة والإسلاميّة.

وفي مجال الزّواج المختلط، فانّ الذي يدفع الضريبة بشكل كبير هم الأولاد، الذين يتأرجحون بين ثقافتين متغايرتين، وبين مسلكيّتين في الحياة لا تلتقيان. وعلى سبيل المثال، فانّ الأطفال المتبنّين الصغار الذين استقدمتهم عوائل سويديّة متمكّنة ماديًّا من سريلانكا والفيتنام والبلدان الفقيرة، ورغم أنّهم تربّوا في كنف ثقافة سويديّة خالصة، إلّا أنّ هؤلاء الأطفال، وبعد أن كبروا، باتوا يتساءلون عن هويتهم وثقافتهم وجذورهم وحقيقة الحضارة التي ينتمون إليها، فما بالك بأطفال تتولّى توجيههم ثقافتان، منهجان في الحيّاة؟!

وحسب معلومات دقيقة، تبينّ أنّ المنهج الذي يؤثّر في الأبناء أكثر من غيره، هو منهج الأمّ، باعتبار أنّ ثقافة الأمّ لها مستند في الواقع السويدي أو الغربي، ويلعب الأقرباء والأهل دوراً كبيراً في تعميق الانتماء الفكري إلى المجتمع الغربي، فيما الأب يكون غريباً، ويقضي معظم أوقاته في العمل، بينما الأطفال يعيشون تفاصيل الواقع والثقافة السويدية والغربيّة في المدرسة والبيت وبقيّة الأمكنة، وقد تسنَّى لي أن ألتقي بأطفال لا تربطهم بالحضارة العربيّة والإسلاميّة غير الاسم، فيما مضامينهم ومسلكيّتهم وثقافتهم سويدية وغربيّة قحّة .

وغالباً ما ينتهي الزواج المختلط بالطلاق، وها هنا يتعلق الأبناء بوطن أمّهم، باعتبار أنّهم لا يعرفون شيئاً عن وطن أبيهم، لأنّ هذا الأب العربي والمسلم حدّث بنيه عن وطن ديكتاتور، عن وطن فوضويّ، عن وطن سجّان، عن وطن بوليسيّ، باعتبار أنّ العديد من الآباء العرب والمسلمين، إنّما هاجروا إلى الغرب لدوافع سياسية أو اقتصادية، وكلّ ناقم على وضعه العربي والإسلامي، وفي الوقت الذي يتحدّث الأب عن وطن مرعب، فإنّهم يرون بأمّ أعينهم وطناً يوفّر لهم الأمن والطمأنينة والسلام، ويوفّر لهم راتباً من الصّغر يتيح لهم شراء حاجياتهم. وفي هذا المجال، يصبح الوطن الحقيقيّ لهؤلاء الأبناء هو السويد وبقيّة العواصم الغربيّة، فيما يعيش الأب على أمل الرجوع إلى وطنه لصقل شخصيّة أولاده، لكن الزمن يغالبه، فيجد أمامه أبناء من صلبه بيولوجيّاً، وثقافيّاً من صلب الحضارة الغربيّة.

وحتى إذا حاول هذا الأب العربي والمسلم أن يهرب بأبنائه إلى العالم العربي والإسلامي، فانّ العواصم الغربيّة وضعت من القوانين ما به تسترجع حتى القطّة الغربيّة المهرّبة إلى العالم العربي والإسلامي، وخصوصاً في ظلّ الضعف الرسمي العربي، وغياب مؤسسات عربية وإسلاميّة جادة تحصّن الأسرة العربيّة والإسلاميّة في الغرب .

*من منشورات د. يحي أبوزكريّا.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة المودّة في القربى للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي براءة الشيعة من الشّرك! فضل الله: نرفض شيطنة الوجود الفلسطينيّ في لبنان منبر الجمعة: 4 تشرين أوّل 2019
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر