اليوم: الجمعة22 جمادى الأول 1441هـ الموافق: 17 يناير 2020

معنى ولاية أهل البيت (ع)

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

للولاية في الخطّ العقيدي الإسلامي دور القاعدة الفكريّة الحركيّة في معنى القيادة الّتي تختصر كلّ المفردات الإسلامية في حركة الواقع على الخطّ المستقيم. إنّ مضمون الولاية ينفتح على الله من حيث هو الربّ الخالق الرازق المالك المهيمن، وعلى الرسول (ص) من حيث هو الحامل لرسالة الله سبحانه وتعالى، العامل على تأكيدها في الوعي والواقع، وعلى الأئمة (ع) من حيث هم الأمناء على الرّسالة في حمايتها من الانحراف في خطّ النظرية والتطبيق، وتحريكها على صعيد الواقع في أكثر من اتجاه.

في هذا المضمون، نجد القضيّة تلتقي مع حاجة الإنسان الذي قد يتخبط في المتاهات، وقد يبتعد عن عمق الصفاء في إنسانيّته، لا سيّما في خطوات الشيطان التي تعمل على إغراقه في الوساوس الشيطانية التي تؤدي به إلى الاهتزاز والقلق والحيرة والانحراف.

ولا شكّ أن هذا الإنسان يسقط أمام التحدي، إذا لم يعش الشعور العميق بوجود القوة المهيمنة الهادية التي تحميه وتقوّيه، وتوحي إليه بأنها معه دائماً حتى في أشدّ الحالات صعوبةً، وهذا ما يحسّ به الإنسان في ولاية الله الذي يخرجه من الظلمات إلى النور، ويراه في كل مواقع حياته ويهديه إلى الصراط المستقيم.

أما ولاية الرسول (ص)، فإنّ دورها هو تحديد الخط الصحيح الذي تلتقي فيه البداية بالنهاية، في وضوح كامل يتميز بالصفاء والصدق، وينفتح على الحق الذي لا ريب فيه، من خلال الإيمان بأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يُوحى، فقوله هو الحق، وفعله هو الخطّ، ومنهجه هو المنهج الصّحيح الذي يقود الإنسان إلى السعادة والنجاة، وشريعته هي الشّريعة المشتملة على كلّ حاجات الإنسان الروحيّة والحياتيّة، وعلى كلّ تطلّعاته الخيّرة في الحياة، وقيادته هي القيادة الحكيمة التي تحرِّك التّطبيق الدقيق في خطّ النّظرية.

أمّا ولاية الأئمة (ع)، فهي أنهم الدعاة إلى الله، الأدلاء على سبيله، والمرجعيات المعصومة عن الخطأ والانحراف، التي يطمئنّ الإنسان إلى الحق في كلماتها وسيرتها، ليجد فيها المنقذ من الضلال، وليتحرّك معها في الخط الإسلامي الأصيل.

إنّ قيمة الولاية في خط الرسالة والإمامة، أنها تلاحق الإنسان في مفاهيمه وحركيته لتمنحه الوضوح في الخطّ، والسّداد في الرأي، والسلامة في الحياة، والاستقامة في الطريق، والرعاية في الحركة، في خطواته السّائرة إلى الله سبحانه. ولذلك، فإن الارتباط بها يحمي الإنسان من الانحراف، ويقوده إلى الصّراط السّوي، ويمنحه الحنان الذي يتخفّف فيه من أثقال الحياة التي تثقل روحه وترهق نفسه، فيحسّ معها بالحاجة إلى القيادة التي تربطه بكلمات الله، وتوحي له بالحقيقة في كلّ متاهات الشبهات.

فكيف نفهم ولاية أئمة أهل البيت (ع) في خطّ التّطبيق من خلال الارتباط الولائي بهم في الالتزام بنهجهم واتّباعهم؟

إنّ هناك نقطة لا بدّ لنا من أن نفهمها جيداً، وهي أنّ الولاية ليست حالة عاطفيّة تربط الإنسان بالشخص في عملية حبّ ينبض بها القلب، وتنفتح فيها الرّوح، ويخفق فيها الشعور، تماماً كما هو الحبّ الذاتي عندما يحبّ الإنسان إنساناً، فيستغرق في صفاته الذاتيّة بعيداً عن خطّه الفكري أو العملي في حركة الرّسالة، كما يتحرّك فيه الكثيرون من الناس الذين كانت علاقتهم بالنبي وبالأئمة علاقة حبّ مستغرق في الذات، فهم ينفتحون على أشخاصهم وفضائلهم وشؤونهم في دائرة العظمة الذاتيّة، بحيث تكون الرسالة جزءاً من أمجادهم، فالرسالة صفة ذاتيّة في الرسول، ترفع مكانته في النفوس، والإمامة عنصر حيويّ في ارتفاع درجة الإمام.

ومشكلة هؤلاء أنهم لا ينظرون إلى الرّسالة في حياة الرسول والإمام من حيث هي المسألة الموضوعيّة الأصيلة، التي ارتفعت بالرّسول في روحيته وفكره وحياته، وفتحت للإمام آفاق المعرفة الواسعة والروح القدسي المنفتح على وحي الله.

ذلك أن الرسالة كانت محور حركة النبي في دعوته وخطه، في كل مسيرته الممتدّة في حياة الإنسان، في الزمن كلّه من بعده، وكانت محور حركة الإمام في تأهيل الفكر الإنساني، على أساس تأكيد المفاهيم الإسلامية الرسالية، وتقويم خطواتها في الطريق، وفي الإشراف القيادي على امتداد الرسالة في حياة الناس، وسط التيارات المضادّة في الأجواء المحيطة بالإسلام والمسلمين، لتمنعها من التأثير في الفكر الإسلامي، وفي الصورة التي يتمثلها المسلمون في وعيهم الثقافي وحركتهم الشخصيّة والاجتماعيّة والسياسية والاقتصادية والأمنية، وفي مسؤوليّاتهم في مواجهة مهمّاتهم الكبيرة على خطّ الإسلام.

إن الولاية الرسولية أولاً، والإمامية المنطلقة من ولاية الرّسول ثانياً، هي الأساس في دور الرّسول والإمام، بالمعنى الّذي يجعل الرسالة كلّ شيء في الدور، فهي التي تحكم معنى الذّات في وجودهما.

ولذلك، لا بدّ من أن يكون الارتباط بالرّسول والإمام من خلال الارتباط بالإسلام كقاعدة أساسيّة في مضمون الحبّ، ومعنى الاتباع، وامتداد العلاقة، بحيث يتحدّد مستوى الحبّ بالحدود التي تضعها الرّسالة في ارتباط العاطفة بالرموز الدينية، فلا غلوّ بالدرجة التي تصل إلى الحدّ الذي يقترب من صفات الألوهيّة، التي ترتفع بالرمز ليكون إلهاً من الدرجة الثانية.

ولعلّنا نستوحي هذا الرّفض من هذا التأكيد الحاسم المتكرّر في أكثر من آية على بشريّة الرسول (ص)، بحيث تركّز على بعض نقاط الضّعف البشريّة في الرّسول، بما لا يتنافى مع موقع العصمة في شخصيّته، ولا يسيء إلى مكانة النبوّة في دوره.

وقد جاء في الحديث عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع): "أحبّونا حبّ الإسلام".

ومعنى ذلك، أن الحبّ للرسول والأئمة (عليهم الصلاة والسّلام)، لا بد من أن يكون منطلقاً من الإسلام في مضمونه العاطفيّ، فلا يبتعد عن حدوده، ومتحركاً في خطّ الإسلام، من حيث إنهم يمثّلون فكره وقيمه وخطّه ومنهجه، ليكون الارتباط بهم لوناً من ألوان الارتباط بالإسلام، فلا نفصل بينه وبينهم، ولا نبتعد عنه في التزامنا بهم (عليهم الصّلاة والسلام).

وفي ضوء ذلك كلّه، يبرز سؤال: كيف يمكن أن نتمثل الولاية في حياتنا العملية في المرحلة المعاصرة التي تتحرّك فيها حياتنا؟

هل يكفي التشديد على إثارة ذكرياتهم والفرح في مناسبات أفراحهم، أو الحزن في مناسبات أحزانهم، والتركيز على الحديث عن فضائلهم وكراماتهم، والاستغراق في الأجواء العاطفية المرتبطة بهم، ليكون ذلك كله هو المظهر الحي لارتباطنا بهم؟

إننا نتصور أن الولاية في علاقتنا بأهل البيت (ع) تتمثّل في الالتزام بالإسلام كله، عقيدةً وشريعةً ومنهجاً في حركتنا في الحياة، وذلك باعتباره رسالتنا التي نحملها إلى العالم، لنعمّق الالتزام الإنساني به في مواجهة التيارات المضادّة التي تقف من الإسلام موقفاً سلبياً في ساحة الصراع، على مستوى الصراع الثقافي والاجتماعي والسياسي، كما تقف من قضايا المسلمين موقفاً استكبارياً محارباً، فذلك هو الذي يمثله النهج الرسالي للرسول (ص) وأهل البيت (ع)، لأنّ قضيّة الإسلام والمسلمين هي قضيّتهم الأولى، ولأنّ دورهم هو أن يربطوا النّاس برسالة الله، لا أن يربطوهم بأشخاصهم، في عمليّة استغراق في الذات بعيداً من أصالة الإسلام في الوعي، بحيث يشمل الكيان كلّه في انفتاحه على الله، ليكون الله كلّ شيء في العمق الوجودي للإنسان، وتكون قيمة الرّسول (ص) في وعينا أنّه رسول الله، وقيمة أهل البيت (ع) أنهم أولياء الله، حتى لا ننسى الله عندما نذكرهم، ولا ننسى الإسلام عندما نلتفت إلى خطّهم، فليس هناك خطّ للولاية خارج عن نطاق الإسلام في قيمه الفكرية والروحية والأخلاقية.

وهناك نقطة حيويّة أخرى، وهي أنّ علينا أن ننفتح على أصالة التراث الإسلامي الفكري الذي تركه أهل البيت (ع) لنقوم بدراسته وتوثيقه وتنقيته من كلّ الشّوائب العالقة به مما وضعه الوضّاعون، وكذب فيه الكذّابون، فلعلّ بعضها يكون مكذوباً عليهم من قبل بعض الناس الذين كانوا يضعونها على لسانهم، فينسبونها إليهم زوراً وبهتاناً.

وقد حذّرنا الأئمّة (ع) من ذلك، ودعونا إلى عرض الأحاديث على كتاب الله، وقالوا: إنّ ما خالف قول ربنا لم نقله، وما خالف كتاب الله فهو زخرف، لأنّ القرآن هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلم يقترب إليه التحريف، ولم يستطع المحرّفون أن يفرضوا كلمة واحدة عليه في مدى التاريخ، لذلك نرى القرآن واحداً لدى المسلمين جميعاً، فليس لأية طائفة من المسلمين قرآن مختلف عن قرآن طائفة أخرى، فهو مظهر الوحدة الإسلاميّة في الكتاب الواحد، إضافةً إلى الربّ الواحد والرسول الواحد والعقيدة التوحيدية والشريعة الشاملة.

*من كتاب "في رحاب أهل البيت"، ج 1.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة قضاء الحاجات قيمة رسَّخها القرآن أضرار اليمين الكاذبة وشهادة الزّور! فضل الله مستقبلاً رئيس مركز حوار الأديان في أستراليا أهميّة النّظافة منبر الجمعة: 10 كانون الثاني 2020 ما الفرق بين الدّيمقراطية والشّورى؟ السّكينة صفة المؤمنين كيف أتخلّص من مشكلة الخجل؟! القرآن.. والحديث القدسي.. والمصحف عدد المسلمين في بريطانيا يتخطّى الـ 3 ملايين
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر