اليوم: الأربعاء17 شوال 1443هـ الموافق: 18 مايو 2022

المعايير الحقيقيَّة للالتزام الدّيني

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

هناك خطوطٌ متعدّدة لالتزام الإنسان بالقيم الروحيّة، فالناس يختلفون في عطاءاتهم ومواقعهم وخدماتهم، فهناك الَّذي يقوم بخدمة النَّاس، كما فيما تحدّث عنه القرآن الكريم، من أنّ بعض الناس يسقون الحاج، أو يرعون بيت الله، وهناك من الناس من تكون حياتهم حركةً من أجل الرّسالة في تغيير عقول الناس، لتكون عقولهم منتجةً للحقّ، بعيدةً عن الباطل، وقلوبهم منفتحةً على المحبّة، بعيدة عن الحقد، وحياتهم متحركةً في خطّ الخير لا في خطّ الشرّ، ونشاطهم منصبّاً في الدّعوة إلى الله وفي الجهاد في سبيله وفي التضحية من أجل دينه ونصرة المستضعفين..

وقد تحدَّث الله تعالى في بعض الآيات عن هذه الموارد. فقد نُقل في السيرة النبويّة الشريفة، أنه اجتمع في مكّة العباس بن عبد المطلب، عمّ النبي (ص)، وطلحة بن شيبة، والإمام عليّ بن أبي طالب (ع)، وذلك حينما افتخروا (تفاخروا)، والظّاهر أنَّ الإمام عليّاً (ع) لم يدخل معهما في ذلك، بل إنّه عندما سمع منهما ذلك، صحَّح لهما ما صدر عنهما من الكلام، فقال طلحة: "أنا صاحب البيت، وبيدي مفتاحه، ولو أشاء بتّ فيه"، وقال العبّاس: "أنا صاحب السّقاية والقائم عليها"، وقال عليّ (ع): "لا أدري ما تقولان ـ لأن ما قمتما به قد يكون شيئاً جيّداً، ولكنه لا يمثّل القيمة التي تجعل الإنسان في الموقع الأعلى ـ لقد صلّيت إلى القبلة ستَّة أشهر قبل الناس ـ فأنا أقدمكم إيماناً، وأسبقكم عبادة، وعلاقتي بالله كانت ولا تزال أكثر قرباً من علاقة النّاس به ـ وأنا صاحب الجهاد"، أنا الذي جاهدت بين يدي رسول الله (ص) منذ كنت في أوائل سنّ الشباب، كنت أدافع عنه في مكَّة، فكنت أطرد الأطفال الذين كان المشركون يرسلونهم ليؤذوا رسول الله، وقد خضت مع النبيّ (ص) حروبه التي خاضها مع المشركين الّذين أرادوا أن يُسقطوا دينه.

وقد خلّد الله تعالى هذه المسألة، فقال تعالى وهو يخاطب هؤلاء الناس، ويخاطب المجتمع من خلالهم في تخطئة هذا النّوع من المفاضلة: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ ـ ساويتم بين هذا وذاك. فهذان الرّجلان يعتبران أنَّ القيمة، كلّ القيمة، هي سقي الحاج أو الإشراف على المسجد الحرام أو عمارة ما انهدم منه، فساويتم بين هذا العمل وبين الّذي آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، وهو عليّ (ع)، الذي ركّز قواعد الإسلام وأنقذه من ضغطِ المشركين، حتى أصبح الإسلام قوّةً أمام قوّة المشركين، وحتى استطاع أن يهزمهم ـ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ ـ ليس هذا في مرتبة هذا ـوَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ}(التّوبة: 19-20).

وهذه الآية الكريمة قد تكون نزلت في مناسبة خاصّة، ولكنّها تعطينا أساس القيمة عندما نريد أن نقيّم الناس في ما يملكون من القيم والقرب من الله: {وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا}(النساء: 95).

قد يكون لبعض الناس الذين يقومون ببعض الأعمال الخيريّة فضلهم، ولكن يبقى للمجاهدين فضلهم الأعظم، لأنهم يحفظون دين الله وأمَّتهم، لكي تبقى كلمة الله هي العليا وكلمة الكافرين هي السّفلى.

ويقول تعالى في موضع آخر، وهو ما يجب أن ننتبه إليه في ما نعيشه من التزامنا بالأشخاص وتأييدنا لهم، يقول تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ ـ هل تساوي بين الذين يفسدون في الأرض بإثارة الفتنة والتعامل مع المستكبرين، والعمل بما يتناسب مع خطط المنحرفين، لأنهم يعطوننا أموالاً أكثر أو يؤمّنون الوظائف أكثر، أو لأنه من بلدنا ومن طائفتنا أو من جماعتنا، وبين أولئك الذين يصلحون الأرض ويعمرونها ويحمون أمّتهم لكي تبقى عزيزةً وقويّةً ـ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجَّار}(ص: 28). فمن يفعل ذلك ويساوي بينهما، فهو ليس من الدّين في شيء، وإن صام وصلّى، لأنّ الدين موقف ينسجم مع ما يحبّه الله ويرضاه، وليس مجرّد عمل لا ينفتح على الالتزام بأوامر الله ونهيه.

ويحدّثنا الله تعالى عن مصير الإنسان في حوارٍ بين أهل الجنّة وأهل النّار، يقول تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ـ فالإنسان مرهونٌ بعمله، فإذا لم تصلح نفسك وتتب إلى الله وترجع إليه، تظلّ نفسك مرهونةً بما قدّمت من عمل، وهناك من يأخذه الرّهن إلى الجنة، وهناك من يأخذه الرهن إلى النّار ـ إِلَّا أَصْحَابَ اليَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ ـ الظاهر أنّ الجنّة تشرف على النار، فالمؤمنون المتقون في الجنّة يطلّون على المجرمين وهم في النّار، ومنهم أقرباء وأصدقاء ومحازبون ـ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ـ وهو وادٍ في جهنّم ـ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ـ لم نكن نصلّي ونعبد الله في ما أمرنا به من الصّلاة، وكثير من أولادنا وأصدقائنا لا يصلّون ـ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ـ ما كنّا ندفع حقوق الله في زكاته وخمسه، وغير ذلك مما أراد الله لنا أن نقوم به من سدِّ حاجات الفقراء والمساكين والأيتام ـ وَكُنّا نَخوضُ مَعَ الخْائِضينَ ـ كمن يدخل مع الناس في بركة ماء، وهو كناية عن مشاركة الآخرين في ما يقومون به من دون حقّ أو علم ـ وَكُنّا نُكذّبُ بِيومِ الدِّينِ ـ والتكذيب على قسمين؛ فمنهم من ينكر الآخرة، ومنهم من لا ينكرها ولكنه لا يعمل لها ـ حَتّى أَتانا الْيَقينُ * فَما تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعينَ ـ فالشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله ورضاه، فالأنبياء والأئمة يملكون الشفاعة بإذن الله، والله يتقبّل الشفاعة، وهو ما عبّر عنه الإمام زين العابدين (ع) في دعاء يوم الخميس: "واجعل توسّلي به شافعاً، يوم القيامة نافعاً" ـ فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ}.(المدَّثر: 38-51).

أمّا إذا كنتم أتباع جماعة في الدّنيا، فعليكم أن تنتبهوا، هل إنَّ هؤلاء الّذين تحبّونهم وتؤيّدونهم هم ممّن يرضى الله عنهم؟! لأنهم إذا لم يكونوا ممن يرضى الله عن تأييدهم، فإنهم سوف يتبرّأون منكم. يقول تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}(البقرة: 166-167).

لذلك، عندما تريدون أن تتبعوا أحداً، انظروا كيف يكون موقفكم يوم القيامة، {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله}[الانفطار: 19].

من أرشيف خطب الجمعة - العام 2009

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر