اليوم: الاثنين7 ربيع الأول 1444هـ الموافق: 3 اكتوبر 2022

الفضيلة الأخلاقيّة الّتي بشَّر بها الرّسول (ص)

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

[جاء في دعاء "مكارم الأخلاق" للإمام زين العابدين (ع):]

"اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وَآلِه، وَسَدّدِني لأَنْ أعَارِضَ مَنْ غشّني بالنُّصْحِ وَأَجزيَ مَنْ هَجَرَني بالبرّ، وأثيبَ مَنْ حَرَمَنِي بالْبَذْلِ، وَأُكَافيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ، وَأُخَالِفَ مِن اغْتَابَني إلى حُسْنِ الذِّكْرِ، وَأَنْ أَشْكُرَ الْحسَنَةَ وأُغْضِيَ عَنِ السَّيِّئَةِ"...

هذه هي الفضيلة الأخلاقيّة الرفيعة التي بشّر بها رسول الله (ص) كقيمةٍ إيمانيّةٍ إيجابيّةٍ كبيرة، كما روى ذلك ثقة الإسلام الكليني في كتاب الكافي، بسنده عن أبي عبد الله جعفر الصَّادق (ع) قال: «قال رسول الله: ألا أخبركم بخير خلائق الدّنيا والآخرة؟ العفو عمّن ظلمك، وتصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك، وإعطاء من حرمك» .

وروى في الكافي أيضاً بسند صحيح عن أبي حمزة الثَّمالي عن عليِّ بن الحسين (ع) قال: سمعته يقول: «إذا كان يوم القيامة، جمع الله تبارك وتعالى الأوَّلين والآخرين في صعيد واحد، ثم ينادي منادٍ: أين أهل الفضل؟ قال: فيقوم عنق من النّاس، فتلقاهم الملائكة فيقولون: وما كان فضلكم؟ فيقولون: كنَّا نصل من قطعنا، ونعطي من حرمنا، ونعفو عمّن ظلمنا، فيقال لهم: صدقتم، ادخلوا الجنّة» .

وقد كانت سيرة الإمام زين العابدين (ع) مطابقةً لهذا الخطّ الأخلاقيّ في مواجهة النّاس الّذين أساؤوا إليه، فقد ذكر المؤرّخون - في سيرته - أنّ الإمام السجّاد كان يطوف في اللّيل متنكّراً على بيوت الفقراء، يوزّع عليهم الدّراهم والدّنانير، ومن بينهم ابن عمّ له، وكان إذا أعطاه يأخذ المال ويقول: ابن عمّي عليّ بن الحسين لا يصلني، فلا جزاه الله عنّي خيراً. فيتحمّل الإمام (ع) ولا يعرّفه بنفسه. واستمرّ الإمام في العطاء، واستمرّ هو على هذا الدّعاء، حتى انتقل الإمام إلى الرّفيق الأعلى، وانقطعت الصّلة، فعندها عرف المصدر.

وجاء في سيرته - أيضاً - أنَّ هشام بن إسماعيل كان والياً على المدينة في عهد الإمام (ع)، وكان أشدّ الناس قسوةً عليه وعلى أهله، حتى قاسوا منه ألواناً من الأذى والتّنكيل، ولمّا عزله ابن مروان - الخليفة الأموي - أوقفه للنّاس، وأتاح لكلّ من ظلمه وأساء إليه أن يقتصّ منه كيف شاء، فقال هشام: لا أخاف إلّا من عليِّ بن الحسين، لعلمه بما صنعت يداه تجاهه، ولما مرّ به الإمام (ع)، سلّم عليه وقال: "انظر ما أعجزك من مال تؤخذ به فعندنا ما يسعك، وطب نفساً منّا، ومن كلّ من يطيعنا". فقال هشام: "الله أعلم حيث يجعل رسالته". وشتمه أحد أقاربه، فقال له: إن كنت أنا كما تقول، فأسأل الله أن يغفر لي، وإن لم أكن كما تقول، فأسأل الله أن يغفر لك، فقال الرّجل - الذي فوجئ بهذا المنطق الرّسوليّ - : بل قلت ما ليس فيك، وأنا أحقّ به.

ولعلّ من الطبيعيّ أنَّ مثل هذا السموّ الرّوحيّ الأخلاقيّ، يحتاج إلى الكثير من المعاناة والمجاهدة النفسيَّة التي تقف بالإنسان عن الاندفاع في ردود الفعل الذاتيَّة التي تنطلق من المزاج الانفعاليّ أو العقدة النفسيَّة، وذلك بالتَّفكير في النَّتائج السلبيَّة في دائرة العنف في الرّدّ على مستوى المشاكل التي يمكن أن يثيرها في الدّنيا، مما يزيد الأمور تعقيداً عندما تتطوّر المشكلة الخاصّة لتتحوَّل إلى عدَّة مشاكل متنوّعة الأبعاد والأشخاص والمواقع، بينما يكون الموقف التّسامحيّ وسيلةً من وسائل تذويب المشكلة من الأساس، وبالتَّفكير في النّتائج الإيجابيّة في الآخرة في رضوان الله وثوابه، وعفوه ومغفرته، ولا سيّما أنّ العفو عن النّاس يجتذب عفو الله عنه، كما جاء في دعاء الإمام زين العابدين (ع) في دعاء السّحر الّذي رواه عنه أبو حمزة الثمالي قال:

"اللَّهمَّ إنَّك أنزلت في كتابك العفو وأمرتنا أن نعفوَ عمَّن ظلمنا، وقد ظلمنا أنفسنا، فاعفُ عنَّا، فإنّك أولى بذلك منّا".

هذا إضافةً إلى أنَّ الله أذن في ردّ الفعل على الإساءة والعدوان، بشرط أن يكون الردّ مماثلاً للفعل، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من الدقّة في تقدير الموضوع، لأنّه إذا تجاوزها إلى الزائد عن ذلك، كان ظالماً لصاحبه الذي ظلمه، ما يعرّضه لعذاب الله، وربما كان من الصّعب على الإنسان أن يقف عند الحدود الدّقيقة في ذلك كلّه، ولهذا كان من الأولى له والأحوط لتكليفه، أن يعفو ويصفح ويتجاوز عن السيّئة بالحسنة، لينال بذلك خير الدنيا والآخرة.

*من كتاب "في رحاب دعاء مكارم الأخلاق".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر