اليوم: الخميس3 رجب 1441هـ الموافق: 27 فبراير 2020

قاعدة المصلحة والمفسدة في الفقه

محمد عبدالله فضل الله

جاء عن العلامة الحلّي حول قاعدة المصلحة والمفسدة في الفقه: من القواعد التي ترجع إلى عدم الحرج، قاعدة المصالح والمفاسد التي قال بها الشيعة والمعتزلة، وتتلخّص في أن الله أمر بالفعل لمصلحة فيه تعود على فاعله، ونهى عنه لمفسدة كذلك، لا أنّ الفعل يصبح صالحاً لأنّ الله أمر به، وفاسداً لأنه نهى عنه، بل أمر به الله تعالى لأنه صالح بالذّات، ونهى عنه لأنه قبيح بالذات ."[كتاب شرح التجريد للعلامة الحلي، ص185].

قال السيد المرتضى علم الهدى: "إنّ علل الشرع مفارقة لعلل العقل، لأنّ علة الشرع تتبع الدواعي والمصالح، وقد تختلف الأحوال فيها، وليس كذلك ما هو موجب من علل العقل".[الذريعة، ج1، ص 93-94].

من جهته، يقول سماحة الشيخ محمد جواد مغنية (ره): "ويتفرّع على ذلك أنه يجوز للإنسان إذا اضطرّته الظروف أن يفعل، ويترك ما نصّ الكتاب والسنة على وجوبه وتحريمه، ولا يعد ذلك مخالفة منه للشريعة، بل عمل بالشّريعة نفسها، على شريطة أن تقدر الضرورة بقدرها، فيكتفي المضطرّ بما يدفع عنه الضرورة والضيق، وبارتفاع الضرورة، يرتفع المسوّغ الشرعي والعقلي، ويبقى الشّيء على حكمه الأوّل، ويكون التعدّي بغياً وعدواناً {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}، {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}".

يناقش السيّد الخوئي في هذه القاعدة، معتبراً أنه لا أصل لها في نفسها، لعدم الدليل عليها أصلاً، لا من العقل ولا من الشّرع، بل يختلف الحال فيها باختلاف الموارد، فقد يقدّم جانب المفسدة على جانب المنفعة، وقد يقدّم جانب المنفعة على جانب المفسدة، وهكذا.

أضف إلى ذلك كما يقول: "أنّ هذه القاعدة على فرض تماميتها، وكون الأولوية فيها أولويّة قطعيّة لا ظنّية، فهي لا صلة لها بالأحكام الشرعيّة أصلاً، وذلك لوجهين:

أوّلاً: إنّ الأحكام الشرعية ليست تابعة للمنافع والمضارّ، وإنّما هي تابعة لجهات المصالح والمفاسد في متعلقاتها، ومن المعلوم أنّ المصلحة ليست مساوقة للمنفعة، والمفسدة مساوقة للمضرة. ومن هنا، تكون في كثير من الواجبات مضرّة ماليّة، كالزكاة والخمس والحجّ ونحوها، وبدنية، كالجهاد وما شاكله، كما أنّ في عدة من المحرّمات منفعة مالية أو بدنية، مع أنّ الأولى تابعة لمصالح كامنة فيها، والثّانية تابعة لمفاسد كذلك، فإذاً لا موضوع لهذه القاعدة، إضافة إلى الأحكام الشرعيّة أصلاً.

ثانياً: إنّ وظيفة المكلّف عقلاً إنّما هي الإتيان بالواجبات والاجتناب عن المحرَّمات بعد ثبـوت التكليف شرعاً، وأمّا دفع المفسـدة بما هي، أو استيفاء المصلحة كذلك، فليس بواجب لا عقلاً ولا شرعاً، فلو علم المكلَّف بوجود مصلحة في فعل، أو بوجود مفسدة في آخر، مع عدم العلم بثبوت التّكليف من قبل الشارع، لا يجب عليه استيفاء الأولى ولا دفع الثانية، وأمّا مع العلم بثبوته، فالواجب عليه هو امتثال ذلك التّكليف لا غيره، فالواجب بحكم العقل على كلّ مكلّف إنّما هو أداء الوظيفة وتحصيل الأمن من العقاب، لا إدراك الواقع بما هو واستيفاء المصالح ودفع المفاسد.

وعلى هذا، فلا يمكن ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب من ناحية هذه القاعدة، بل لا بدّ من الرجوع إلى مرجّحات وقواعد أخر لتقديم أحدهما على الآخر إن كانت، وإلّا فيرجع إلى الأصول العمليّة". [محاضرات في أصول الفقه، ج4].

ثمّة نزاع في تبعيّة الأحكام للمصالح؛ وقوامه: هل للحكم الواقعي، بقطع النّظر عن دليله، مصلحة قديمة كان قد جعل الشّارع حكمه علي أساسها أم لا؟ وهنا ثلاثة أقوال: أوَّلها: إنكار التبعيّة، وهذا ما ذهب إليه الأشاعرة. [ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ج 8].

ثانيها: التبعيّة في متعلّق الحكم، وذهب إليه المعتزلة ومشهور الشيعة.

ثالثها: التبعيّة في الجملة، إمّا في المتعلّق أو في الجعل، وهو المنسوب إلى الآخوند الخراساني.[آخوند خراساني، كفاية الأصول، ص 308].

هذا في الأحكام التكليفيّة، أمّا الأحكام الوضعيّة، فقد اتّفق الإمامية علي تبعيتها للمصالح في جعلها، لا في متعلّقها . [ابو القاسم عليدوست، تبعيَّة أو عدم تبعيَّة الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعيّة، مجلّة فقه وحقوق، عدد 6].

وقد طُرحت مسألة التبعيَّة أيضاً علي صعيد الحكم الظاهري ـ وهو الحكم الذي يؤخذ في موضوعه الشكّ ـ على أنّ الأشاعرة والمعتزلة لم يتصوَّروا حكماً بهذا الاسم ويقع مقابلاً للحكم الواقعي.

يرى الشّهيد الأوّل أنَّ للأحكام مصالح ومفاسد، والشريعة معلّلة بغاية وأغراض، ويرى أنّ الإطار المرجعي لهذا المسألة إنّما هو في علم الكلام، يقول: "لمّا ثبت في علم الكلام أنّ أفعال الله تعالي معلّلة بالأغراض، وأنّ الغرض يستحيل كونه قبيحاً، وأنّه يستحيل عوده إليه تعالى، ثبت كونه لغرض يعود إلى المكلّف. وذلك الغرض: إمّا جلب نفع إلى المكلّف، أو دفع ضرر عنه، وكلاهما قد ينسبان إلى الدنيا وقد ينسبان إلي الآخرة. فالأحكام الشرعيّة لا تخلو عن هذه الاّربعة".[القواعد والفوائد، ج 1، ص 33، قاعدة 4].

ويقول أيضاً في موضع آخر: «الشرع معلّل بالمصالح، فهي إمّا في محلّ الضرورة، أو محلّ الحاجة، أو التتمّة، أو مستغني عنها، إمّا لقيام غيرها مقامها، وإمّا ظهور اعتبارها". [المصدر السابق، ص 218، قاعدة 64].

بناءً على ما تقدَّم، يتبيَّن لنا بوضوح من خلال ما اعتمده علماء الإماميّة، ووافقهم عليه علماء المعتزلة، أنّ الشّريعة ليست أحكاماً طوبايّة ملقاة من المشرّع دون أن يكون لها واقعيّة وأثر في حياة الإنسان، لجهة أنها تعالج خللاً في تعاطيه مع نفسه ومع ما حوله، وتستجلب نفعاً له فرداً ومجتمعاً، مادام الوجدان يجزم بأنّ جميع أفعالنا وجميع ما يحيط بنا مليء بالواقعيّة، ويحمل في ذاته علائم صلاحه أو فساده، حيث نطمئنّ إلى حكمة التّشريع وعدالته وواقعيّته، حيث يساهم هذا في تعزيز إيماننا بعدالة التّشريع وحكمته، ويجعل الأمور من حولنا أكثر وضوحاً.

توضيح معاني بعض المفردات الوارده في المقالة:

- الجعل: معناه تشريع الحكم من الله تعالى.

- متعلّق الحكم: متعلّق الأحكام هي الأفعال، كالشّرب والأكل، فإذا قال: "الخمر حرام، عين الخمر هو موضوع الحكم، وشرب الخمر متعلق الحكم".

- الحكم التكليفيّ: هو الحكم الذي له تعلّق بسلوك الإنسان، وله أيضاً توجيه مباشر لسلوك الإنسان، مثل وجوب الصوم والصلاة اليوميّة، وحرمة الخمر والغيبة، وإباحة التصرّف في ما هو داخل تحت ملكيّة الفرد.

- الحكم الوضعيّ: هو الحكم الذي يتعلّق بسلوك الإنسان وليس له توجيه مباشر لهذا السلوك. مثل حكم الزوجيّة وحكم الطلاق وحكم الملكيّة، فالزوجيّة هي حكم شرعيّ تترتّب وتتعلّق به أحكام شرعيّة تكليفيّة أخرى، مثل وجوب الإنفاق بالنّسبة إلى الرجل.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة هل القرآن كتاب فلسفيّ؟ نطمح أن تقدّم المؤسّسات جيلاً يعمل بالنزاهة والشفافيّة والعدالة فضل الله: جريمة غزّة برسم دعاة الحريّة وحقوق الإنسان أريد ترك الإرث لولد واحد! منبر الجمعة: 21 شباط 2020م لي جارٌ ظلمته في حياته؟! كيف نستعدّ لشهر رجب؟ الثّلاثاء أوَّل شهر رجب 1441هـ تساؤلات حول زواج الرَّسول (ص)!
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر