اليوم: السبت18 ذي الحجة 1441هـ الموافق: 8 اغسطس 2020

من صور أهوال يوم القيامة

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

{فَإِذَا جَآءتِ الصَّآخَّةُ}، وهي الصيحة العظيمة التي تصمُّ الأسماع من شدّتها، وربما كانت كنايةً عن نفخة الصّور التي تخرج النّاس من الأجداث، فتدبّ الحياة فيهم من جديد، لينطلقوا إلى لقاء الله في ساحة المحشر.

{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وأُمِّهِ وأبِيه* وصاحِبَتِهِ وبَنِيه}، إنه الهول الشّديد الذي يدفع الإنسان إلى التّفكير بنفسه، بعيداً من التفكير بغيره، فضلاً عن تحمّل مسؤوليّته، فتتقطّع بذلك العلاقات التي تشدّ الإنسان إلى أرحامه وإلى الأقربين منه، فلا دور للأخوّة هناك في اجتذاب عاطفة الأخ لأخيه، ولا مجال للأمومة والأبوّة لاجتذاب عاطفة الابن لأبويه، كما تذوب المشاعر الحنونة الحميمة في شعور الأب تجاه بنيه، أو إحساس الحبّ للزوج تجاه زوجته.

إنّه الفرار؛ فرار الإنسان من كلّ الذين قد يتعلّقون به، وقد يسألونه حاجةً، وقد يذكّرونه بعلاقتهم به، وقد يشغلونه بذلك عن بعض ما هو فيه، إنّه مشغول بنفسه، بمصيره، بالنّتائج المرتقبة أمامه، ولذلك، فإنّ كلّ تفكيره يتجه إلى ذلك، بعيداً من كل هؤلاء.

إنها لا تمثّل موت العاطفة، بل تمثّل تغلّب الخوف المرعب الهائل على إحساسه بعلاقاته النسبيّة والعاطفيّة، مما يجمّد له ذلك الشعور الإنساني الحميم، تماماً كما هي الحال في الحياة الدّنيا، عندما تضغط عليه التحدّيات الصعبة.

{لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}، لأن القضيّة قضيّة المصير الذي لا يملك أحد تبديله بأيّ وسيلةٍ من الوسائل التي كان يستعملها في الدنيا، عندما تزدحم المشاكل في ساحته، وتشتدُّ الضّغوط عليه، فيلجأ إلى ماله أو إلى أهله أو ولده أو عشيرته، فإنّ الدّنيا في خطّها التّاريخي العملي هي الّتي تحدّد الصورة الأخيرة للمصير الإنساني {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للهِ}، ما يجعل من كلّ إنسان إنساناً مشغولاً بما يقدم عليه في شأنه الجزائي، فهل يقدم على الجنّة أو يقدم على النّار؟!

فليس لديه فراغ لغيره، وليس عنده فضلة لسواه، إنّه همّه الكبير الذي لا همّ أكبر منه، وهو شأنه العظيم الذي لم يطرأ في حياته شأنٌ مثله، فعلى الآخرين من أهله أن يتركوه ليفكّر في همّه، وأن يدعوه وشأنه، فلا يشغلوه بشيءٍ من أمرهم.

إنّه الموقف العظيم الذي ترى فيه مستقبل النّاس وماضيهم في وجوههم، لأنّ تاريخ الإنسان الأسود والأبيض يتحوَّل إلى إشراقٍ وظلمةٍ في ملامح وجهه، كما أنّ مصيره المستقبلي ينطبع على وجهه في الصّفاء الذي يموج في بسمات العيون والشّفاه، أو في الغبرة المشبعة بالسّواد في كلّ الملامح المتعبة.

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} مشرقةٌ بالنور الذي يتلألأ في لمعات عيونهم وفي إشراقة وجوههم، {ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ}، فهي تضحك ضحكة السّعادة، حتى لتحسّ بضحكة العينين قبل ضحكة الشفتين، وهي تستبشر بما أعطاها الله من فضله، وأعدّه لها من ثوابه، وهذه هي وجوه المؤمنين المتقين.

{وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}، في ملامح الحزن والحسرة والهمّ الكبير التي تكدّر الوجه بما يشبه الغبار، {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ}، وهو السواد الذي يعلو الوجوه، فتحسّ بأنّ الليل يزدحم في كلّ ملامحها، وتلمح الذّلّ الذي يتمثّل في الخشوع والانقباض، {أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} الذين عاشوا الكفر عقيدة والفجور عملاً.

فهذا هو الجزاء العادل لهم، فهل يفكّر أمثالهم الآن قبل فوات الأوان؟

*من كتاب "تفسير من وحي القرآن".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة في ذكرى يوم الغدير: هل نقتدي بنهجٍ عليّ (ع)؟! فضل الله: لورشة وطنيَّة تحتوي تداعيات كارثة المرفأ جمعيّة المبرّات الخيريّة: لنكن صفّاً واحداً لمعالجة تداعيات الكارثة المبرّات توزّع كسوة العيد والعيديّة على 4600 يتيم ومحتاج فضل الله ينعى آية الله محمّد باقر النّاصري النبيّ إبراهيم (ع) ينجح في الاختبار الصّعب البلد لا ينهض إلا بتكاتف أبنائه والشّراكة بينهم "الممارسة الإسلاميّة النقديّة/ محمد حسين فضل الله أنموذجاً" فضل الله: لإجراءات جذريّة تحول دون كارثة وبائيّة
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر