اليوم: الجمعة19 صفر 1441هـ الموافق: 18 اكتوبر 2019

حكم الغيبة ومعناها

محمد عبدالله فضل الله

الغِيبة، وجذرها اللّغوي "غَيَبَ". الغين والياء والباء أصل صحيح، يدلّ على تستّر الشّيء عن العيون، ومنه اشتُقّت الغيبة، التي هي اسم مصدر على وزن فِعْلَة، وهي الوقيعة في النَّاس، لأنّها لا تُقَال إلاّ في غَيْبَة. (ابن فارس، مقاييس اللّغة، ج 4).

أمّا المعنى الاصطلاحي، فقد قال الجُرجاني في تعريفاته: الغِيبَة: بكسر الغين، أن تذكر أخاك بما يكره، وذكر مساوئ الإنسان في غيبته وهي فيه، وإن لم تكن فيه فهي بُهتان، وإن واجهه بها فهو شَتم. (الجرجاني، معجم التعريفات).

يقول العلّامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله عن تعريف الغيبة وبعض أحكامها:

"الغيبة هي ذكر الأخ بما يكره من العيوب مع عدم حضوره، وهي من كبائر المحرَّمات. قال تعالى: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ}.

الغيبة، كما قلنا، هي ذكر عيب مستور في الشخص المغتاب، وهي حرام، ومن كبائر المعاصي والمحرَّمات، وتجوز في حالات عديدة، أهمّها حالة النصيحة، كما في مثل حالة الزّواج أو الشّراكة في تجارة أو نحو ذلك. والأفضل تجنّب الغيب، حتى لو كانت جائزة في بعض الموارد". [استفتاءات].

"إن اغتاب إنسان إنساناً آخر، فيجب عليه الاستغفار والتّوبة من ذلك، وإن اغتيب أخوه المؤمن في حضوره، فعليه نهي المغتاب وردّ غيبة أخيه ومناصرته. فلا تجوز غيبة المسلم إلا المتجاهر بالفسق، وإلا ما يكون للتّناصح، وإلا للمظلوم انتصاراً من ظالمه".[استفتاءت].

أمّا السيد أبو القاسم الخوئي، فيقول عن الغيبة ومتعلقاتها من أحكام: "من كبائر الذنوب الغيبة، وهي: أن يذكر المؤمن بعيب في غيبته، سواء أكان بقصد الانتقاص، أم لم يكن، وسواء أكان العيب في بدنه، أم في نسبه، أم في خلقه، أم في فعله، أم في قوله، أم في دينه، أم في دنياه، أم في غير ذلك مما يكون عيباً مستوراً عن النّاس، كما لا فرق في الذّكر بين أن يكون بالقول، أم بالفعل الحاكي عن وجود العيب، والظاهر اختصاصها بصورة وجود سامع يقصد إفهامه وإعلامه، كما أنّ الظاهر أنه لا بدّ من تعيين المغتاب، فلو قال: واحد من أهل البلد جبان لا يكون غيبة، وكذا لو قال: أحد أولاد زيد جبان. نعم، قد يحرم ذلك من جهة لزوم الإهانة والانتقاص، لا من جهة الغيبة، ويجب عند وقوع الغيبة التّوبة والنّدم، والأحوط - استحباباً - الاستحلال من الشّخص المغتاب- إذا لم تترتب على ذلك مفسدة - أو الاستغفار له.

وقد تجوز الغيبة في موارد، منها :

المتجاهر بالفسق، فيجوز اغتيابه في غير العيب المتستّر به، ومنها: الظالم لغيره، فيجوز للمظلوم غيبته، والأحوط- استحباباً- الاقتصار على ما لو كانت الغيبة بقصد الانتصار لا مطلقاً. ومنها: نصح المؤمن، فتجوز الغيبة بقصد النصح، كما لو استشار شخص في تزويج امرأة فيجوز نصحه، ولو استلزم إظهار عيبها، بل لا يبعد جواز ذلك ابتداءً بدون استشارة، إذا علم بترتّب مفسدة عظيمة على ترك النصيحة. ومنها: ما لو قصد بالغيبة ردع المغتاب عن المنكر، فيما إذا لم يمكن الرّدع بغيرها. ومنها: ما لو خيف على الدّين من الشخص المغتاب، فتجوز غيبته، لئلا يترتّب الضّرر الدّيني.

ومنها: جرح الشّهود. ومنها: ما لو خيف على المغتاب الوقوع في الضّرر اللازم حفظه عن الوقوع فيه، فتجوز غيبته لدفع ذلك عنه. ومنها: القدح في المقالات الباطلة، وإن أدّى ذلك إلى نقص في قائلها، وقد صدر عن جماعة كثيرة من العلماء القدح في القائل بقلّة التدبّر، والتأمّل، وسوء الفهم، ونحو ذلك، وكأن صدور ذلك عنهم لئلا يحصل التهاون في تحقيق الحقائق، عصمنا الله تعالى من الزّلل، ووفقنا للعلم والعمل، إنه حسبنا ونعم الوكيل.

وقد يظهر من الروايات عن النبي والأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام) :أنه يجب على سامع الغيبة أن ينصر المغتاب، ويردّ عنه، وأنّه إذا لم يردّ، خذله الله تعالى في الدنيا والآخرة، وإنّه كان عليه كوزر من اغتاب". [منهاج الصالحين، ج 1].

حكم الغيبة: هناك إجماع بين الفقهاء على حرمة الغيبة، لكونها من الكبائر. [الخميني، الأربعون حديثاً، ص 350؛ الشهيد الثاني، كشف الربية، ص 50].

وقد ذكر أهل السنّة والجماعة "أن الغيبة حرام بإجماع أهل العلم، كما نقل ذلك النووي.

واختلف العلماء في عدّها من الكبائر أو الصغائر، وقد نقل القرطبي الاتفاق على كونها من الكبائر، لما جاء فيها من الوعيد الشديد في القرآن والسنّة، ولم يعتد رحمه الله، بخلاف بعض أهل العلم ممن قال بأنها من الصغائر .

والقول بأنها من الكبائر هو قول جماهير أهل العلم صاحب كتاب العدة، والخلاف في ذلك منقول عن الغزالي.

وقد فصّل ابن حجر محاولاً الجمع بين الرأيين، فقال: فمن اغتاب وليّاً لله أو عالماً، ليس كمن اغتاب مجهول الحالة مثلاً.

وقد قالوا: ضابطها ذكر الشّخص بما يكره، وهذا يختلف باختلاف ما يقال فيه، وقد يشتدّ تأذّيه بذلك". [موقع صيد الفوائد].

بعد الذي تقدّم، لا بدّ من الحذر والتنبّه من الوقوع في الغيبة التي توقعنا في دائرة غضب الله تعالى وسخطه.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة المودّة في القربى للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي براءة الشيعة من الشّرك! فضل الله: نرفض شيطنة الوجود الفلسطينيّ في لبنان منبر الجمعة: 4 تشرين أوّل 2019
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر