اليوم: الأحد12 شعبان 1441هـ الموافق: 5 ابريل 2020

فتِّش عن أميركا!

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

كنت ولاأزال أتابع بدقّة كل ما يحصل في المنطقة من أحداث سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة، أتابع حركة سياسة الولايات المتحدة الأميركية، باعتبارها الدولة التي ترى نفسها، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، قائدةً للعالم، وتخطط كي تكون إمبراطوريّة عالميّة تشمل استراتيجيتها كل مكان، ولا سيّما المواقع التي تملك القوّة الاقتصاديّة، فتعزّز الاقتصاد الأميركي من جهة، وتفتح أكثر من أفق للتدخّل في هذا الموقع أو ذاك، وبسط نفوذها عليه من جهة أخرى.

وكنت ألاحظ أنَّ الولايات المتحدة التي كانت تسيطر على الكثير من المواقع في الشرق الأوسط بصورة غير مباشرة، تخطّط وتعمل للسيطرة عليه بصورة مباشرة. وكانت أوّل خطوة في هذا السياق تتمحور حول الدّعم المطلق لإسرائيل، وهذا ما حدث فعلاً بعدما انتقلت الرّعاية لهذه الدولة المغتصبة من أيدي الأوروبّيين: الإنكليز، ثم الفرنسيّين، إلى الأميركيّين.

وهكذا أصبحت إسرائيل، ولو بشكل غير رسميّ، جزءاً لا يتجزّأ من أميركا نفسها... لذلك، فالسياسة الأميركيّة راحت تضغط على كلّ مفاصل السياسات العربيّة، أو النظام العربي الرّسمي. وبالفعل، فقد نجحت في تحييد أكثر العرب عن المسألة الفلسطينيّة، التي كان يقال دائماً إنّها «قضية العرب الأولى»، ثم انتقلت للضّغط على الفلسطينيين، وخصوصاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، التي دفعت أميركا لإعلان الحرب على الإرهاب، بحيث أطبقت على حركة الكفاح الفلسطيني، وعملت على تطبيع العلاقات مع إسرائيل دبلوماسياً وسياسياً واقتصادياً في كلّ العالم العربي والإسلامي، وهذا كلّه بهدف استكمال حصار الشعب الفلسطيني، بحيث لا يبقى إلى جانبه أيُّ صوت عربي أو إسلامي، واستكمال الخطة الإسرائيليّة للسيطرة، وضمّ أكثر الجغرافية الفلسطينيّة، فلا يبقى للفلسطينيّين أيُّ شيء.

إذاً، انطلقت مسألة 11 أيلول (سبتمبر) لتفتح للولايات المتحدة الأفق العالمي، وتبرز، سواء أمام حلفائها في أوروبّا، أو أمام الذين تعيش بعض العقد معهم، كالصّين وروسيا، فتضغط عليهم بذريعة مكافحة الإرهاب، وتجذبهم إلى الجانب المأساويّ من الصورة، باعتبار أنَّ الاعتداء عليها هو اعتداء على الغرب كلّه، بل على العالم، وأنّ قضيّة الحرب على الإرهاب، التي مارست فيها الكثير من الإرهاب الفكري والسياسي، أصبحت قضيّة عالميّة. وهذا يعني أنّ أيّ دولة تتباطأ في دعمها ومساندتها، معرَّضة للرّجم بدعوى مساندة الإرهاب، أو تمويله، أو ما شابه.

وماذا كان بعد؟ بعد ذلك أرادت السَّيطرة على العراق، مستغلّةً الوضع الذي كان يعيشه الشعب العراقي في ظلّ نظام صدّام حسين، هذا النظام الذي كان أميركيّاً بالكامل وبامتياز، فصدّام كان موظفاً في المخابرات الأميركية أصلاً، ثم وظَّفته واشنطن لخدمة سياستها في إرباك الوضع العربي كلّه، من خلال الحرب على إيران، ثم في اجتياح الكويت الذي أرادت واشنطن من خلاله الإيحاء لعرب الخليج، بأنّها هي الوحيدة التي تستطيع إنقاذهم من خطره.

ونحن نعرف أنَّ أميركا عادت واحتلت العراق بذريعة البحث عن أسلحة الدّمار الشّامل، وإنقاذ الشعب العراقي من طغيان النظام، والمسألة لاتزال تتفاعل في السياسة الأميركيّة التي تتخبَّط في الرّمال العراقية المتحرّكة، والسَّبب هو أنّ أميركا عندما احتلَّت العراق، كانت تفكّر في القوّة التي تملكها، ولم تفكّر لما بعد الاحتلال، فغرقت في الوحول، وحول المقاومة أوَّلاً، ووحول الفوضى، التي أفسحت في المجال لها، تحت عنوان «الفوضى البنّاءة»، وفي التعقيدات التي أحاطت بها وأحاطت بالدول المجاورة التي شعرت بأنّ القوات الأميركية أصبحت على حدودها، وتعمل للضّغط عليها بطريقة أو بأخرى.

ولذلك، فإنّني أعتقد أنَّ المرحلة التي نعيشها، هي مرحلة السيطرة الإسرائيليّة الأميركيّة على المنطقة. ففي الحديث مثلاً عن الحوار، فإنّهم يتحدّثون في الواقع عن الفرص التي يتوسّلونها، والتي يمكنهم تحريكها لإسقاط هذين السلاحين من منطلق الالتزام بالشرعيّة الدوليّة والقرارات الدوليّة.

وأخلص إلى القول: فتّش عن أميركا. إنّ المصائب لا تأتي فرادى، غير أنّ المصائب تنطلق من قاعدة ولا تنطلق من مفردات، وهذا ما عنيته بقولي: فتّش عن أمريكا.

*من حوارات سياسية ، العام 2005.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة حسن الظّنّ بالله فضل الله: لدعم القطاع الطبي الذي يواجه خطر الفيروس العقوبة والعدل اللإلهي ظلم إنسانيّ أم إرادة ربّانيّة؟! مؤسّسة السيّد فضل الله وزّعت 200 حصة غذائيّة في منطقة صور تداعيات التّسويف على حياة الإنسان فضل الله: لتضافر الجهود ومساعدة الفقراء لحمايتهم الاستغفار.. باب التّوبة والعودة إلى الله الأربعاء: 25/3/2020 أوّل شهر شعبان
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر