اليوم: الجمعة8 صفر 1442هـ الموافق: 25 سبتمبر 2020

هل الحياة من شروط مرجع التقليد؟*

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

أمّا مسألة الحياة [في تقليد المرجع]، فلأنَّ السيرة العقلائيّة جارية على الأخذ برأي الميّت، فنحن نجد أنَّ الناس في كلّ مكان وزمان، يرجع الجاهل منهم إلى رأي العالِم، سواء كان هذا العالِم ممّن مضى عليه عشرات السنين، أو كان من الأحياء المعاصرين. فالبناء على الرّجوع إلى الميّت الخبير في أيِّ شأن من شؤون العلم هو أمرٌ عقلائي، لأنّه لا معنى لأنْ تكون حياة الإنسان، بما هي قوّة بالجسد، دخيلةً في حجيّة رأيه وعدم حجّيته.

حيث يكفي في حجيّة الرأي أن يكون صاحب الرأي واعياً، يملك علمه وخبرته وحيثيّته الاجتهادية عند إعطاء الرأي. أمّا ماذا يحدث له بعد ذلك من مرض أو موت أو ما إلى ذلك، فلا علاقة له سلباً أو إيجاباً بمسألة الرأي.

ولهذا، فإنّنا نجد أنّ الناس يرجعون إلى آراء الأموات بقاءً أو ابتداءً في هذا المجال. ولعلّ ذلك هو الذي يفسِّر لنا تأثير الكثير من أصحاب العلوم الطبّية وغير الطبّية في أجيال متعدّدة تثق بعلمهم، في ما يأخذون به في الأمور الصحّية، أو في الأمور الأخرى المتعلّقة بحياتهم. وهذا ما لاحظناه لدى علمائنا السّابقين الذين كانوا يأخذون بآراء مَن سبقهم من العلماء الذين يمثّلون قيمةً علميةً كبرى  في وعيهم. ولذلك، لم يثر هناك جدلٌ كبير في  ذلك الوقت في مسألة جواز تقليد الميّت أو عدم جواز تقليده.

وعلى هذا، فنحن نعتبر أنّ قضيّة التقليد هي قضيّة فطرية، تنطلق من رجوع الجاهل إلى العالِم، وليست قضيّةً تعبّديّةً شرعيّةً، ذلك أنَّ العقلاء يرون أنَّ أيّ إنسان يملك خبرةً في أيِّ علمٍ، فإنَّ قوله يكون حجّةً عقلائيةً في هذا المجال. ونحن لا نجد أنَّ هناك حاجةً إلى إمضاء شرعيّ في هذا الموضوع، لأنَّ الحجّة العقليّة تكفي في تحقيق العذر عند الخطأ، كما هي الحجّة عند الإصابة، كما لا نجد أساساً لشرط أن يكون المرجع حيّاً، ولا نعتقد أنَّ ذلك يمثّل مشكلةً في هذا الموضوع.

وإذا كان العلماء المتأخِّرون قد أثاروا مسألة الحياة كشرطٍ في حجّية الرأي الفقهي، فلأنّهم التقوا بالجانب الفلسفي المعقّد الذي إذا واجهناه، لا نملك إلاّ النظر إليه بإشفاق، لافتقار استدلالاتهم للأساليب العلميّة في المناقشة، إذ إنَّهم دأبوا على التساؤل: هل إنَّ الميّت له رأيٌ أو ليس له رأي؟ وهل إنَّ ذهاب الحياة يجعله بعيداً عن مسألة  الرأي؟ وما إلى ذلك ممّا لا دخل له بالمسألة من قريبٍ أو بعيد. فأن تبقى روحه ويبقى رأيه مع روحه أو لا يبقى، فهذه مسألة لا علاقة لها باجتهاداته التي انطلق بها من خلال وعيه العلمي وحضوره الفقهي، لأنَّ الطوارئ التي تطرأ بعد ذلك لا تخرج الرأي عن كونه رأياً، فرأي المجتهد، إنّما هو رأيه عند اجتهاده، لا رأيه في حركة وعيه الشعوري والإحساسي والعقلي. وإلّا، كيف نفسِّر حجّية رأيه عندما ينام؟! وكيف نفسِّر حجّية رأيه عندما يتعرّض لبعض الأشياء التي يكون مشغولاً فيها تماماً عن الانتباه بفعل ضغط الأوضاع؟

ونحن نعرف أنَّ كثيراً من العلماء الذين يملكون اجتهادات كثيرة، قد لا يتذكّرون كلّ هذه الاجتهادات، فيرجعون إلى ما كتبوه عندما يُسألون عنها، لأنَّ العالِم لا يستطيع أن يستوعب ذلك كلّه.

إضافةً إلى أنّنا نستطيع أن نستفيد من قوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل: 43]، ومن قوله: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[التوبة: 122]، نستفيد من كلّ ذلك، أنَّ الجواب الذي يتلقّاه السائل من أهل الذّكر يكون حجّةً عليه، وله أن ينقله إلى الآخرين. وهكذا الإنسان الذي يسمع الإنذار، فإنَّ من طبيعة الأمور أنَّه يتمثّله في حياته حتّى لو مات المنذر، أو أنّه ينقله إلى غيره وإلى أولاده وعائلته.

إنّي أعتبر أنَّ مسألة شرطيّة الحياة، من الأمور التي لا حساب لها أبداً في مسألة الحجيّة في كلّ المسيرة العقلائيّة، والمسيرة الفقهيّة ليست بدعاً من هذه المسيرة، لأنَّه لا خصوصيّة لها إلّا من خلال كونها عذراً أو حجّةً. وقضيّة العذر والحجّة هي من المسائل التي يتحرّك بها العقلاء في كلّ شؤونهم وفي كلّ حياتهم.

ولم أكن بدَعاً من الناس في التزام هذا الرأي، فهناك من العلماء الكبار جداً مثل (المحقِّق القمّي) (صاحب القوانين)، ممّن رأى أنَّ رأي الميّت حجّة، سواء كان في حال الابتداء أو في حال البقاء، وإذا كان بعض النّاس يدّعون (الإجماع)، فإنَّ الإجماع لا مجال له في هذه المسألة، لأنَّ هذه المسألة لم تكن محرّرةً في كتب القدماء بشكلٍ أساسي. إنّني أعتبر هذه المسألة من المسائل التي عقّدها المتأخّرون من خلال منهجيّتهم الفلسفية التي دخلت في حساب الاجتهاد الفقهي، من دون أيِّ أسُس ثابتة ومتينة في هذا المجال. ومن هنا جاءت وجهة نظري في جواز تقليد الميِّت بقاءً وابتداءً.

* هذا هو الرأي العلمي لسماحة المرجع السيّد محمّد حسين فضل الله (رض) الذي بيّنه في كتاب "فقه الحياة"، وإن كان في مرحلة الفتوى احتاط احتياطاً وجوبياً.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة الإمام الحسن: حليم أهل البيت (ع) المؤتمر التّربوي التّاسع والعشرون للمبرّات فضل الله: لبنان بحاجة إلى إطفائيّين وخصوصاً القيادات الدينيّة هل يحقّ لأبي منعي من الإرث؟! شهر صفر ليس شهر النّحوسة والتّشاؤم! لحكومةٍ منتجةٍ تراعي التَّوازنات والهواجس باحثون من جامعة USAL يكتشفون 1645 ثغرة برمجيّة الجمعة أوَّل شهر صفر للعام 1442هـ فضل الله نعى المرجع الصانعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر