اليوم: الخميس3 رجب 1441هـ الموافق: 27 فبراير 2020

اختلاف الناس في عيسى (ع)

الشيخ محمد جواد مغنية

اختلف الناس في أمر عيسى اختلافاً شديداً، اختلفوا في أصل وجوده، واختلفوا في طبيعته، واختلفوا في موته.. فمن قائل: لا وجود له إطلاقاً، وإنما هو بطل أسطوري، ظهر هذا القول في ألمانيا وفرنسا وإنكلترا في القرن التاسع عشر، وهو أسخف من السّخف، لأنّه تماماً كقول من ينفي الطوائف المسيحية والإسلامية التي تؤمن بالمسيح.. ومن قائل: إنه إله، وقائل: بل هو إنسان، وقائل: هو إله وإنسان في وقت واحد، وقالت اليهود فيه وفي أمّه ما يهتزّ له العرش .

واختلف المسلمون فيما بينهم، فقال أكثرهم: إنّ المسيح لم يمت، وإنه حي في السماء، أو في مكان ما بجسمه وروحه، وإنه يخرج في آخر الزمان إلى الأرض، ثم يتوفاه الله بعد ذلك الوفاة الحقيقيّة.. وقال كثير من المسلمين: إنّه مات حقيقة، وإن الذي ارتفع إلى السماء روحه، لا جسمه .

وسبب هذا الاختلاف بين المسلمين هو اختلاف ظاهر النصّ، فالآية 158 من سورة النساء تقول: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمً}[النساء: 157، 158]. وهذه الآية ظاهرة في أنّه حيّ، إضافةً إلى أحاديث نبويّة في معناها. ولكن الآية 117 من سورة المائدة تقول: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ}.. وقريب منها الآية التي نحن بصددها، وهي: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}[آل عمران: 55]. فإن المتبادر من الوفاة هو الموت، وإن المعنى الظاهر أني مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع، كما قال في إدريس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّ}[مريم: 57]. وكما قال في الشّهداء: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}[آل عمران: 169].

والذين قالوا: إن عيسى حيّ بجسمه وروحه أوّلوا ( توفّيتني، ومتوفّيك) بوجوه، أرجحها - نسبيّاً - أنّ القصد هو التشبيه بالوفاة، لا الوفاة الحقيقيّة، لأنه إذا رفع إلى السّماء، فقد انقطعت علاقته بالأرض، وصار كالميت .

أما الذين قالوا: إنه مات حقيقة، فقد أوّلوا {وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولكِنْ شُبِّهً لَهُمْ}، بأنّ اليهود لم يقتلوا مبادئ عيسى وتعاليمه بقتله وصلبه، ولكن خيِّل إليهم أنهم قد قضوا على تعاليمه بذلك، مع أنها مازالت قائمة، وستبقى إلى يوم يبعثون .

ونحن نميل إلى القول الأول، وأن عيسى حيّ رفعه الله إليه بعد أن توفّاه بنحو من الأنحاء - غير الموت - نميل إلى هذا بالنّظر إلى ظاهر الآية، وإلى ما روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من طريق السنّة والشّيعة أنه مازال حيّاً..

ومع هذا، فلا نرى أية فائدة من التحقيق والتدقيق في هذا الموضوع، لأنّ الايمان بكيفية وفاته ورفعه ليس من أصول الدين، ولا المذهب، ولا من فروعه في شيء، وإنما هو موضوع من الموضوعات الخارجيّة لا تتصل بحياتنا من قريب أو بعيد.. والله سبحانه لا يسأل الناس غداً ويقول لهم: بيّنوا كيف توفّيت عيسى؟ وكيف رفعته؟.. إن ما يجب علينا الإيمان به هو أن عيسى نبيّ مرسل من الله، وأنّه خلق بكلمة من الله، وأن أمّه قدّيسة.. هذا، إلى أن البحث في هذا الموضوع لا ينتهي بالباحث إلى الجزم واليقين بكيفية وفاته، ولا بكيفيّة رفعه، فالأولى إيكال ذلك إلى الله سبحانه.

{إِذْ قالَ الله يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إِلَيَّ}. بعد أن صمّم اليهود على قتل عيسى، ودبّروا الأمر لذلك، بشّره الله بنجاته منهم، وإبطال مكرهم وكيدهم، وأنه لن يقتل، ولن يصلب، بل يتوفّاه الله حين انتهاء أجله وفاة طبيعيّة، وأنه تعالى سينقله إلى عالم لا يناله أحد فيه بأذى، ولا سلطان فيه لأحد عليه سوى الله. وهذا هو معنى قوله تعالى: {ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُو}، أي أبعدك عن أرجاسهم، ودنس معاشرتهم، وعمّا يريدونه بك من الشرّ.

{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}[آل عمران: 55]. المراد بالتفوّق هنا التفوّق نفساً وكمالاً، لا التفوق سلطاناً ومالاً.. وليس من شكّ أن الذين آمنوا بعيسى أفضل وأكمل من الذين كذّبوه .

{ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. لا يحتاج هذا إلى تفسير، لأنّ المعنى الظّاهر هو المراد. أجل، إنّ ضمير الخطاب هنا يشمل الغائبين في كلّ زمان ومكان من الّذين اختلفوا في السيّد المسيح، أو في صفة من صفاته.

*من كتاب "تفسير الكاشف"، ج2.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة ما هي مقوِّمات الزّواج النّاجح؟ هل القرآن كتاب فلسفيّ؟ نطمح أن تقدّم المؤسّسات جيلاً يعمل بالنزاهة والشفافيّة والعدالة فضل الله: جريمة غزّة برسم دعاة الحريّة وحقوق الإنسان أريد ترك الإرث لولد واحد! منبر الجمعة: 21 شباط 2020م لي جارٌ ظلمته في حياته؟! كيف نستعدّ لشهر رجب؟ الثّلاثاء أوَّل شهر رجب 1441هـ
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر