اليوم: الأربعاء4 شوال 1441هـ الموافق: 27 مايو 2020

الإسلام والمسيحيّة ليسا إرثاً خاصّاً

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

نحن نعيش في واقعنا الديني في العالم في التّاريخ، عندما كان الدين يحكم التاريخ أو يصنعه، وفي الحاضر، عندما يتحرّك الدين هنا وهناك ليدخل في كلّ هذا الجدل وهذا الصّراع وهذا الواقع الذي ينطلق فيه الإنسان بين القديم والجديد.. عندما نلاحظ الحسّ الديني، فإن المشكلة التي نواجهها، هي أنّ الغالب في الحسّ الديني أنه حسّ ضيّق الصدر، ضيّق العقل والإحساس، من الصعب جداً أن تأتي إلى متديّن، حتى لو كان يأخذ بالكثير من أسباب العلم، وتناقشه في دينه، أو أن تعمل على إثارة بعض علامات الاستفهام فيما هو فيه. إنّ الانفعال هو الردّ، وقليلاً قليلاً ما يكون الفكر هو الردّ. لماذا ذلك؟

لأنّ الكثير من المتديّنين ارتبطوا بالحقيقة الدينيّة وجدانياً وتراثياً، ولم يرتبطوا بها عقلانياً، فنحن مسلمون غالباً ـ ونحن نتحدَّث في حجم الظاهرة ولا نتحدّث في حجم الشموليّة ـ إننا مسلمون لأننا وجدنا آباءنا على الإسلام، وإننا مسيحيّون لأننا وجدنا آباءنا على المسيحيّة، وقد استحدث أيضاً أننا ماركسيون لأنَّ آباءنا كانوا ماركسيّين، وقوميون لأنّ الخطّ في الشّرق واحد، الذهنيّة واحدة...

الإسلام والمسيحيّة كانا في وعي الإنسان الدّيني إرثاً، كانا شيئاً يتحرّك في امتداداتنا العاطفية بالتّاريخ، التي صنعت لنا عشيرتنا، أو صنعت لنا طائفتنا، أو صنعت لنا مواقعنا. لذلك، أن تشعر بأنَّ هناك إنساناً يريد أن يهزّ لك دينك، معناه أن يهزَّ لك تاريخك وتراثك وطائفتك وكلّ ما استحدثته من تقاليد، ويخيَّل إليك أنّه يريد أن يسحب منك ذاتك.. لذلك، تكون عمليّة المواجهة حالة ثأرية للنفس للدّفاع لا للفكر.

ثمّ إنّ مسألة الدّين تتّصل بالجانب المقدَّس من الوجدان، وبالجانب المقدَّس من الفكر، وبالتالي، فإنّ المقدَّس عادةً يتّخذ لنفسه حالة حميميّة للشعور، قبل أن يتّخذ لنفسه حالة عميقة في الفكر. الشعور يسبق الفكر في المقدَّسات، وذلك لأنّ الشعور عندما يتحرَّك ليعبّر عن نفسه، فإنه لا يترك للعقل أن يواجه المسألة بطريقته الموضوعيّة الخاصّة.

إنّ مقدَّساتنا تحوّلت إلى ما يشبه أن تكون جزءاً من ذاتنا، لذلك بدأ الكثيرون من الناس يقولون بفعل هذه الظاهرة إنّ الدين ليس حالة عقلانية، إنما هو حالة إحساسية أو حالة وجدانية، وبدأ الكثيرون، حتى من منظّري الدّين، يتحدّثون أنّ الدين فوق العقل، وأنّك عندما تتعقلن لن تكون متديّناً، إنما تكون متديّناً إذا أطلقت العقل في غيبوبة.. إنها صورة حركة الدين في الواقع في تمثّل المتديّنين للدّين..

ولكننا نفهم من خلال كلّ تاريخ الذين أطلقوا الدين، وهم الأنبياء، أنهم كانوا يخاطبون عقل الإنسان وفكره ووجدانه، والوجدان ليس شيئاً آخر غير العقل، لكنه العقل الفطري الذي ينطلق فيه الإنسان من موقع طبيعة إنسانيّته فيما يسميه الفلاسفة بالبديهيات التي لا تحتاج فيها إلى دليل، ويعتبرها بعض النّاس من الأسس التي ترتكز عليها حركة العلم، لأنّ حركة الشّكّ لا بد لها في كل مسيرتها أن تصل إلى حالة اليقين، وإلا بقي الإنسان فكراً معلّقاً في الفضاء لا يستطيع أن يرتكز على قاعدة أبداً..

إنهم كانوا يخاطبون عقل الإنسان، وعندما ندخل في حوارات الأنبياء مع الأمم التي أرسلوا إليها، نجد أنهم كانوا يعملون على تقديم أفكارهم بطريقة عقلانية موضوعيّة، وكانوا يطلبون من الآخرين أن يناقشوهم، وكانوا يقولون لهم، عندما يخالفونهم في الرأي: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، وكانوا يقولون للجاهلين الذي يدخلون في الجدال في ما لا علم لهم: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}.

 حتى إنّ الأنبياء عندما كانوا يتحدّثون عن وجود الله، كانوا يسمحون للآخرين في أن يدخلوا في الحوار حول وجود الله، وحول توحيد الله، وحول رسالة الرّسول وما إلى ذلك، وكانوا يخلّون كلّ هذه الشّبهات. الدين ليس حركة شعور غامضة ضبابية يحسها الإنسان ولا يفهمها، ولكنها حركة فكر يعمل على أن يناقش الأشياء، لتكون العقيدة من خلال الفكر؛ فكر يدخل في التفاصيل، وفكر يقرّر المبدأ ليترك للنبوّة أن تحدّد التفاصيل في الخطّ العامّ للمبدأ.

لذلك، لا بد لنا عندما نريد أن ندخل في المسألة الدينيّة، أن نتّفق على أن نعقلن المنطلقات الدينيّة، حتى لو اقتربنا ونحن نحلّق مع الدين في منطلقاته إلى عالم الغيب، ليقول لنا العقل إنّ هناك غيباً على أساس الإمكان على الأقلّ، ولكن لا أملك الوصول إلى تفاصيله، فإذا استطعتم أن تؤمنوا بإنسان ما من خلال تجربتكم معه، أيّاً كانت طبيعة التجربة التي تبعث القناعة في أنّ هذا نبيّ أو هذا رسول، إذا استطعتم أن تقتنعوا بأنّ هذا رسول، فإنه قادر على أن يمنحكم التفاصيل. وإذا لم تكن التفاصيل عقلانيّة، لا يستطيع العقل أن يثبتها، فإنكم لن تستطيعوا أن تقولوا: إنّ العقل ينكرها، لأنَّ العقل لا ينكر ما لا يملك الحجّة على نفيه، كما لا يثبت ما لا يملك الحجّة على إثباته..

عندما نتّفق على أنّ للعقل دوراً في الدين، فعلينا أن نقول للمؤمنين أن يتعقلنوا، بمعنى أن يعقلنوا إيمانهم الذي يعيشونه شعوراً ليستطيعوا أن يحرّكوه في ساحة التعددية، لأنّ التعددية قد تقتحم إيمانك من خلال ما يملكه الآخر من المفردات التي تتحدّى إيمانك. لذلك، فلكي تحمي إيمانك من حركة التعدديّة التي يمثّلها الآخر في مقابلك، لا بد أن تكون مسلّحاً بالعقل الذي يحمي لك إيمانك لنفسك، عندما يقف الآخر ليخاطب عقلك في مسألة الإيمان.

*من كتاب "الإسلام والمسيحيّة بين ذهنيّة الصّراع وحركيّة اللّقاء".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة خطبة عيد الفطر: لا معنى للعيد إلّا بالبذل والعطاء. المبرّات وزّعت كسوة العيد على 4600 يتيم فتح الرسول (ص) مكة وأسباب انتصاره. الأحد أوّل شوّال 1441هـ ليلة القدر.. ليلة البركات والعطاءات فضل الله: ليتحسّس كلّ منّا إنسانيّته للتّخفيف من مآسي كورونا فضل الله: التّهاون في إجراءات الوقاية يهدّدنا بكارثة كيف الخلاص من وساوس الشّيطان؟! الدّعاء نعمة تستوجب الشّكر والحمد.
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر