اليوم: الاثنين13 شعبان 1441هـ الموافق: 6 ابريل 2020

سلبيَّات الدَّعوة المثاليَّة إلى الوحدة

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

إذا أردنا التوقّف عند ملامح الدعوة المثاليّة إلى الوحدة، وتوقّفنا عند النقاط السلبيّة في أسلوبها العملي، فإنّنا نجد فيها ملامح الدّعوة التي تحلّق في الفضاء ولا تتحرّك على الأرض، لأنَّ من أبسط القضايا التي يجب أن ندركها، هي أنَّ التاريخ المعقّد الذي عاش المسلمون مشاكله الدّامية، وأساليبه المتخلّفة، ومواقعه القلقة، لا يمكن إلغاؤه بخطبة بليغة أو حركة سريعة، لأنَّ الرّواسب التي يتركها في الأعماق من مشاعرو أفكار وتعقيدات، تخلق حاجزاً نفسياً مقدَّساً ضدّ الفريق الآخر، وتنقل الصّورة في منهج التفكير من موقع الاجتهاد في فهم العقيدة أو الشّريعة ـــ الّذي يفسح المجال لاجتهاد آخر مخالف له، على أساس إمكان اختلاف وجهات النظر في فهم المسألة الواحدة ـــ إلى موقع التّأكيد على نفي الإسلام عن الفريق الآخر، لأنَّ الخصوصيّة تحاصر الشّموليّة، والجزئيات تطوّق الكلّيات.

وبذلك يتحوَّل المذهب إلى دين مميَّز، تماماً كالدِّين الذي يتميَّز عن دينٍ آخر، ويعود الارتباط بالشخصيات الإسلامية ـــ سلباً أو إيجاباً ـــ عنصراً من عناصر تحديد الشخصية الإسلاميّة فيمن هو المسلم أو فيمن هو غير المسلم.

فإذا التقيت بالواقع في الحاضر، فستجد أنَّ الفرز المذهبي قد تحوَّل إلى حالة طائفية تشبه الحالة العشائرية في أفكارها وعواطفها ومواقعها ومواقفها السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وأصبح لهذه الحالة مصالحها الخاصّة في مواجهة كلّ فريق للفريق الآخر، ما جعل الشخصيّة الضيّقة تتعمَّق أكثر في الانحراف عن خطّ الوحدة، استناداً إلى امتيازات مزعومة لهذا الجانب أو ذاك، بعد أنْ كان الانقسام يتمحور حول الأفكار والمقدَّسات.

وهكذا رأينا أنَّ العلاقة بين الطوائف قد تحوَّلت إلى ما يشبه العلاقة بين الدول، فلكلّ منها منطقته الخاصّة التي لا يجوز للآخرين التدخّل في شؤونها أو الامتداد إليها، ولكلّ منها أوضاعه الداخليّة التي لا يجوز المساس بها من الفريق الآخر.. وهكذا أصبح للساحة أحاسيسها الملتهبة التي يمكن أن تشعل الحريق لأوّل بادرة نزاع أو خلاف.

وتدخّلت المحاور السياسية في الساحة، على المستوى الإقليمي أو الدولي، ما جعل الجانب المذهبي يدخل في الحسابات السياسية كأداةٍ من أدوات التفجير هنا، أو كوسيلة من وسائل تسليط الأضواء هناك، وذلك من خلال سياسة التخويف التي تتحوّل إلى لون من ألوان الخوف المتبادل الذي يثيره هذا المحور أو ذاك، لتكون النّتيجة أنْ تتحرَّك الحالة السياسيّة لتفرز حالة مذهبيّة، ويتطوَّر الخلاف السياسي ليتحوّل إلى خلاف مذهبي، ودون أن تُعرَف طبيعة العلاقة بين هذا وذاك، إلا من خلال الحساسيّات الذاتية التي يحاول الكثيرون تحويلها إلى حساسيّات طائفية.

هذه هي بعض ملامح الواقع الذي تحرَّك من التّاريخ إلى الحاضر، وتطوّر حتّى أصبح صورة من صور تعليب الشخصيّة الإسلاميّة في داخل العلبة الطائفيّة، بحيث لا يشعر الإنسان معها أنَّه يتفاعل مع روح الإسلام فيها بقدر ما يتفاعل مع أحقاد الطائفة وحساسيّاتها. والسؤال: كيف يمكن لنا أن نهمل ذلك كلّه أو نتناساه في حركة الوحدة الإسلاميّة؟ وهل يمكن أن نحقِّق خطوة واحدة إلى الأمام في مثل هذه الساحة؟

*من كتابِ "أحاديث في قضايا الاختلاف والوحدة".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة فضل الله: نقدّر للحكومة نجاح الخطوة الأولى في إعادة المغتربين حسن الظّنّ بالله فضل الله: لدعم القطاع الطبي الذي يواجه خطر الفيروس العقوبة والعدل اللإلهي ظلم إنسانيّ أم إرادة ربّانيّة؟! مؤسّسة السيّد فضل الله وزّعت 200 حصة غذائيّة في منطقة صور تداعيات التّسويف على حياة الإنسان فضل الله: لتضافر الجهود ومساعدة الفقراء لحمايتهم الاستغفار.. باب التّوبة والعودة إلى الله
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر