اليوم: الأربعاء4 شوال 1441هـ الموافق: 27 مايو 2020

الشخصيّة الوحدويّة

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

يركِّز الإسلام في أخلاقيّاته، في علاقة المسلم بالله وبالنّاس وبالحياة كلّها وبالقيادات الشرعية، على النصيحة، وهي أن يبذل الإنسان كلّ جهده ليقدّم النصيحة التي ترفع مستواه، وتربطه بالله وبسلامة المصير، وتبعده عن كلّ ما يُسقط إنسانيّته ويبتعد به عن الخطّ المستقيم. وقد كان شعار الأنبياء لشعوبهم وأممهم، أنهم يقدّمون إليهم النصيحة، وقدّموا أنفسهم على أنهم الناصحون لهم، الأمناء على إبلاغهم رسالات الله التي تنقذهم وترفع مستواهم.

فنحن نقرأ في كلمات الأنبياء التي نقلها الله تعالى: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ }. فالنبيّ لم يأتِ من أجل أن يستغلّ موقعه ليجلب لنفسه نفعاً أو ليحصل على ثروة وما إلى ذلك، وإنما جاء مبلّغاً للرّسالة، وناصحاً للأمّة، حتى تسير في الخطّ الذي يحقّق لها سلامة المصير. ونقرأ أيضاً: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}. وفي آية أخرى، عندما بلّغ الرسول (ص) كلّ ما عنده من الرسالة، وقدّم لهم كلّ ما عنده من النصح، ولكنَّهم تولّوا عنه، قال: {يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَ?كِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ}.

وفي حديث رسول الله (ص): "قال الله عزّ وجلّ: أحبّ ما تعبّد لي به عبدي النّصح لي"، أي أن تكون علاقتك بالله علاقة النّصح له. والله لا يحتاج إليك لترشده وتنصحه، ولكنّ النّصح لله هو الانفتاح على مسؤوليّاتك أمامه، في توحيدك له سبحانه في العقيدة والألوهيّة والعبادة والطاعة.

وعن رسول الله (ص): "من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم ـ بحيث يكون همّ المسلمين همّه، ومشاكلهم مشاكله، فإذا لم يهتمّ بأمورهم، وعاش الفرديّة في ذلك، فليس منهم مسلماً ـومن لم يصبح ويمس ناصحاً لله ـ في الإخلاص لمسؤوليّاته أمام الله ـ ولرسوله ـ في السير على خطّ رسالته ـ ولكتابه ـ للقرآن في العمل به ـ ولإمامه ـ الذي يمثّل القيادة الشرعيّة ـ ولعامّة المسلمين ـ كلّ المسلمين في كلّ قضاياهم الثقافيَّة والسياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة ـ فليس منهم". فمن لا ينصح المسلمين في ذلك، فإنّه يكون خارجاً عن الأمَّة، ولا يمثّل عضواً صالحاً في مجتمعهم.

وعنه (ص) أنه قال لأصحابه: "الدّين النصيحة"، فالدين تختصره كلمة النصيحة التي يحملها المسلم المتديّن في عقله وفكره وحركته في الحياة، فقال الأصحاب: "لمن؟"، قال (ص): "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم".

ويقول الإمام الصّادق (ع) وهو يتحدّث عن الإمام عليّ (ع) في انفتاحه على واقع المسلمين واهتمامه بسلامتهم واستقامتهم وعزّتهم وكرامتهم: "إنّ عليّاً كان عبداً ناصحاً لله عزّ وجلّ فنصحه، وأحبّ الله عزّ وجلّ فأحبّه".

وتلك كانت قيمة عليّ (ع)، أنه عاش مع الله في كلّ كيانه، فلم يكن في عليّ شيء لنفسه، بل كان بكلّه لله، وقد باع نفسه لله، فأحبّه الله تعالى وأحبّه رسول الله، ولذلك كانت كلمة النبيّ (ص) في واقعة خيبر: "لأعطينّ الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله". وتلك كانت ميزة عليّ في المسلمين، فلم يكن بين الصحابة ـ كلّ الصحابة ـ من ارتفع إلى هذا المستوى من الإخلاص لله ولرسوله وللمؤمنين.

وعن النبيّ (ص): "إنّ أعظم الناس منزلةً عند الله يوم القيامة، أمشاهم في أرضه بالنّصيحة لخلقه". هذه المرتبة العليا عند الله، لا يمنحها إلا لمن تكون حركته في كلّ الأمور في خطّ النصيحة لخلق الله تعالى، بحيث يدرس كلّ أوضاعهم ويلاحق كلّ حالاتهم، وكلّ ما يمكن أن يرتفع بهم إلى الدّرجات العليا في دينهم ودنياهم. وعن النبيّ (ص): "من يضمن لي خمساً أضمن له الجنّة: النصيحة لله عزّ وجلّ ـ وذلك بأن يخلص لله في كلّ مسؤوليّاته أمامه ـ والنصيحة لرسوله ـ في السير على سنّته والاقتداء بسيرته والدّعوة إلى رسالته ـ والنصيحة لكتاب الله ـ بالعمل بكتاب الله ـ والنصيحة لدين الله ـ بحيث يتحمّل الإنسان الذي يعيش رساليّة الدّين، مسؤوليّته في خطّ الدعوة إلى الله ومسؤوليّة تعليم الناس والسّير بهم في الخطّ المستقيم ـ والنصيحة لجماعة المسلمين"، بحيث يعيش الاهتمام بأمورهم ويواجه واقعهم بمسؤوليّة.

ونقرأ في حديث الإمام الصادق (ع): "يجب للمؤمن على المؤمن ـ كتكليف شرعي ملزم ـ النصيحة له في المشهد والمغيب". وعنه (ع): "عليكم بالنصح لله في خلقه ـ لأنك إذا نصحت خلق الله وعباده، فقد نصحت لله، لأنّ الله يريد لك أن تكون الناصح لعباده بما يقرّبهم إليه ويرفع مستواهم عنده، وبما يحقّق لهم النتائج الكبرى في سلامة المصير ـ فلن تلقاه بعمل أفضل منه"، فإن النصح لله في خلقه، هو العمل الأفضل الذي لا عمل فوقه في حركة الإنسان في الواقع. وعن النبيّ (ص): "أنسك الناس نسكاً، أنصحهم جيباً ـ بأن يكون صدره مفتوحاً بالنصيحة للمسلمين ـ وأسلمهم قلباً لجميع المسلمين"، فلا يحمل في قلبه أيّ حقد عليهم في أيّ أمر من الأمور.

وقد كان الإمام عليّ (ع) يخاطب المسلمين في خلافته، فيؤكّد لهم ما هو حقّ الإمام على الأمّة، وما هو حقّ الأمّة على الإمام: "أيّها النّاس، إنّ لي عليكم حقاً ولكم عليّ حقّ، فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم... ـ أن أنصح لكم وأرشدكم وأنفتح على كلّ قضاياكم، بما يمكن أن يحقّق لكم الخير والسعادة والسلامة ـ وأمّا حقي عليكم، فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب".

ونقرأ في كلمته (ع) وهو يتحدّث عن الصالحين من أصحابه: "أنتم الأنصار على الحقّ، والإخوان في الدّين، فأعينوني بمناصحة جليّة لا غشّ فيها".

ويقول (ع) وهو يوجّه الناس إلى الارتباط بالقرآن، والانفتاح على آياته واتّباع كل تعاليمه: "اتّعظوا بمواعظ الله، واقبلوا نصيحة الله، واعلموا أنّ هذا القرآن هو النّاصح الذي لا يغشّ، فاستنصحوه على أنفسكم، واتّهموا عليه آراءكم، واستغشوا فيه أهواءكم".

إنّ كلّ هذه الكلمات الواردة في الكتاب والسنّة، تريد من مجتمعنا أن يكون مجتمعاً يعيش المسؤوليّة تجاه كلّ أفراد المجتمع، بحيث يعمل كلّ إنسان على تحريك فكره ليدرس ما يحتاجه المسلمون، ممّا يمكن أن يحقّق لهم الخير والقوّة والسّلامة، ولا سيّما في المواقع التي يواجهون فيها التحدّيات الكبرى من قبل المستكبرين، الذين يكيدون لهم، ويعملون على مصادرة كلّ واقعهم. إنّ القضيّة أن كل واحد من المسلمين مسؤول عن كل المسلمين: "كلّكم راع، وكلّ راع مسؤول عن رعيته". إنّ الأمّة الإسلاميّة تمثّل وحدة في المصير والمسير، وعلينا أن نرتفع إلى مستوى هذه الوحدة لنعيش همّ المسلمين، لنؤكّد القوّة في كل واقعهم.

*من أرشيف خطب الجمعة - العام 2005.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة خطبة عيد الفطر: لا معنى للعيد إلّا بالبذل والعطاء. المبرّات وزّعت كسوة العيد على 4600 يتيم فتح الرسول (ص) مكة وأسباب انتصاره. الأحد أوّل شوّال 1441هـ ليلة القدر.. ليلة البركات والعطاءات فضل الله: ليتحسّس كلّ منّا إنسانيّته للتّخفيف من مآسي كورونا فضل الله: التّهاون في إجراءات الوقاية يهدّدنا بكارثة كيف الخلاص من وساوس الشّيطان؟! الدّعاء نعمة تستوجب الشّكر والحمد.
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر