اليوم: الأربعاء24 صفر 1441هـ الموافق: 23 اكتوبر 2019

الحاجة إلى علم الرّجال‌

المرجع السيّد أبو القاسم الخوئي

لقد ثبت بالأدلّة الأربعة ـ القرآن والسنّة والعقل والإجماع ـ حرمة العمل بالظنّ، وأنه لا يجوز نسبة حكم إلى الله سبحانه ما لم يثبت ذلك بدليل قطعي، أو بما ينتهي إلى الدّليل القطعي، وناهيك في ذلك قوله سبحانه: {آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ}.

دلت الآية المباركة على أن كل ما لم يثبت فيه إذن من الله تعالى، فنسبته إليه افتراء عليه سبحانه، كما ثبت بتلك الأدلة أن الظن بنفسه لا يكون منجزاً للواقع، ولا معذراً عن مخالفته في ما تنجز بمنجز، ويكفي في ذلك قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، وقوله تعالى: {وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً}.

وأما الروايات الناهية عن العمل بغير العلم: فهي فوق حد الإحصاء، ففي صحيح أبي بصير: «قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنّة، فننظر فيها؟ فقال: لا، أما إنّك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله«.

ثم إنه لا ريب في أنّ العقل لا طريق له إلى إثبات الأحكام الشرعية، لعدم إحاطته بالجهات الواقعية الداعية إلى جعل الأحكام الشرعيّة. نعم، يمكن ذلك في موارد قليلة، وهي إدراك العقل الملازمة بين حكم شرعي وحكم آخر، كإدراكه‌ الملازمة بين النهي عن عبادة: كالصّوم يوم العيدين وفساده.

وأما الكتاب العزيز: فهو غير متكفّل ببيان جميع الأحكام، ولا بخصوصيات ما تكفل ببيانه من العبادات، كالصّلاة والصوم والحج والزكاة، فلم يتعرّض لبيان الأجزاء والشرائط والموانع. وأما الإجماع الكاشف عن قول المعصوم (عليه السلام)، فهو نادر الوجود.

وأمّا غير الكاشف عن قوله (عليه السلام)، فهو لا يكون حجّة، لأنه غير خارج عن حدود الظنّ غير المعتبر.

والمتحصّل: أن استنباط الحكم الشّرعيّ في الغالب لا يكون إلا من الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم. والاستدلال بها على ثبوت حكم شرعيّ يتوقّف على إثبات أمرين:

الأوّل: إثبات حجيّة خبر الواحد، فإنّا إذا لم نقل بحجيّته، انتهى الأمر إلى الالتزام بانسداد باب العلم...

ونتيجة ذلك هو التنزل في مرحلة الامتثال إلى الامتثال الظني، أو القول بحجيّة الظنّ في هذا الحال، على ما ذهب إليه بعضهم.

الثاني: إثبات حجيّة ظواهر الروايات بالإضافة إلينا أيضاً، فإنّا إذا قلنا باختصاصها بمن قصد بالإفهام، وإنهم المخاطبون فقط، لم يمكن الاستدلال بها على ثبوت حكم من الأحكام أصلاً.

وهذان الأمران قد أشبعنا الكلام فيهما في مباحثنا الأصوليّة، ولكن ذكرنا أنّ كلّ خبر عن معصوم لا يكون حجة، وإنما الحجّة هي خصوص خبر الثقة أو الحسن. ومن الظاهر أن تشخيص ذلك لا يكون إلا بمراجعة علم الرّجال ومعرفة أحوالهم وتمييز الثقة والحسن عن الضعيف.

وكذلك الحال لو قلنا بحجيّة خبر العادل فقط، فإن الجزم بعدالة رجل أو الوثوق بها لا يكاد يحصل إلا بمراجعته.

هذا، والحاجة إلى معرفة حال الرّواة موجودة. حتى لو قلنا بعدم حجية خبر‌ الواحد، أو قلنا باختصاص حجية الظهور بمن قصد إفهامه، فانتهى الأمر إلى القول بحجية الظن الانسدادي أو لزوم التنزل إلى الامتثال الظني، فإن دخل توثيق علماء الرّجال رواة رواية في حصول الظنّ بصدورها، غير قابل للإنكار.

ومن الغريب ـ بعد ذلك ـ إنكار بعض المتأخّرين الحاجة إلى علم الرجال بتوهّم أنّ كلّ رواية عمل بها المشهور فهي حجّة، وكلّ رواية لم يعمل بها المشهور ليست بحجة، سواء أكانت رواتها ثقات أم ضعفاء.

فإنه مع تسليم ما ذكره من الكلية ـ وهي غير مسلمة، وقد أوضحنا بطلانها في مباحثنا الأصوليّة ـ فالحاجة إلى علم الرّجال باقية بحالها، فإنّ جملة من المسائل لا طريق لنا إلى معرفة فتاوى المشهور فيها، لعدم التعرّض لها في كلماتهم، وجملة منها لا شهرة فيها على أحد الطرفين، فهما متساويان، أو أنّ أحدهما أشهر من الآخر، وليست كلّ مسألة فقهيّة كان أحد القولين أو الأقوال فيها مشهوراً، وكان ما يقابله شاذّاً.

بل الحال كذلك حتّى لو قلنا بأنّ صدور روايات الكتب الأربعة قطعي، فإنّ أدلّة الأحكام الشرعية لا تختصّ بالكتب الأربعة، فنحتاج ـ في تشخيص الحجة من الروايات الموجودة في غيرها عن غير الحجّة ـ إلى علم الرّجال.

*معجم رجال الحديث، ج1 / ص19 ـ 21.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة هل هرب فتية الكهف من الواقع؟ العربيّة ثالث لغة في أستراليا منبر الجمعة: 18 تشرين أوّل 2019 المودّة في القربى للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر