اليوم: الأربعاء4 شوال 1441هـ الموافق: 27 مايو 2020

من قواعد التّهذيب الاجتماعي في الإسلام

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

من قواعد التهذيب الاجتماعي في الإسلام، أن يتعلَّم المرء كيف يختار كلماته في الحديث مع الناس، فإذا وقف بين كلمتين، إحداهما تثير المشاعر وتلهب الانفعالات وتجرح الإحساس، والأخرى تنشر الهدوء والسّلام، فعليه أن يختار الكلمة الثّانية.

وهكذا تنطلق عمليّة الاختيار بين الكلمات التي تخدش الحياء وتجرح الكرامة، وبين الكلمات التي تحترم أخلاق الآخرين ونوازعهم، ليكون الاختيار للكلمة الأخيرة.

وذلك هو قوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً}[الإسراء : 53].

وهناك الأحاديث الكريمة التي حرَّمت كلمات الفحش والبذاء، ومنها الحديث الشّريف "إنَّ الله يبغض الفاحش المتفحّش"، والحديث الآخر: "إنَّ الله حرَّم الجنّة على كلّ فحَّاش بذيء اللّسان قليل الحياء".

وقد ورد النّهي عن كلمات السبّ التي تثير المشاعر، ولا سيّما سبّ مقدّسات النّاس الذين تختلف معهم في الرأي والعقيدة، لأنّها تخلق ردود فعل عكسيّة لدى الآخرين، كما في الآية الشريفة: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}[الأنعام: 108].

فكلمات السّباب لا تعطي نتيجة في الاقتناع بالفكرة، بل إنّها تعطي بدلاً من ذلك ردود فعل عصبيّة تتّجه في حركة انفعاليّة هوجاء مماثلة، لتطلق السُّباب والشتائم ضدّ مقدّساتك بروح عدائيّة حاقدة.

كلّ ذلك من أجل أن يعيش الإنسان التهذيب في كلامه مع النّاس، بعيداً من إثارة مشاعرهم وجرح أحاسيسهم، ليكون في مستوى الإنسان الذي تكون حياته من أجل نفسه ومن أجل الآخرين..

المبادرة بالتحيّة

هناك من الناس مَن يرى مركزه الاجتماعي فوق مستوى الآخرين، ولذا فهو يشعر بأنّ من واجب النّاس أن تتلقَّاه بالتحيّة قبل أن يبدأهم بها، لأنّه يحسب أنَّ الابتداء بالتحيّة لا يتناسب معه كصاحب مركز كبير لمن هم دونه. ولكنَّ الإسلام يشجب ذلك، ويعتبر التحيّة علامة التّهذيب الخلقي للإنسان، لأنّها تدلّل على ما يحمله من احترام للآخرين وتقدير لشعورهم، وإحساس بما يجيش في داخله من شعور عميق بالمساواة بينهم وبينه.

بينما يمثّل الموقف المعاكس الشخصيّة التي تختنق داخل ذاتها في إطار من الكبرياء المزيّف والتعالي الوضيع، الأمر الذي يجعلها تحتقر الآخرين وتبتعد عن التّهذيب.

ومن هنا، أعطى البادئ بالسَّلام امتيازاً كبيراً على المستوى المعنويّ، كما ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصّادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): "البادئ بالسلام أوْلى بالله ورسوله". كما أعطاه أجراً مضاعفاً في حساب الحسنات الّتي يجزى بها الصالحون، فقد ورد في الحديث عن الإمام الحسن بن عليّ (عليه السلام): "للسّلام سبعون حسنة، تسع وستّون للمبتدئ، وواحدة للرّادّ، وإنْ أحسن فعشر".

وقد أعطى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الأمثولة على ذلك في السّلام على الصبيان والنساء، فيما روته السُّنّة النبويّة الشريفة في حديث أنس بن مالك: "إنَّ رسول الله مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم"، وفي حديثٍ آخر عن أسماء بنت يزيد "إنَّ النبيّ مرَّ بنسوة فسَلَّمَ عليهنّ".

وقد اعتبره الإسلام دليلاً على التواضع. ففي الحديث عن الصادق (عليه السلام): "مِنَ التّواضع أن تُسَلِّم على مَن لقيت". وهكذا نعرف أنَّ القيمة في الإسلام للتّهذيب الخلقي، فهو الذي يجعل للإنسان مركزاً ممتازاً عند الله، لا للتَّعالي والكبرياء في إطار المركز الاجتماعي المحدود.

احترام ظروف المريض

ومن مظاهر احترام ظروف الآخرين وآلامهم، تأكيد الإسلام ضرورة تخفيف الجلوس عند المريض في حال عيادته، لأنَّ ذلك قد يشقّ عليه نتيجة القيود المفروضة عليه في مرضه، أو الآلام التي قد يضطرّ إلى كَبْتِها أمام الآخرين، ما يسبّب له إحراجاً وانزعاجاً وألماً شديداً.

فقد وَرَدَ في الحديث عن الإمام الصّادق (عليه السلام): "إنَّ من أعظم العوَّاد أجراً عند الله، لمن إذا عاد أخاه خفَّف الجلوس، إلاَّ أن يكون المريض يحبّ ذلك ويريده ويسأله ذلك".

مراعاة شعور الآخرين

وفي ختام الحديث، نلاحظ بشكلٍ سريع بعض اللّمحات الرائعة على ضرورة مراعاة شعور الآخرين وأحاسيسهم بشكلٍ دقيق جداً.

ففي الحديث عن الإمام الصّادق (عليه السلام): "إذا كان القوم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان منهم دون صاحبهما، فإنَّ ذلك ممّا يحزنه ويؤذيه".

لأنَّ الحديث السرّي بين الاثنين في حضور الثّالث يشعره بعدم ثقتهما به، ومن الطبيعي أنّ ذلك يثير في نفسه الشعور بالامتهان والألم.

ويتمثّل هذا السلوك المرفوض إسلامياً في تكلّم اثنين بلغة أجنبيّة لا يفهمها الثالث، فإنّه يتنافى مع التهذيب الأخلاقي الذي يرتكز على مراعاة إحساس الآخرين.

وفي حديثٍ آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام)، مظهر آخر من مظاهر التهذيب الاجتماعيّ، وهو احترام المتكلِّم عندما يسترسل في كلامه حتى ينتهي منه، فلا يقطع عليه حديثه، لأنَّ ذلك يؤذيه كما لو خدشه في وجهه، لأنَّ الاعتداء على الكلمة، كالاعتداء على الجسم.

قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): "مَن عرض لأخيه المسلم المتكلّم في حديثه، فكأنَّما خدش في وجهه".

وفي صفات رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ما يؤكّد هذه الرّوح الإسلاميّة، ففي كتاب النبوّة، في صفة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):

"ما صافَحَ رسول الله أحداً قطّ فنزع يده من يده، حتّى يكون هو الذي ينزع يده منه، وما فاوضه أحد في حاجة أو حديث فانصرف، حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف".

وكان يعطي كلاًّ من جلسائه نصيبه، حتّى لا يحسب جليسه أنَّ أحداً أكرم عليه منه.

وكان يقسّم لحظاته بين أصحابه، فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسويّة.

إنَّ هذه الصفات كلّها تؤكّد كيف كان رسول الله يريد أن يرسم للنّاس القدوة الحسنة للسلوك الإسلامي الرفيع الّذي ينبغي أن يسير عليه الإنسان المسلم، ليستطيع أن يعطي العالَم الأمثولة الحيّة للمستوى الّذي سوف تبلغه الإنسانيّة من التهذيب الخلقي الاجتماعي.

*من كتاب "مفاهيم إسلاميّة عامّة". 

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة خطبة عيد الفطر: لا معنى للعيد إلّا بالبذل والعطاء. المبرّات وزّعت كسوة العيد على 4600 يتيم فتح الرسول (ص) مكة وأسباب انتصاره. الأحد أوّل شوّال 1441هـ ليلة القدر.. ليلة البركات والعطاءات فضل الله: ليتحسّس كلّ منّا إنسانيّته للتّخفيف من مآسي كورونا فضل الله: التّهاون في إجراءات الوقاية يهدّدنا بكارثة كيف الخلاص من وساوس الشّيطان؟! الدّعاء نعمة تستوجب الشّكر والحمد.
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر