اليوم: السبت23 جمادى الأول 1441هـ الموافق: 18 يناير 2020

بين الأشاعرة والمسيحيّة

الشَّاعر عبدالله علي الخميس ـ الأحساء

إنّ النصارى يؤمنون بالتثليث والوحدانية في آن واحد، لأنهم يقولون: «باسم الأب والابن والروح القدس إلهاً واحداً»، فكيف يمكن الجمع بين الوحدانية والتثليث، كيف يكون الواحد ثلاثة، والثلاثة واحداً؟

وأجاب المسيحيون أنفسهم عن ذلك بأنّ العقيدة فوق العقل، وهم يربون صغارهم على ذلك، ويقولون لهم: إذا لم تفهموا هذه الحقيقة الآن، فإنّكم سوف تفهمونها يوم القيامة .

وبهذه المناسبة، نشير إلى أن الأشاعرة من المسلمين قالوا: إن الله قد أراد الكفر به من العبد، ومع ذلك يعاقبه عليه. فإذا كان قول النصارى: الثلاثة واحد غير معقول، فإن قول الأشاعرة: الله يفعل الشّيء ثم يعاقب عبده عليه غير معقول أيضًا .

أما المسلمون، فيؤمنون ايماناً جازماً بأنّ كلّ ما يقرّه العقل يقرّه الدين، وما يرفضه العقل يرفضه الدّين، ويروون عن نبيّهم أنه قال: أصل ديني العقل.

وإنّ رجلاً سأله عن معنى البرّ والإثم، فقال له: "استفت قلبك، البرّ ما اطمأنت إليه النفس، واطمأنّ إليه القلب، والإثم ما حاك في النّفس، وتردّد في الصّدر، وإن أفتاك النّاس وأفتوك ."

{قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعً}[المائدة: 17]. هذه الآية من أقوى الرّدود على المسيحيّين، وأصدق الأدلة على عدم ألوهيّة المسيح، لأن الله سبحانه إذا ملك القدرة على هلاك المسيح، فلا يكون المسيح، والحال هذه، إلهاً، وإن لم يملك الله القدرة على هلاكه، فلا يكون الله إلهاً، والمفروض أنه إله، فيكون قادراً على هلاك المسيح .

وربّ قائل يقول: إن هذه الآية لا تصلح ردّاً على النصارى، فضلاً عن أنها من أصدق الأدلة، لأنها دعوى مجرّدة عن الدليل، فللنصارى أن يقولوا: إن الله لا يقدر على هلاك المسيح، ولا المسيح يقدر على هلاك الله، لأنّ كلاً منهما إله؟.

الجواب: إن المسيحيين متفقون قولاً واحداً على أن اليهود قد صلبوا المسيح وآذوه وأماتوه وقبروه تحت الأرض، وعلى ذلك نصّت أناجيلهم، منها ما جاء في إنجيل متّى إصحاح 27 رقم 50: «وصرخ أيضاً يسوع بصوت عظيم وأسلم الرّوح». وما جاء في إنجيل لوقا إصحاح 23 رقم 46: «ونادى يسوع بصوت عظيم قائلاً: يا أبت في يدك أستودع روحي، ولما قال هذا أسلم الروح». وما جاء في إنجيل يوحنّا إصحاح 19 رقم 33 و 34: «وأما اليسوع، فلما انتهوا إليه ورأوه قد مات، لم يكسروا ساقيه، ولكنّ واحداً من الجند فتح جنبه بحربة، فخرج للوقت دم وماء»، أي خرج من جنب المسيح بعد موته. وإذا كان اليهود قد أهلكوا المسيح، فبالأولى أن يقدر الله على هلاكه وهلاك أمّه .

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ}[المائدة: 18]. إن قولهم هذا تماماً كقولهم الذي حكاه الله عنهم في الآية 111 من سورة البقرة: {وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى}. وتجدر الإشارة إلى عقيدة الإسلام التي تقول: لا فضل لإنسان على إنسان إلا بالتقوى، وإن النطق بكلمة الإسلام من حيث هو، ليس بشيء إلا مع العمل الصالح .

{قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ}. وتسأل: إن هذا لا يصلح جواباً لليهود والنصارى عن زعمهم بأنهم أبناء الله وأحبّاؤه، لأنّ لهم أن يقولوا: إن الله لا يعذّبنا في الآخرة، وإذا لم يكن لديهم دليل محسوس على عدم عذابهم في الآخرة، فلا دليل محسوس أيضاً على عذابهم في ذلك اليوم؟ .

الجواب: إن المراد بالعذاب ما يعمّ عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، والله سبحانه قد عذّب اليهود في الدنيا على يد الفراعنة وبختنصر والرّومان وغيرهم .

أما عذاب النصارى فهو أدهى وأمرّ، لأنه في الدنيا كان بمحاربة بعضهم بعضاً، وتنكيل بعضهم ببعض. وبديهة أنّ الأب لا يعذّب أبناءه، والمحبّ لا يعذّب أحبّاءه .

أمّا الدليل على عذابهم في الآخرة، فقد أشار إليه سبحانه بقوله: {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ} لا تمتازون عن غيركم في شيء.. "كلّ الناس من آدم، وآدم من تراب"، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله). {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ}، ممن يراه أهلاً لمغفرته {ويُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ}، ممن يراه مستحقّاً لعذابه، وليس لأحد أن يفرض عليه الغفران، أو يمنعه من العذاب .

{وللهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُم}، لأنّه خالق الكون، ومن كان كذلك فهو غنيّ عن الأبناء والأحباء، {وإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}. وهناك يعلم اليهود والنصارى أنهم أبغض عباد الله لله، وأكثرهم عذاباً على افترائهم الكذب بأنهم أبناء الله وأحبّاؤه .

{يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ}، أي بعد انقطاع الوحي أمداً من الزمن، واحتياج النّاس إلى الأنبياء والمرشدين، قال الإمام عليّ (عليه السلام): «بعثه والناس ضلَّال في حيرة، وخابطون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى من زلزال في الأمر، وبلاء من الجهل، فبالغ (ص) في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة» .

{أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ}، ولم يترك الله لكم حجّة ولا معذرة، وهذه الآية بمعنى الآية 165 من سورة النّساء :{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ومرّ تفسيرها.

{والله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. يقدر على نصرة محمّد (ص)، وإعلاء كلمة الإسلام، وإن جحده اليهود والنصارى.

*من كتاب "تفسير الكاشف"، ج3.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة قضاء الحاجات قيمة رسَّخها القرآن أضرار اليمين الكاذبة وشهادة الزّور! فضل الله مستقبلاً رئيس مركز حوار الأديان في أستراليا أهميّة النّظافة منبر الجمعة: 10 كانون الثاني 2020 ما الفرق بين الدّيمقراطية والشّورى؟ السّكينة صفة المؤمنين كيف أتخلّص من مشكلة الخجل؟! القرآن.. والحديث القدسي.. والمصحف عدد المسلمين في بريطانيا يتخطّى الـ 3 ملايين
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر